جمهوريات 'العائلة المقدَّسة'!

بقلم: جواد البشيتي

سُئِل الرئيس المصري حسني مبارك، في أثناء زيارته للولايات المتحدة، عن جماعة "الإخوان المسلمين"، في بلاده، وعن رأيه في أن يخلفه نجله جمال في حكم مصر، فأجاب قائلاً: "الإخوان المسلمون" ليسوا بـ "حزب سياسي"، ولا يمكنهم أن يؤسِّسوا لهم حزباً سياسياً؛ لأنَّ الدستور لا يسمح بقيام حزب سياسي على أساس ديني (..) هذا الأمر (عدم السماح) جوهريٌ في الدستور (..) لم أتطرَّق مع نجلي جمال إلى أمر أن يخلفني في الحكم (..) مسألة توريث نجلي الحكم ليست في خاطري (..) الشعب هو الذي (عبر الانتخابات الرئاسية) يختار رئيسه."

في دولنا العربية، ليس من سؤالٍ أكثر فساداً من سؤال "هل تؤيِّد قيام أحزاب سياسية على أساس ديني؟".

إنَّني ضد كل تسييس للدين، وضد كل تديين للسياسة؛ وإنَّني، بالتالي، ضد قيام أحزاب سياسية على أساس ديني؛ ولكن، لِنَكُنْ صادقين مع أنفسنا، ولننأى بها عن "سياسة الكيل بمكيالين".

ليس في مصر (ولا في سائر الدول العربية) من حياة سياسية حزبية إلاَّ من ذاك النمط الذي فيه، وبه، تَظْهَر وتتأكَّد سيادة "الموات السياسي الحزبي".

وليس فيها من "التداول السلمي الديمقراطي الدستوري للسلطة" إلا ما يؤكِّد أنَّ "الحلال" في الاقتصاد، وهو التداول.. التداول الحر للنقود، "حرام" في السياسة إذا كان تداولا للسلطة.

الحزب الحاكم في مصر يُدْعى "الحزب الوطني الديمقراطي"، فلو أمعنا النظر فيه، وفي عمله ومهماته، لتعذَّر علينا العثور فيه على المعنى العالمي الديمقراطي لـ "الحزب" و"الحزبية السياسية"، ففئة ضئيلة من أعضائه هم الذين يقودون ويقرِّرون، يحكمون ويتحكمون. وهم لم يملكوا السلطة الحزبية إلاَّ لكونهم من ذوي النفوذ والسلطة والتأثير في خارج "الحزب"، وقبل أن يجيئوا إليه.

هذا "الحزب"، وفي معناه هذا، ليس من قوة سياسية في مصر في مقدورها تحدِّي سلطته ونفوذه غير جماعة الإخوان المسلمين، التي لا يمكنني فهم نفوذها الكبير والمتَّسِع في الحياة السياسية (والثقافية والاجتماعية) المصرية إلاَّ على أنه الثمرة المرة لـ "جَدْب وقحط وتصحُّر الحياة الديمقراطية" في مصر، فمِنَ "الموات السياسي الحزبي والديمقراطي" تَسْتَمِدُّ الجماعات السياسية ـ الدينية، أي الجماعات التي تمعن في تسييس الدين، حياةً وقوةً.

الآن، شرع الحزب الحاكم يُعِدُّ العدَّة للانتخابات الرئاسية المقبلة. والمهمة الكبرى التي يتوفَّر على إنجازها هي إخراج وطرد جماعة الإخوان المسلمين من الحياة السياسية الدستورية، أي أنَّ هذه الجماعة يجب أن تغدو في عجز دستوري عن دخول المعترَك الانتخابي البرلماني والرئاسي، فـ "الإصلاحات الدستورية"، وتدابير أخرى، يجب أن تُعْجِز جماعة الإخوان المسلمين عن تحدِّي مرشَّحي الحزب الحاكم في الانتخابات البرلمانية، وانتخابات الرئاسة.

قُلْت إنني أقفُ مع الحظر الدستوري لـ "الحزب السياسي ـ الديني"، على أن يأتي هذا الحظر عَبْر استفتاء شعبي حر وديمقراطي، يدلي عبره الشعب، أي من يحق لهم الاقتراع من الشعب، برأيه في "دستور جديد". وأقف معه إذا كان جزءا من "العَلْمنة الشاملة"، فما معنى أن نفصل بين "الحزب السياسي" و"الدين" من غير أن نفصل، في الوقت نفسه، بين "الدولة" و"الدين"؟!

إنَّ "المشرِّع" في مصر (وفي سائر البلاد العربية) لا يحق له أن يدعو جماعة الإخوان المسلمين إلى الأخذ بـ "الحزبية اللا دينية" إذا لم يَدْعُ، في الوقت عينه، إلى الأخذ بـ "الدولة اللا دينية"، فالاستخدام السياسي للدين يجب أن يُحْظَر على مستوى الأحزاب وعلى مستوى الدولة، التي تَفْهَم "العلمانية" على أنَّها تحرير ترفضه للدين من قبضة الدولة، فالدولة عندنا يحق لها ما لا يحق للأحزاب، وكأن الاستخدام السياسي للدين هو حق لها وحدها!

وعلى الدولة عندنا، قبل أن تدعو، وحتى يحق لها أن تدعو، إلى حظر كل حزب سياسي يقوم على الدين أن تجيب عن السؤال الآتي: هل "السياسة" بُعْدٌ من أبعاد الدين الإسلامي؟

إذا أجابت قائلةً، إنَّ للدين الإسلامي وجهة نظر حتى في الشأن السياسي على رحبه واتساعه فلا يحق لها، عندئذٍ، أن تدعو إلى حظر "الحزب السياسي ـ الديني"، فالدعوة تغدو مروقا من الدين!

