تحجيم دور الصحفي وتهميش دور الصحافة

بقلم: صباح علي الشاهر

لم يذهب مثقفو العراق صباح يوم الجمعة المصادف 14-08-2009 للبحث عن الكتب في شارع الكتب والمكتبات. هذه المرّة تقاطر الصحفيون والكتاب على شارعهم ليطلقوا صرخة إحتجاج، تأخرت كثيراً، وربما كثيراً جداً.
لم يكن إجتماع الألف وخمسمائة صحفي وكاتب وفنان عراقي للتضامن مع زميلهم الصحفي والشاعر أحمد عبد الحسين فقط، وإنما لإعلان موقف، كان ومازال المبدع العراقي هو الأجدر من سواه بإعلانه. لقد طفح الكيل، وكان لابد من توجيه صرخة إحتجاج بوجه السياسي الذي أستأئر بالقرار السياسي، ويريد الإستئثار بالقرار الثقافي، وتحديد ما ينبغي وما لا ينبغي للمثقف والصحفي قوله.
باديء ذي بدء علينا التوضيح بإننا لسنا ممن يعترفون بوجود حرية صحافة في العراق المحتل، وأدلتنا على هذا لا تُحصى ولا تُعد، على رأس هذه الأدلة أن الصحافة صاحبة الموقف مُستهدفه ومُضيّق عليها، ومُعرضة للتشهير والحجب، والإتهام بالعمل وفق أجندات خارجية، وربما بالعمالة (رغم أن الصحف التي تعمل حقاً وفق أجندات خارجية، والتي هي عميلة فعلاً، ومُؤسسة ومُمولة من قبل الإحتلال لا أحد يدوس لها على طرف) وإن الصحفي صاحب الموقف، الذي يزاول عمله الصحفي كما يجب، بمعنى أنه يسعى بجهد للبحث عن الحقيقة والتعبير عنها، مثل هذا الصحفي مشروع إستشهاد، ولعل الرقم المخيف لشهداء الصحافة العراقية خلال سنوات الإحتلال يغنينا عن كل إستطراد.
إن وجود مائة مطبوع أو أكثر في البلد لا يعني في حقيقة الأمر شيئاً، فالأغلبية الساحقة من هذه التي تُسمى تجاوزاً صحفا، ما هي سوى لزوم الشيء، إنها جزء متمم للهلمة التي ينبغي أن يظهر فيها المسؤول، الذي يدس أنفه في كل شيء، فمثلما لدى السيد الوزير، أو وجيه آخر زمن، حفنة من رجال الحماية ومقر وأتباع، فإنه يلزم أن يكون له جريدة، يومية أو اسبوعية، فهذه الصحيفة للسيد الوزير، وهذه للوزير السابق، وهذه لرئيس الوزراء، وهذه لرئيس الوزراء السابق، وهذه للأسبق، وهذه لنائب رئيس الجمهورية، و(من هالمال حمل إجمال!).
من المؤكد أن هذه الظاهرة لا تعبر عن عشق السيد المسؤول للصحافة، ولا عن ولعه بها، ولا عن حبه للصحفيين بحيث يتطوّع لخلق فرص عمل لهم، ومن ماله الخاص الذي هطل عليه فجأة، وإنما هي تعبير عن ذاك الشيء الذي نترك للمختصين بعلم النفس توضيحه، خصوصاً إذا عرفنا أن أي من هؤلاء المسؤولين، من هم في الحكم الآن، ومن كانوا فيه سابقاً، لم تكن لهم أية ميول صحفية، أو أدبية، ولم يُعرف عنهم أي إهتمام بالعمل الأدبي أو الصحفي. إنه لأمر غريب أن يتحوّل هؤلاء فجأة بعد أن وضعوا على كراسي الحكم إلى أصحاب صحف ورؤساء مجالس مؤسسات إعلامية وربما رؤوساء تحرير!
