الأمير لا يمزح، وأفضل ما لديه.. إغلاق الطرق

لندن- من عبدالعزيز المطيري
تفسير خاص للعلاقات الاخوية

أراد الامير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية السعودي أن يقول بضعة أشياء مهمة باتخاذه القرار بوقف العمل بآلية التنقل ببطاقة الهوية الوطنية مع الإمارات.
أولا، أن أي إنجاز تم تحقيقه في مسيرة مجلس التعاون الخليجي على مدى 28 عاما يمكن أن يتبدد في أي لحظة. وهذا أمر يقصد أن يضع الكثير من المصالح المشتركة على كف عفريت ليعطي إنطباعا للخليجيين وللعالم بأسره يقول: "لا تعولوا على العلاقة معنا. فكل ما تروه من بناء يمكن أن ينهار".
ثانيا، ان الاتفاقيات لا قيمة لها. الشكليات أهم. فأن تكون لديك اتفاقية لترسيم الحدود، لا يعني شيئا، المهم هو الخارطة التي ترسمها على بطاقة الهوية او تعلقها على جدران المدارس، او تحمل تصورا عنها في ذهنك. فاذا كانت هذه الخارطة لا تتطابق مع الخارطة المعلقة في مكتب الوزير، فان أول ما سيفعله، بعد بضعة رسائل إنذار، هو انه سيغلق عليك المنافذ ويقطع الطرق.
ثالثا، أن النزاعات او الخلافات بين "الأخوة" لا تحل بالتشاور الرفيع، على المستوى اللازم مع الأخوة، ولا بالعتب المألوف في العلاقات التقليدية بين أبناء الأسرة الواحدة، وإنما بالزجر والنهر وإصدار الأوامر. وهو مما لا يليق بأحد، دع عنك بالعلاقة بين دول عجنت وخبزت مصالحها المشتركة في السراء والضراء.
رابعا، مجلس التعاون الخليجي لا ينوي أن يستكمل مسيرة التعاون ليصبح التداخل بين المصالح تداخلا فعليا في "خرائط الشراكة" الأهم الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية. فطالما ان هناك خرائط "متنازع" او حتى "غير متنازع عليها" فان "خرائط الشراكة" يمكن أن تتعطل، أو يتم تدميرها، حسب رغبة طرف واحد، وجد نفسه منزعجا لأمر ما، فحكم على الأمور وفقا للعشوائية التي قد يفرضها المزاج أحيانا.
خامسا، نحن لا نحسب ولا نقدر العواقب، ولا تبعاتها. فالحجر الذي نرميه على سطح ماء، لا ننظر في الدوائر المتعاقبة التي ينشئها. فأن يكون لدينا خلاف على قضية، لا نعالجها وحدها، وإنما نلحق بالضرر معها كل قضية أخرى.
واضح ان الإماراتيين، وهم أصحاب الدعوة الى إنشاء مجلس التعاون الخليجي، ومؤسسوه، يواجهون اختبارا عصيبا آخر لمناعة علاقات الأخوة التي تربطهم بالسعودية كما ببقية دول مجلس التعاون الأخرى. إذ لم ينتهوا من أزمة عبور الشاحنات بذريعة الحاجة الى اخذ بصمات السائقين (ومعظمهم يعملون لحساب شركات سعودية)، حتى جاءت مشكلة أخرى. وليس من المستبعد أن يكون هناك بين أدراج مكتب وزير الداخلية الكثير من المنغصات التي لا تقتصر على منع الدخول ببطاقة الهوية.
الإماراتيون، ومثلما تغلبوا على سلسلة اختبارات منذ الإعلان عن رغبتهم بالبقاء بعيدا عن مشروع الوحدة النقدية، فإنهم سيتغلبون على هذه المصاعب من دون أن يرموا سطح ماء العلاقة بين البلدين بحجر. ولكنهم يعرفون إن علاقات الزجر والنهر لن تفضي الى نتيجة، وهي ستدفع بالمصالح المشتركة بين دول مجلس التعاون الخليجي الى الهاوية. وهم إذا كانوا ضحيتها اليوم، فان آخرين سيكونون ضحيتها غدا.