أمَّا الكيل بمكيالين في أمر العلاقة بين الدين والسياسة فهو رجس من عمل الشيطان السياسي الداخلي (والخارجي). لقد حان للدولة عندنا حسم الأمر، فلا يحق لها أن تُزوِّج السياسة بالدين عندما تقضي مصلحتها بهذا الزواج، وأن تُطلِّقها منه عندما تقضي مصلحتها بهذا الطلاق.. فقليلاً من النفاق!

من قبل، أفتى مفتي مصر علي جمعة في مسألة "تولِّي المرأة رئاسة الدولة"، فأكَّد في فتواه، التي وُصِفَت بأنَّها "فتوى رسمية"، ونشرتها صحيفة "الأهرام" الحكومية، أنَّ هذا الأمر غير جائز شرعا؛ "لأنَّ من سلطات رئيس الدولة إمامة المسلمين في الصلاة شرعا، وهي (أي تلك الإمامة) لا تكون إلا للرجال".

المفتي، حتى يُسْمَع، أبدى شيئا من "المرونة الحضارية"، فقال في فتواه "الرسمية": "إذا كانت الحقوق السياسية، بمفهومها الشائع، تشمل حق الانتخاب والترشيح وتولِّي الوظائف العامة، فإنَّ مبادئ الشريعة لا تمانع في أن تتمتع المرأة بحق الانتخاب والترشيح، وفي أن تتولَّى الوظائف العامة ما عدا وظيفة رئيس الدولة".

وعليه أجاز المفتي، إذ أجازت له مبادئ الشريعة، التي لا مصلحة له في تأويلها (حتى الآن) إلا كما أوَّلها في فتواه، للمرأة أن تصبح قاضية.

ولمَّا كان "الرجال" في مجلسي "البرلمان"، أي مجلس الشورى ومجلس الشعب، لا يملكون من سلطة القرار (السياسي) إلا ما يقل عمَّا تملكه المرأة من "سلطة" في "بيت زوجها، أو في "بيت أبيها"، أجاز المفتي للمرأة الترشيح في الانتخابات لعضوية هذا المجلس أو ذاك، "على أن" تُوَفِّق بين عملها العام هذا وبين حق زوجها وأولادها.. عليها؛ وعلى أن تبتعد عن السفور، والتبرُّج، و"الخلوة غير الشرعية (مع الرجال)".

ما أعلمه علم اليقين أنَّ ما يتحدى المفتي على أن يفتي فيه، وتحتاج "الرعية" إلى سماع رأيه (أو رأي الشرع عَبْر رأيه) فيه، هو مسألتي "الرئيس الأبدي" ولو تأبَّد حكمه بفضل "نظام ولاية تِلْوَ الولاية"، و"حق الابن في أن تكون رئاسة الدولة، أو الوظيفة العامة العليا، جزءا ممَّا يَرِث عن أبيه".

المفتي كان "علمانيا" في الأمر السياسي الذي لرئيس الدولة مصلحة في "عَلْمَنَتِه"، فالمواطنون (المصريون) المسلمون لا يحق لهم، ولا يجوز، أن يدخلوا المعترَك الانتخابي، ترشيحا، إذا ما كانوا ينتمون إلى حزب سياسي "يقوم على أساس ديني (إسلامي)"، فـ "الدولة لا دين لها"، وإنْ اتَّخَذت، في دستورها، الإسلام مَصْدرا للتشريع!

لماذا لم يتجرأ المفتي على التكلُّم بالكلام غير المباح؟!

لماذا لم يُجِبْنا، في فتوى رسمية أو غير رسمية، عن السؤال الآتي: "هل يحق لحزب سياسي (أو للرجال من هذا الحزب) يقوم على أساس ديني (إسلامي) الترشيح في الانتخابات البرلمانية والرئاسية؟"؟

إذا كان جوابه الذي نَفْتَرِض هو "كلا، لا يحق له؛ لأنَّه يقوم على أساس ديني"، فلماذا جَعَلَ "الإمامة" شرطا لـ "الرئاسة"؟!

ولماذا لم يَدْعُ رئيس الدولة، الذي ما مِنْ سلطة إلاَّ ويمارسها، إلى ممارسة "سلطة الإمامة"، فلا نحن، ولا المفتي ذاته، رأيْنا رئيس الدولة يَؤُمَّ المسلمين في الصلاة، ولو كانت صلاة الجمعة أو العيد؟!

والمفتي، قبل أن يحلِّل ويُحرِّم في مسألة "رئاسة الدولة"، كان ينبغي له، شرعا، أن يوضح لنا ويؤكِّد أنَّ "الجمهورية"، برئاستها وبرلمانها بمجلسيه، هي من "الحلال السياسي" في الإسلام، وأنَّ رئيس الدولة هو في منزلة "الخليفة السياسي" للنبي، الذي كان يَؤُمَّ المسلمين في الصلاة، ويتدبَّر أمور دنياهم بين صلاة وصلاة.

دولنا، والحقُّ يقال، أثْرَت وأغْنَت "السياسة"، علماً وثقافةً وتجربةً، إذ أضافت إليها ما يشبه "المبدأ"، وهو الآتي: كل نظام حكم ملكي يقوم على التوريث (توريث الحكم للنجل أو الشقيق) ولكن ليس كل نظام حكم يقوم على التوريث (للنجل) يجب أن يكون ملكياً، فـ "جمهوريات الآب والابن والروح القُدُس" يمكن (ويجب) أن تقوم هي أيضاً على التوريث! جواد البشيتي