فلسطين، المكان واللامكان

بقلم: راما صافي

للمكان هذا السحر الخاص الذي يشبه وقع حبات المطر على سطح أملس بارد لامع، لا نسمع خطواتها متسارعة ساقطة من أعالي السماء بوجود ضجيج المدينة وهرجها ومرجها، فقط نستشعرها بغياب كل الفضاء حولها حيث تصبح القطرات مركز المكان الذي يجسد حدود الوجود لكوننا بما يحمله من ثقافة ومعرفة ومخزون فكري ووجداني.

ولما كانت فلسطين المكان المسلوب وجودا و الموجود حضورا –بما يشمله الحضور من تواجد معنوي خاص – لنا نحن الجيل الثالث والرابع من المهجّرين الفلسطينيين؛ وبالتوازي مع الزخم الهائل من المعلومات التي تسقيها لنا وسائل الإعلام ونستسقيها من الموروثات الشعبية وقصص الأجداد، ارتسمت لنا فلسطين مكانا موجودا في خيالنا بعيد المنال غريب الطبائع كامل الأوصاف؛ تفوقا على جميع البلدان ومكانا مقدسا لا ترتفع لمكانته أوطان الآخرين – حتى بنظر الآخر لوطنه.
فلسطين، ساحة الحرب، البلاد المغتصبة؛ حيث لا مكان هناك – كما ظننا- للفرح والعرس؛ فقط مواكب فرح لزفاف الشهداء، فلسطين حيث لا مكان للخونة واللصوص، فاللصوص هم من سرقوا كروم عنبنا في الخليل وبيّارات برتقالنا في يافا، فلسطين حيث لا قذارة ولا سفاهة. فهناك في القدس المسجد والكنيسة. فلسطين حيث لا مكان للجبناء فهناك جنين موطن الأبطال وغزة موطن الأحرار؛ أبناؤها حرثوا الأرض فاستخرجوا ذهبا، قطعوا البحار وجابوا المدن وعمّروا وكابروا وتحملوا الظلم والبهدلة والجوع والفقر… ورسمنا في خيالنا قصة وطن جنّة تعيش فيه الملائكة لتسرقه الشياطين بعد ذلك.
ثم سقط القناع كاشفا وجه المدينة. وكما تسقط أوراق الشجر في الخريف تاركة إياها عارية بلا شيء يستر ما كان لها من مجد وجمال ومكانة. تفتحت أعيننا لنعلم أن المكان الذي رُسم لنا كمدينة فاضلة بعيدة المنال لا نراها سوى بعدسات المصورين وقصص الحصاد ومواسم عصر الزيتون و قهر الهجرة و ظلم المخيم قد أصبح مكانا يزوره بعضنا، فيه أعراس وفرح وزواج وطلاق كباقي المدن العادية في الكون كله. فيه يموت الناس بالمرض والحوادث. كبارا عجّزا وليس كل موتانا شهداء شباب خطفهم العدو من بين أحضان أمهاتهم وشفاه حبيباتهم. فينا خونة خانوا كل تراب الوطن، فينا اللصوص والفجّار والكذبة والمرتشون، وزال القناع ليكشف لنا وطنا – فالوطن ليس جنة تسكنها الملائكة- وقد سلبه الناس منا – ومن سلبوه لم يكونوا يوما مجموعة شياطين صافية؛ أخذوه ثم اكتشفنا ضعف كمالنا ووهن براءتنا. وقد يكون هذا أفضل ما حصل لنا؛ فالإنسان لا يحارب يوما من أجل وهم مدينة فاضلة بل من أجل واقع وطن مسلوب وكرامة مهانة.
يقف الواحد منا الآن بعد مرور عقود على الهجرة مدهوشا وسط طريق بين جبلين؛ وعليه اختيار أحدهما للصعود وليس كليهما فإن التقاء الجبلين يعني ابتلاعنا بلقائهما؛ جبل يحمل هذا الحلم بالمكان السحري الكامل المثالي الرائع، البعيد المنال منطقيا بفكرته عن جميع البشر؛ فلم تطل يد إنسان مدينة فاضلة كهذه من قبل، وبقيت مجرد فكرة تطوفها أحلامه وأمنياته وأشواقه، ونرى على الجهة الأخرى جبلا تسكنه الحقيقة بوجهها الواقعي المر والحلو معا… قد نكون إن أردناها الآن اخترنا أن نقف في اللامكان قليلا بانتظار حقيقة الوصول لمكان واقعي حقيقي وهو للفلسطيني أفضل من الوقوف بمكان بانتظار أن يصل اللامكان. راما صافي، الأردن