مشكلة حركة حماس!

بقلم: صالح خريسات

ثمة ما يجب الاعتراف به الآن، وهو أن العلاقة بين حركتي فتح وحماس، لا تسير في الاتجاه الصحيح، ومهما غالينا في التفاؤل، فإن كل أشكال الحوار ومحاولات التوفيق بينهما، لن تؤدي إلى توافق وانسجام، في السياسة، وإدارة شؤون الحكم. فحركة حماس، شانها في ذلك شان كل الحركات الإسلامية المسلحة، تغرف من وعاء فارغ، تتوهم فيه الإصلاح والحل، للمشكلات التي تخلقها هي نفسها. فتدعي فساد أساليب الحكم، وتغلغل النفوذ الأجنبي، وهو الادعاء نفسه، الذي تكرره الجماعات الإسلامية، منذ الفتنة الكبرى، في التاريخ الإسلامي، وهي تلزم الشعب الفلسطيني، بالمداومة على الدفاع، عن الدين والوطن. وتستعين هذه الحركة، على تنفير الناس من حركة فتح، بتصويرها حركة خارجة على الدين، عاصية أوامر الله، وأوامر خليفة الله في ارض الله المباركة، وكل الخطب التي يلقيها أعضاء هذه الحركة، تدور حول الحض على الدفاع عن الدين، تحت راية حركة حماس، وكل القضايا، السياسية، والإدارية، والاجتماعية، عند هذه الحركة، ملونة بلون ديني، يكاد يكون امتدادا للنزاع الصليبي في العصور الوسطى. إنها باختصار شديد، تريدها حربا دينية، بمقاييسها الفكرية.
وفي تصوري، فان الأزمة ترجع في جوهرها، إلى سوء ظن كل من الفريقين بصاحبه، وإلى عدم توافر الثقة، بين الفريقين، وإلى الجهل الذي يقود عادة إلى عصبية عمياء، وتحزب ضيق، لا يقوم على أساس من منطق، أو سياسة، أو دين.
ومع أنه لا نملك إلا أن نكره الاحتلال ألف مرة، ونقاوم آلة الاحتلال التي تسحق الإنسان بلا رحمة، ولا شفقة، فإننا نملك في الوقت نفسه إلا أن نقدم الموقف كما هو دون تفسير نفرضه على الواقع، أو إضافة إلى ما يجري على الساحة الفلسطينية.
فالموقف الآن، يكشف النقاب عن سوء تقدير حركة حماس، للظروف الإقليمية، والمناخ الدولي الراهن، ورغبة الشعب الفلسطيني، في أن ينعم بحياة حرة كريمة، يرى من خلالها، بصيص أمل في مستقبل واعد، مثل شعوب الأرض.
إننا لا نشك أن الغالبية من أنصار الفريقين، مخلصون ومخلصات، ولكننا ننبه إلى أن الإخلاص وحده لا يكفي، وقد يضر بمصلحة الشعب الفلسطيني، على نحو مما جرى بين الدب وصاحبه، حين أراد أن يحميه، فألقى بنفسه فوق صاحبه، فقتله. إن معركة العرب والمسلمين، مع أعدائهم، لم تعد معركة حرب، وسلاح، وتدمير، وصمود على القهر، والموت، والفقر، وتزوير الانتصارات. بل هي معركة ذكاء، ونهوض، وتقدم. ويا ليت المخلصين في غير ذكاء، من الجماعات المسلحة البائسة، في كل مكان، يدركون أن واجبهم أن يتركوا مجال الحكم، والدعوة، ونصرة الدين، لإخوانهم، الذين أتوا الذكاء، والمهارة، والمراس.إن ما حصل في الآونة الأخيرة، بين حركة حماس، وبين ما يسمى أنصار جند الله، المنهزمين نفسيا وعقديا، يكشف عن مستوى الفكر المتواضع، والعقلية المتخلفة، التي لا تتسع لأبعد من النوم على الحلم البعيد، والتمسك بالأمور المظهرية، في الزى، أو إطلاق اللحية، أو تقصير الثوب، أو مدى الحجاب، أو صوت المرأة، أو الاختلاط، مع انه مشرع في مناسك الحج، ومع أن الرجال يكونون أشباه عراة.هذه العقلية التي تعيشها الجماعات الإسلامية، الحالمة بالسلطة والتسلط، والرجولة الزائفة، والخطب المنبرية المقاتلة الشرسة، يجب أن تتوقف عن إثارة الفتن بين جماعة المسلمين، ويكفي ما يحدث الآن في بلاد المسلمين، من متاعب تثيرها هذه الفئات المقهورة.
