الشفرة ومسرح الغواية لدى الفاضل الجعائبي

بقلم: أسمهان العنابي
فلك المسرح

لم نسائل النفس علنا داخل فلك المسرح؟ كم مرة يدفن الستار الفكرة المجردة ويورق أجسادا مريبة وحالمة؟
لم يحظ المسرح التونسي الجديد منذ فجر تحولاته المجيدة في السبعينيات بالهالة الضرورية من مساءلة للمعيش الفكري والسياسي والثقافي وبالقدر الكافي من النقد البناء والنظر المتبصر بآليات التحليل الموسومة بالموضوعية والبحث عن الخصوصية.
ولم يكن في مجرة تنويعات مسرحه الدرامي غير فكر تناقلتها الصحف السيارة والمجلات التونسية الإخبارية دون عمق وغوص لبواطن الأشياء وما يمكن التنويه به هو التحاليل الجامعية التي نرصدها لبعض الدارسين للدراما الركحية والفنون الفرجوية للمبدع الدكتور محمد المديوني مسطرا خطوط التنافر والالتقاء والأستاذ الكبير حمدي الحمائدي ممعنا في التنقيب عن مخيال ركحي والمفكر المسرحي حافظ الجديدي شاهرا سيف الفضاء والعالمية والناقد عبدالحليم المسعودي مبحرا في الكون السياسي لوالتر بنيامين والباحث الفريد في السياسي والسيمياء الفرجوية الهادي خليل وغيرهم من المتصدين لهذا الكون الرمزي ذي الأبعاد الركحية الممتدة إلى ضفاف الغرب.
وبالرغم من كل ذلك فالعمل النقدي لم يكن فاعلا ومريدا بوعي ثاقب ونافذ لخصوصية مسرح بدأ مع النهضة الكبيرة التي أذكى نارها الفنان المسرحي العظيم فقيد المسرح الوطني التونسي علي بن عياد. ذاك الذي استلهم من فكر المسرح الغربي الألزباثي والشعبي الفرنسي لجان فيلار وجيرار فيليب.
"وجوه الإنتقاض في مسرح الفاضل الجعائبي" كتاب يخرق العادي ويثير الانتباه الواعي للمشاهد بالمفهوم البراشتي ويحرك السواكن على طريقة غروتفسكي.

ماذا قد يكون أحدث الإضافة حقا كتاب كتب بالفرنسية للأستاذ منذر شفرة في فرنسا...؟
وهل كان حريا بالأستاذ منذر أن يكتب بلغته الأم العربية كما عودنا وهو الشاعر القيرواني أم أنه آثر السير على خطى الطاهر بن جلون ورشيد بوجدرة وأخيرا سليم باشي وغيره؟
ليس من الهين الولوج إلى هذا البحث القيم وذلك لسببين: يكمن الأول في عسر المفهوم الدقيق للانتقاض المسرحي، وهو عملية تبيان للخصي الاجتماعي والفكري والنفساني، ونتبين الثاني من خلال خصوصية تجربة المسرحي الفاضل الجعائبي ورفيقة دربه الممثلة المبدعة جليلة بكار وهي بصمة من الصعب معالجتها في المجال الزماني للعمل الإبداعي والترميز المكاني داخل منظومة ليست بالبسيطة بل هي توريق للمعني وإجلال للنفس.
ربما كان علينا الإشارة أن هذا الكتاب يمثل التحول الأمثل لتناول مأزق الحداثة المسرحية بتونس والتي بلغ صيتها الشرق والغرب. فما عبر عنه المسرح التجريبي البيروتي والقاهري من إعجاب لمسرح الطليعة بتونس لم يعد سرا، وهو التفوق البين على مستوى تناول التجريب الكرونوتوبي فوق الخشبة، والبحث عن جمالية فريدة للجسد في انعتاق فكره وتأملاته.
