'غنا المجاذيب' فانتازيا الواقع والسينما والجنون

كتب ـ محمد الحمامصي
الرواية الأولى

بعد ثلاث مجموعات قصصيته هي: الذي فوق (2003) وأحلي البنات تقريبًا (2001) ودرقة البلاد (2008) أصدرت الكاتبة منال السيد أخيرا روايتها الأولى بعنوان "غنا المجاذيب" عن الدّار المصرية اللبنانية، والرواية رغم صغر حجمها، 120 صفحة، فإنها تغوص في عالم جديد على أجواء الرواية المصرية، حيث تختلط عوالم المجاذيب وحكاياتهم ولحظات انفلاتهم مع العالم الواقعي، فلا نعرف في لحظة محددة من العاقل ومن المجذوب؟ عبر لحظات شجن إنساني عذب.
كل شخصية في الرواية، لها عالم مستقل مليء بالمفارقات والأحداث، وحتى على مستوى العالم الواقعي تقوم الرواية بعمل ضفيرة بين ما يجرى من أحداث تجري الآن، أي الواقع الآني، الذي تحكيه الكاتبة بضمير المخاطب فيما يشبه فن السيرة الذاتية، وتمزج بينه وبين واقع آخر متوهم يحضر في الجسد الروائي على هيئة مشاهد سينمائية وشخصيات آتية من أفلام الأبيض والأسود، وكأنها تشكل المعادل الموضوعي أو الهروبي للعمل ككل، في لغة راقية وشفافة ومقتصدة.
ستصادفنا في الرواية شخصيات رشدي أباظة وعماد حمدي وتحية كاريوكا، وسامية جمال، تتعامل معهم الكاتبة وكأنهم شخصيات حية تعيش بيننا، يطبعون شخصياتهم على الأحداث الجارية الآن ويكونون مؤثرين وفاعلين فيها، أو تستحضرهم الروائية ليقوموا بدور الخلفية الروائية للمشاهد المعاشة:
"سامية جمال خرجت من الكادر الأبيض والأسود، غمزت لى غمزة وضحكت برقى، لبست فستان الفرح فبدت طويلة وخفيفة مثل عود، شاهدها عمي الذي يشبه، (وصفي زوج العروس ليلى) شاهدها في ليلة زفافهما فهاج في صمت، وهي بصت إليه في تعالٍ"
تدخل الرواية عالم هذيانات المجاذيب، والأفعال غير المبررة للبشر العاديين التي تشبه في حدوثها ما يقوم به المجاذيب، فكان العالم كله يصير في لحظة مرثية لأعمار كثيرة ضائعة، ومشاعر مهدرة لا تقابل بما تستحق، وعواطف تراق على التراب تحت وقع عام مليء بالشر وسوء الفهم، حتى أن الراوية تصير أحد هؤلاء المجاذيب الذين سيغزون الكون كله في وقت ما، "فالمجاذيب ليس بالضرورة أن تكون وجوههم متسخة، ملابسهم يملؤها طين متيبس، شعورهم ثقيلة من وطء الرياح لها، ليس بالضرورة أن تكون أقدامهم جافة، كل هذا ليس مهمًا، فدائمًا عيونهم تبرق وحتى في صمتهم يغنون".