ومنذ أن تقلدت حركة حماس مقاليد الحكم، وبعد أن نجحت في انقلابها المثير للشفقة، وهي تقدم كل يوم دليلا آخر، تدين به نفسها، وتشجع المجتمع الدولي، على المضي قدما في فرض حصاره، ومنع المساعدات عن الشعب الفلسطيني، عوضا عن مظاهر الرجعية، والفلتان الأمني، وفوضى السلاح، والفتنة التي تطل برأسها بين الحين والآخر، وكلما دعت الحاجة إليها.
أما حركة فتح، فأرجو أن اذكرها بان الحركات الإسلامية، والتوجه الإسلامي، موجود على امتداد مساحة الوطن العربي الكبير، وقد وصل العنف إلى ذروته في كثير من هذه البلاد.والملاحظ انه كلما كان هناك انجاز وطني، للنظام الرسمي، كلما خفت وتضاءل حضور الجماعات الإسلامية.يعني ذلك أن تقصير حركة فتح في تحقيق الانجازات الوطنية، هو الذي ساهم في توسيع قاعدة حركة حماس، والحركات المؤازرة لها.لذلك فإنني أرى بان السياسة القمعية، ليست هي الحل لإنهاء المظاهر المسلحة بين الجماعات البائسة، والصحيح أن الانجازات الوطنية، الاجتماعية والسياسية، كانت وما تزال وراء هذا الهدوء الآمن في كثير من البلاد العربية والإسلامية، ما جعل هذه الحركات، تهدأ أو تختفي. لقد كان من نتيجة شعور هذه الجماعات، بعجزها عن مقاومة الانجازات الوطنية، في كثير من البلاد الإسلامية، أن ارتمت في احضان القصر الحاكم. هذا ما تقوله الحقائق التاريخية.
إن الرصد التاريخي الدقيق، يكشف عن أن هذه الجماعات، كانت في مرحلة من المراحل التاريخية، على استعداد لان تصل إلى وفاق مع الأجنبي، في سبيل ضمان حصتها في الثروة والسلطة. وقد عجزت طوال حياتها، عن تقديم برنامج سياسي، قابل للتحقق على ارض الواقع، إنما هي تعيش في أوهام كتابات المخرفين وأصحاب الدكاكين، الذين لم يكن لهم عمل يعيشون منه، وتوافر لديه متسع من الوقت ليضعوا لنا مثل هذه المؤلفات الضخمة، التي لا تميز بين الحقائق والأساطير، ولم تغن شيئا.
إن التاريخ السياسي للحركات الإسلامية، يفيد بان التوجه الإسلامي له وجود قوي في كل مكان، حتى بين الذين ليس لهم اتجاه سياسي واضح، فان بينهم وبين الجماعات الإسلامية علاقات صداقة وتعاون وتعاطف.وأشير هنا إلى عامل هام في هذه القضية، وهو أن الأثرياء الذين جمعوا أموالهم بطرق مشروعة، وغير مشروعة، ويشعرون بان اجلهم قد اقترب، بحكم عامل السن، أو العجز والمرض، و يريدون إن يكفروا عن ذنوبهم، يتصورون أن لديهم مهمة مقدسة، هي الدفاع عن دين الله بأموالهم، فيلزمون الشباب المتحمس بالمداومة على القتال، ويستمرون بجمع الصدقات ويرسلونها، في سبيل الموت الممجد كتضحية مقبولة. وقد أدت هذه الظروف إلى إحساسهم بالقوة، ومن ثم إحساسهم بإمكانية السيطرة على النظم السياسية، أو السيطرة على إرادة الحاكم والمشاركة في قراراته، وهم غالبا ما يطالبون بحق مراجعة القرارات قبل صدورها، الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى الصدام مع النظام القائم.