ربما كان الباحث والمخرج التونسي المنصف السويسي محقا حين أعلن فرادة أصحاب "غسالة النوادر" تلك المسرحية التي شهدت بروز طبقة المثقفين المتأثرين بنظريات بريشت وبينا باوش وستانسلافسكي وغروتوفسكي ورواد المسرح السياسي في الغرب حسب مفهوم شامل للسياسة وجمالية التلقي.
كتاب منذر الشفرة يمثل نقلة نوعية لأنه يرفع قدسية التأليه عن مسرحي حسب على اليسارية الفنية وأرسى لنفسه منهاجا بعينه. بيد أننا لا نشاطر الكاتب حين يجعل من مسرحيات "سهرة خاصة" و"خمسون" قمة في الترميز الفني لأنها نسخ فنية وتطبيقات للدراما الإيطالية والفرنسية المعاصرة مع إضافة نكهة العامية التونسية الحضرية (اذ الجعائبي ينفي اللهجة الريفية وإبداعها).
المسرح قد ينبني في عصر النهضة أو المسرح الكلاسيكي الجديد (المدرسة الكلاسيكية) ولكنه يتبدى في صيغته المعاصرة إعلانا للاغتراب والجنون حيث: "يرتكز مسرح الجعائبي علي الإبهار. سواء أكان على مستوى الصورة أو العبارة لأن العمل الفني يبين بحق اتجاه زعزعة الفكرة المسبقة. في افتتاح مسرحية "خمسون" نجد نفس الترددات من ضوء كاشف ومبهر يكاد يقول: "أفيقوا أيها المتفرجون". يحيلنا هذا التفكير إلى ضرورة الإسراع بترجمة الكتاب إلى اللغة العربية لأنه يفيد الإبداع ويمثل المرايا العاكسة للجمالية والتقنية المستعملة.
نفيد من كتاب وجوه الأنقاض من معين الإبداع الغربي في مجال المسرح، ونجد أن الشفرة لم يتفطن إلى وجهة الجعائبي الغربية حيث أنه لم يحاسب التجارب الواردة في أعماله ولم يطرح قضية الشرق والغرب في أكبر تجلياتها التصادمية واعتبر نفسه كائنا فضائيا وإنسانيا لا يسعه سوى التنصل من عروبته نحو فكر فرانكو آراب دخيل.
إن النظر السريع إلى تجارب الغرب في المجال المسرحي يجعلنا نصل إلى القناعة التالية: الغرب لا يمنح النموذج بل يرحب بكل إضافة شرقية وتنبني بالتالي مسرحيات سهرة خاصة وعشاق المقهى المهجور وخمسون على تطبيقات باهتة لما توصل إليه منوشكين وباترس شيرو وحتى إعادة صياغة تأثرهم بالمنحى الشرق آسيوي فهي إذن الغربة المضاعفة.
قراءة في تأريخ المسرح: هل يمكن اعتبار تجربة الجعائبي تنويعة على النهضة الغربية للمسرح؟
هل يمثل تطرقه للمقدس والسياسي خروجا عن التقليد التونسي الذي اختطه مسرح بلدية تونس؟
لا يمكن الإجابة دون هذا العرض المطروح في كتاب الشفرة حول المسرح والنهضة الجمالية.
حين نعود إلى عصر النهضة نجدها قد أعلنت صدور ثورة الإصلاح الديني البروتستانتي بقيادة مارتن لوثر على المسرح في أبهى تجلياته، فأخرجه من طابعه المقدس إلى طابع هزلي دنيوي مدنس يكمن في الحياة المعاشة. وقد انطلق المسرح الكلاسيكي في عصر النهضة من شعرية المسرح الإغريقي والمسرح الروماني لكي يحلق بعيدا إلى آفاق جديدة للإبداع؛ وذلك ببعثه وإحيائه من جديد قصد تطويره ودفعه لمواضيع متنوعة.