لا يخفى على الفطن، أن تأسيس هكذا صحف، لم يكن الغرض منه إعلاء شأن الصحافة والصحفيين، وأزعم أن المُراد هو عكس هذا تماماً، لذا فوجود أكثر من مائة صحيفة (على هذه الشاكلة) ليس دليل عافية، ولا ينم عن حيوية وديناميكية الحياة السياسية ولا تنوع النشاط الفكري، ولا يمت بصلة إلى تعزيز حرية القول بتنوع مجالات التعبير، وهو إذ يمنح الصحفي قوت يومه فإنه يسلبه مبرر كونه صحفياً. يحوّله من ناقد إلى مُداهن، وإذ يتوزع الصحفيون على صحف السادة المسؤولين والمتنفذين، فإنهم يرهنون أقلامهم لهذا أو ذاك. سيقتصر نقدهم على ذاك المختلف سياسياً مع العم، أما العم فإذا ثقل على الصحفي مدحه، فما أقل أن يصمت عن فساده، وعند هذا الحد لا يعود الصحفي صحفياً، لأنه تخلى عن مهمته الأساسية، ألا وهي البحث عن الحقيقة، ونقد وتعرية الفساد والإفساد.
يبدو أن هؤلاء المتسمرين على كراسي الحكم التي وضعوا فيها لا يعرفون سوى لون واحد من الصحفي، ألا وهو الصحفي المُسبح بحمدهم، ولا يعرفون من الوسيلة الإعلامية إلا تلك التي يتفضلون بالظهور على صفحاتها أو شاشاتها، من أجل تلميع صورتهم، وتسويق ذواتهم.
ليس ثمة قضية يمكن أن توضح لنا حال الصحافة والصحفيين في العراق مثل قضية سرقة مصرف الزوية في الكرادة. في وضح النهار تقتحم ثلة من حماية نائب الرئيس مصرف الزوية. تقتل ثمانية حراس، وتسرق بضعة ملايين من الدولارات (قيل ستة ملايين ونصف) ثم تودعها في بناية الصحيفة التابعة للسيد نائب الرئيس. فيما بعد يتضح أن هذا الحرس قام بما يقارب الثمانين عملية، بين سرقة وإختطاف وقتل.
هل ثمة حدث أكثر إثارة لأي صحفي من هذا؟ وهل بإمكان أي صحفي يحترم مهنته الصمت إزاء حدث بهذا الحجم والدلالة؟ أتساءل، مجرد تساؤل: كيف تصرفت صحيفة "العدالة" التابعة للسيد نائب الرئيس إزاء هذا الموضوع، وماذا قال كتابها؟
ثم كيف كان تصرف المسؤول واتباعه، وبالأخص أتباعه إتجاه الصحفي الذي تطرق بمقال ساخر إلى هذا الموضوع؟
في الإجابة على هذين السؤالين يتضح ما كنا نقصده وما نرمي إلية في هذه المقالة.
تُرى هل نحتاج إلى إيضاح أكثر؟!
الذين وُضعوا على كراسي المسؤولية لا يعرفون دور الصحفي الحر، لكن الصحفي الحر يعرف دوره، ولعل مظاهرة شارع المتنبي- بمعنى من المعاني- رد الثقافة على أولئك السياسين النفعيين الذين يسعون لإقحام الصحفيين في صراع المناصب الذي يحاولون إظهاره بمظهر الصراع السياسي، وما هو بالسياسي، ولا يمت للسياسة بصلة.
بالخط العريض: السلطة متهمة بأنها تعمل على تحجيم دور الصحفي، وتشويه دور الصحافة، وهي متهمة بأنها متقاعسة عن حماية الصحفيين، والدليل أنها لم تصدر وقد مضت ست سنوات "قانون حماية الصحفيين"، في حين أنها تنفق المليارات على حماية طبول فارغة، ليس لها من هدف سوى الإفساد وسرقة المال العام. صباح علي الشاهر