وبالتأكيد فإن حركة حماس، لا تقصد سوء مصلحة الشعب الفلسطيني، ولكن كما تتبدى لها، وحري بنا أن نتساءل: لماذا الخطأ في تقدير الأمور؟ لماذا تعطي حركة حماس العالم، مبررا لمعاداة الشعب الفلسطيني، وهو أحوج ما يكون للمؤازرة والدعم والمساندة؟!
وجه الغرابة أننا ما زلنا على تواضعنا في المعرفة، فقد اعتبرت بعض الأوساط، أن وصول حركة حماس للحكم هو النصر الحقيقي للمقاومة، والحقيقة أن الاحتلال ثابت لا يتغير، والأشياء باقية على حالها، ورغبة الشعب في تصفية بعضهم البعض في تزايد مستمر، تارة باسم الدين، وتارة باسم الوطنية، وتارة بتهمة الخيانة، والتعاون مع الاحتلال، ناهيك عن الجرائم الفردية، التي تقع بسبب ظروف الفقر، والحرمان، والبطالة، والأمراض الاجتماعية.
ويبدو أن ضعف التجربة في العمل السياسي، والتعاليم التي دعت أعضاء حركة حماس، أن ينطووا على أنفسهم، وعن السلطة الفلسطينية، هو الذي دفع الأزمة إلى هذا المنعطف الخطير، فحماس تظهر وكأنها الفئة البريئة الطاهرة، بين مجموعة من الفاسدين، والخونة، والعملاء لجيش الاحتلال، وهذا غير صحيح.
ولكن دعونا نتصور لو أن حركة حماس لم تشكل الحكومة لأي سبب من الأسباب، واكتفت بأن تكون الورقة الرابحة بيد السلطة الفلسطينية وهي تخوض معركتها السياسية، مع الجانب الإسرائيلي، فهل تصل الأمور إلى ما وصلت إليه الآن؟ هل كانت هناك إمكانية لرؤية فلسطينية واضحة لتحديد معالم الدولة المنشودة ومستقبل الشعب الفلسطيني؟! هل كان الشعب الفلسطيني سيعاني من الحصار، وانهيار الاقتصاد الوطني، والمصادمات العسكرية، وتدمير البنية التحتية، وحرق المؤسسات الوطنية، هل ستكون هناك حالة من العدائيات مع المجتمع الدولي؟!
الواقع أن موقف حركة حماس يذكرنا بمواقف بطولية زائفة، أشغلت العرب بالتطبيل، والتزمير، لأشكال الحرب، وفنون القتل، وأعمال التدمير، ولكنها في الواقع جنت على العرب أنفسهم، ولعل انتباهنا الآن يتجه نحو العراق، والحرب المستعرة هناك والتي يبدو أن المنطقة ستعيش آثارها لفترة طويلة بسبب ما قد يحدث في سياق التحولات العالمية.
فموقف حركة حماس، يذكرنا فيما حدث بالعراق، فقد كان الرئيس العراقي السابق صدام حسين يعتقد بأنه سيد اللعبة، وبأنه قد أخذ المبادرة باللحظة التي اختارها، بينما كانت وزارة الدفاع الأميركية تحضر منذ شهور كي تلغي هذا النظام وتسحقه، وهذا ما حصل على أرض الواقع.
إن حركة حماس، تسير في الطريق المظلم، وهي تحسب أنها قريبة من الهدف، لكنها في الحقيقة تبعد أكثر، وتحتاج إلى مصابيح كثيرة، تنير لها عتمة الطريق، قبل السقوط في غياهب المجهول، وأفضل وسيلة للخلاص من هذا المأزق، هو التوحد في دعم السلطة الفلسطينية، وتمكينها من إقامة علاقات متوازنة، مع المحيط الإقليمي، والمجتمع الدولي، لكسر مظاهر الحصار، ووضع القدم على الطريق الصحيح. صالح خريسات