وهكذا فتجربة المسرح المتوسطي، ومن عقبه، تميزت بالفرادة والغوص إلى جوهر الذات، وسار على المنوال الروماني مستفيدا من نظريات أرسطو في فن الشعر مستبعدا كل ما كان قبل ذلك من مسرحيات دينية وفلكلورية ودرامية، وأصبح البحث الدرامي بحثا جماليا وبلاغيا خالصا. ولم تكن تجليات المسرحيات إلا في نطاق المجموعات المنظمة للشعب والجمعيات المسرحية. ويمكن ذكر بعض الأعمال المميزة في تلك الحقبة مسرحية مكيافلي بعنوان "ماندراﭽور"، وهي مسرحية هزلية شديدة الفظاظة وهو ذات الأسلوب المتبع في تجربة الجعائبي حين يجعل من المرأة ذلك الكائن المتمرد.
أعمال الجعائبي، حسب المنذر الشفرة، تخرج عن المألوف وتبني لها صروحا من وهم وقد يعيب الكثير على الفاضل الجعائبي وجليلة بكار سطوة اللغة النزقة الموسومة بالزندقة.
إن لأي كائن مسرحي خلاق فضائين، كونا خارجياً يُشعر به ويتفاعل معه ويستمد منه نبض الواقع، وحركة الأحداث اليومية وفعاليات المسرحة ومدلولاتها. وكونا آخر باطنيا صرفاً يُكَوِّنه ويرسم أجواءه ومعالمه ويشيد مساراته وأجمل قناطره من تأملاته الباطنة في ذاته كخلية شديدة التأثير في المجتمع أولاً وكنسيج حريري من قماش ضام له تفردُ إحساسه الدرامي الخصوصيّ ثانياً.
ومن أفيد التجارب خلال مسرحية "عشاق المقهى المهجور" أن ينعكس العالم الخارجي بكل صخبه ووكلامه الموسوم بالشارعي (أي كلام السوقة في تونس) واغتذائه بإرث غريب وغرائبي في آن على العالم الداخلي للمخرج الجعائبي وبكار الكاتبة والممثلين كالمداني وبوزويتة والنهدي (الذي شذ عن قاعدة الثقافة ليبين من خلال الوان مان شاو أن الثروة قد تأتي من نص لفنان كمنصف ذويب) بفيض كلماته واندفاعه وجنون هواجسه وتساؤلاته بعد أن يدمج روح مشاعره ويلقي بها في أتون الغرب الفرنسي حيث يستقي الجعائبي أعماله من جان فيلار وجاك بي ومنوشكين وستانيسلافسكي وتلك نار معرفته وخبرته، وهو حقا قدم أخيل الذي نسيته والدته وغفل عنه الشفرة في كتابه وإن تفطن إلى كون الجعائبي لم يكن بنفس المسار العروبي الذي انتهجه منصف السويسي.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن حداثة المسرح التونسي انعرج مساره منذ رائعة "غسالة النوادر" للمسروقي والجعائبي والجزيري وبكار ومحمد إدريس (ذلك الذي خير التجريب في إدارة المسرح الوطني التونسي وراح به بعيدا إلى مزاوجة قسرية للفنون الفرجوية) الذي يعيش المؤلف الدرامي والمخرج ولاعب الضوء في مصير عمله وما يفرزه ذلك من معطيات حضارية وبيان فني تشكيلي حيث في كل مسرحية للجعائبي نزهة للألوان.
ولنا أن نلاحظ في كتاب "الشفرة" بيان اللون حسب بوب ويلسون وزواج الوحدات المعدلة كالأبيض والأسود في عمل "سهرة خاصة" حيث خصص منذر الشفرة فصلا بأكمله للقيام بمقاربة فينمنولوجية لشخصيات العمل في تطارهم الخيانة الزوجية ولعبة القتل. إنها علمية على كل الجوانب تذرع آفاق الرمز وتأرخ لعصب الإغتراب، لا بد أن تكون حافزاً من مجموع الحوافز التي تدفع الكاتب واللاعب حسب (هويزنقا) لأن يكون حداثياً فقد أبدع هنا الشفرة باستعمال الفرنسية الأدبية.