الإمارات هي ثاني أكبر قوة إقتصادية في الخليج. وكان يحسن بمن يرغب في أن ينمي علاقات التعاون بين دول المجلس أن يتعامل باحترام، وبحذر دبلوماسي، مع شقيق لديه من الإمكانيات ما يجعله يشكل فارقا مهما في أي مشروع عندما يكون أو لا يكون منخرطا فيه.
هل هذا "عقاب" او "منغص" إضافي على قرار الإمارات عدم الاشتراك بعملة خليجية موحدة؟
اختيار الإمارات عدم الانخراط بمشروع الوحدة النقدية كان له أسبابه البنيوية التي استفاض الخبراء في شرح "اصولها" ومبرراتها.
الأمر لم يكن يقتصر على طلب ان تكون الإمارات مقرا للبنك المركزي الخليجي، ولكنه كان يشمل قواعد وظروف عمل هذا البنك. كما ان الإمارات قالت بوضوح انه ليس من المناسب لمصالح كل الدول الخليجية، بما فيها السعودية نفسها أن تكون العملة الموحدة "دولارا سعوديا" بغطاء خليجي.
واتخذت الإمارات قرارا ذا طبيعة سيادية، هو في نهاية الأمر يتعلق بتقديرها الخاص لمصالحها الوطنية. وخير ما يمكن للعلاقات بين اخوة، إذا كانوا يتصرفون كاخوة فعلا، هو أن يتفهموا هذه المصالح ويستوعبوها ويقبلوها كما هي. بل أنهم يستطيعون أن يحولوا هذا التفهم الى أساس، لتعزيز العلاقات الأخوية وطمأنتها.
ولكن عندما تفعل السعودية العكس، فانها لا تقصد إلا إلحاق الضرر، ليس بالآخر فحسب، بل وبالنفس أيضا.
هل هناك خلاف حول الحدود؟
الشيء المؤكد هو أن هناك اتفاقية وقعت عام 1974 رسمت الحدود بين البلدين. وهذه الاتفاقية محترمة من جانب الإمارات، حتى وان كان لديها ما ترى انه موضع اختلاف بشأن جزء من تلك الحدود.
ما هو عملي وواقعي وحاسم هو ان البلدين لم يجعلا من هذا الاختلاف موضوعا لنزاع، أو سببا لعرقلة مصالح أو تبديد أسس.
ومع ذلك، فهناك فارق كبير، في حل قضايا الخلاف بين مراسلات وزارية ذات طبيعة بيروقراطية، وبين مشاورات تتم على مستوى عال للبحث في الخلاف. ثم هناك فرق كبير بين أن تحاول تسوية الخلاف في خلف جدران المنزل الواحد، وبين أن تحوله الى فضيحة مشتركة.
هل هناك تصور إماراتي ما للحدود يختلف عن التصور السعودي؟ نعم، وهو كالآتي:
فعندما دعا الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الى انشاء مجلس التعاون الخليجي، وعندما استضاف قمته الاولى في 25 مايو/ايار عام 1981، فقد كان لديه تصور عن "خريطة الإمارات" يمتد ليشمل الكويت والرياض والمنامة ومسقط والدوحة.
وهذه الخريطة ما تزال تهيمن على تصرف وعلاقات وتطلعات كل إماراتي. وعلى نحو ما، فانها مطبوعة بالحبر السري على بطاقة "الهوية" الوطنية.
ولكننا نأمل ألا يصل خبر هذه الخريطة الى وزير الداخلية السعودية، لأنه سوف لن يفرض "فيزا" على الجوازات فحسب، ولكنه سيقطع كل أنواع العلاقات بين السعودية والإمارات. وربما يُصدر قرار يُطلّق فيه كل سعودية تزوجت إماراتيا، أو إماراتية تزوجت سعوديا.
إذ هكذا تكون العلاقات بين "الإخوة". وإلا بلا.
فالأمير لا يمزح. وعندما تصل الأمور الى الخرائط فانه لن يتوانى عن إغلاق الطرق.