وكم كنا نود لو كانت له ريشة عربية جاحظية. فالناقد الذي ينصهر في لجج العصر ويحيا علائقه لا بد أن يكون ذلك الواعي بهم عصره وواحدا من الشهود الحقيقيين في خضم الكذب والتضخيم العولمي وأمركة الثقافة وتلك علاماته، وإذا لم تنعكس الصفات الحداثية (تشكيل، هندسة، تناظر، تنامٍ، وعي، عمق، جدلية) فإنه يُعدُّ فنانا ملتزما عاش في زمن عصره ولم يعش لبلد محتل سابقا كفرنسا.
إن الجعائبي يتناسى الألم القسري ويسري مع موجة التحديث الغربية وضمن الكتاب نفهم اندهاش المثقف التونسي بفكر المسرح التقدمي، والحال أن الشفرة شاعر قد أصدر ديوان "أنامل وأقراص ليزر" ولكن بالرغم من ذلك نراه يحاول التندر بالنقد البناء والموضوعية الخالصة، لأن المعاصرة تزامن متناسق مرحلي يعيشه كل أديب وفنان بينما يكمن العمل الدرامي الخلاق في نسق حضاري متطوّر وشموليّ.‏
والحداثة كمفهوم يتبين لدى العارفين كمجاوزة للثنايا المبسوطة لدى العديد من دارسيها والمتعاملين مع المسرح، عمل انتقاضي فعلي وحداثي كما يقول الشفرة وثانياً لأن لكلّ مبدع حديث متميز حداثته الخاصة أيضاً. لكنني أعتقد أن الحداثة تعني فيما تعنيه الاكتشاف المستمرَ للأشكال بنفس الوتيرة المسرحية المستجدة والثورة على النمطية الأسلوبية المستعبدَة والمروق المتوارث، بل إنني أعتقد أن لكل نص حديث حداثته الملتبسة به، أقصد حداثته المميزة له عن نص العمل لا يكتمل إلا على ركحه.
إنني أتصور أنّ الحداثة عالم ممتد الثنايا والأنماط التعبيرية. إنها مغامرة متواصلة في صميم النص الفني المراهنة على الحاضر لذا فهي مفتوحة الآفاق بتزامن على الجديد، هاجسها الأول والأخير تقديمُ عملٍ شعري يتخطّى ما سبقه ويتجاوزُه إلى أفق مجهول، لكن هذا القول يبدو سابقا لأوانه إذا لم يجرب في مفاصله، لذا فإنني أعتقد أن الحداثة تكمن في مفصلين الأول هو مسألة الرؤيا التي تبني ذاتها بذاتها، وهو الذي سماه الشفرة البعد الرمزي للكينونة، عبر أنساغها التي تكاد لا تُرى أو تُحس، ومن أن الرؤيا محاولة كشف ومحاولة عبور.
ولكي نفسر لا بد أن يكون هناك ما نعبره (قاعدة الواقع التي تنطلق منها الرؤيا) والتي هي بالتالي حصيلةُ كل تراثنا الماديّ والمعنوي، وكان لها عمل في صلب المخيلة كان أثره بالغا في المسرح المتوسطي المنفتح على الضفة الشمالية.
أما بالنسبة للمسرح الفرنسي الذي أذكى التجربة التونسية منذ بروز هامة علي بن عياد فهو غني بالتجارب الرائدة. وكان لأثره في التقنيات الدرامية تجلي في كل الأعمال من جنون إلى "خمسون" أو كما سماها بالفرنسية "جسوم رهائن".
تنطلق النصوص المسرحية الفرنسية الكلاسيكية من عدة مبادىء أرسطية تتمثل في حسب المراجع التاريخية للمسرح وهي كالتالي:
• تقليد الطبيعة أو تقديم صور فنية منظمة وجيدة عن الطبيعة؛
• احترام العقل والابتعاد قدر الإمكان عن الوهم والخيال؛
• الوظيفة الأخلاقية المبنية على الإرشاد وتعليم الناس القيم الأخلاقية وتغيير المجتمع عبر نشر الفضيلة ودرء الرذيلة؛
• احترام مبدأ المحاكاة؛
• مراقبة اللياقة والأدب؛
• الالتزام بالوحدات الثلاث.
ولم يظهر المسرح الكلاسيكي في فرنسا إلا في1630 مع تراجيديات راسين وكورناي. وكانت مبادىء المسرح اليوناني تحترم بشدة، وعندما حاول كورناي في مسرحيته "السيد" انتهاك قاعدة المحاكاة لم تجزها الأكاديمية الفرنسية على الرغم من نجاحها. وكانت المسرحيات الكلاسيكية الفرنسية تعتمد على الأساطير وتمثل البنية الدرامية الموروثة واستعمال الإيقاع الكلاسيكي الجديد.
وإلى جانب التراجيديين راسين وكورناي كان هناك المسرحي الكبير موليير الذي أنتج هزليات مضحكة متأثرا بالكوميديا الشعبية الإيطالية وكوميديات القيم. وكان موليير أكبر ممثل كوميدي في عصره، يدير شركة مسرحية تحولت بعد موته بقرار لويس 14 إلى الكوميديا الفرنسية التي تعد اليوم أقدم مسرح وطني في العالم. وهذا يحيلنا إلى نفس الهاجس الذي حاول الأستاذ منذر الشفرة أن يتعرض إليه بكل الموضوعية المطلوبة من دقة وإحالة ولغة فرنسية مميزة لا تخلو من إبداع يذكرنا بمقاربات أنطونان أرتو ورولان بارت حيث يصرح في الصفحة 56 من كتابه النقدي:
"لا يمكن تجنب مسرح القساوة لأنه يعكس عالما مجرما وانحدار عقيدته من أعالي التطور. وإذا ما كانت الكتابة قد حملت داخلها أساليب اليقظة المنقذة من تفسخ النفوس فتعبيرات الإخراج بإمكانها تحريرها. وقد أحسن الفاضل الجعائبي استعمالها بذكاء وموهبة خارقة بكل التوريات الممكنة حتى ينهض بأقوال شخوصه إلى مستوى الاحتجاج".
يضمن الشفرة في تحليله اطراء لما يقوم به الجعائبي في مسرحة الموسوم بالرفض والبلاغة ولا يشكك البتة في عروبة المبدع الذي نرى أنه ترك جانبا مهمة اللقاء بالهوية كعمل في صميم الإبداع وغاص في الرمزية المستهلكة.
لنا أن نعود إلى مقاربة الدكتور نبيل أيوب في مقاله "تحليلية هايدجر للدازاين الشعري: أناشيد هو لدرلن ومراثي بازولين".
"ليس الموت حدث عارضا، إن إدراكه هو وسيلة الدازين الوحيدة لامتلاك فريدته، علما أن الفردية تخرج على فهم هايدجر للإنسان، الإنسان مستبعد عنده كليّـة، مع أنه يعطي التجربة بعدا خاصّـا للقلق الأهمية الكبرى فيها. هذا القلق يخمر الحياة من كل صوب بسبب وجود الإنسان من غير ماهية مسبقة ولأنه عليه أن يصنع ذاته باختيار ويتحمل عبء هذه الصناعة، ولأنه يدرك أن وجوده هو من أجل الموت، لذا كانت الحياة بأصالة هذه التقيد بها على أنها معْـني للموت. ولذا، أيضا، كان فعل الإنسان الحقيقي هو في عمله على إفراغ ذاته لينفتح الوجود فيها وهكذا يتحقق فيها وبها يحقق الإنسان ذاته."
لدى الجعائبي وعي بالزمن الوجودي الذي تحدث عنه هايدجر، وربما لم يتفطن الشفرة في كتابه الحديث إلى أن المسرحي التونسي تغافل عن الموروث الشعبي والتزم بخط اليسار التونسي الميال لسلطة الغرب والهاجس الوحيد الذي استماله هو الجنس والحرية، وكأن الشعب مغبون وبحاجة لتعاويذ المسرح الطوطمية. لقد كانت صورة اليساري الذي فجرت ابنته نفسها بباحة المدرسة إعلانا عن يأس لليسار والأصولية.
لقد أمكننا أن نلحظ في أعمال الناقد والمبدع محمد الكغاط جمالية في التحليل وخصوصية تفرد المسرح المغربي وهو النقص الكبير الذي نلحظه في التجربة النقدية بتونس، بالرغم من المحاورات المهمة التي يقوم بها إذاعيا الفنان منصف السويسي من استنطاق للشخصيات واستبطان لهمومهم المتشعبة. وللمنصف السويسي توجه عربي مؤسس لم يرق الجعائبي إليه وبقي حبيس التجريب.
المدرسة الرمزية وتجلياتها تحيلنا إلى هذا الهاجس الإبداعي المغاربي الذي بدأ امتلاكه بعض المسرحيين الجدد مثل عز الدين قنون وأساسا في المغرب الأقصى الطيب الصديقي الذي راهن على الإبداع الوجودي من خلال الإحتفاء بمسرح الرمز اللا شرقي واللاغربي والحال أن عمل الجعائبي لو ترجم إلى الفرنسية لكان أقرب للفلك الإيطالي والفرنسي.
مسرح الجعائبي هو إعلان عن غربة مضاعفة توفق الشفرة في كتابه وجوه الإنتقاض الى استقصاء أغوارها في لغة سلسة وشعرية ترميزية (166 صفحة مع ببليوغرافيا).
حين نعود إلى الموسوعة المسرحية نجد أن للشفرة اطلاعا على المناهج، ولنا أن نورد أجزاء تنير بصيرة القاريء لما في مجال المسرح من تعقيد في مجال الجمالية ومدارسها:
"ظهرت الرمزية بعد هزيمة حرب 1870 ومع الثورة ضد القيم البورجوازية المادية والتأثر برؤية الموسيقي الألماني ريشارد فاجنر.
ويرى فاجنر أن الكاتب الموسيقي الدرامي عليه أن يرسم عالما مثاليا، وأن يخلق أساطير على غرار المسرح القديم، وأن يثير العالم الروحي الداخلي للشخصيات المرصودة، وألا يتم التركيز فقط على المظهر الخارجي.
وكانت لهذه الآراء أثر كبير في الأوساط المثقفة في فرنسا سنة 1880؛ مما أسهم في إفراز تيار أدبي رمزي يدعو إلى اللامسرح الذي يعتمد على الروحانيات وتداعي اللاشعور واستعمال الصور الرمزية والإيحاءات الحدسية الإنزياحية مع توظيف إيقاع بطيء واستقراء ما هو مضمر في النفس الإنسانية والتمرد على الواقع والجنوح نحو اللاعقلانية.
ونستحضر بالخصوص نصوصا ما بين 1890/1900 لموريس ماتيرلنك، أو بول كلوديل، ونصوص تشيكوف وإبسن أو ستريندبرغ. وقد أسهمت أفكار الرمزيين في بلورة نظريات السويسري أدولف آبيا، والمخرج البريطاني إدوارد غوردون كرايج اللذين ثارا ضد واقعية الديكورات الملونة مقترحين عناصر موحية ومجردة مع استعمال لعبة الإضاءة لخلق الانطباعات بدل الإيهام بالواقع.
وفي 1896، قام المخرج الرمزي لونيي بو بتركيب مسرحية ألفريد جاري "أبو ملكا" وهي مسرحية مهيجة وشاذة.
مسرح الجعائبي ذو مرجعيات عديدة ومن أهم المقاربات الجمالية، التأكيد على أهمية الشعر في العملية المسرحية والتجاء الفيلسوف هيدغر إلى مثال للتحرر والخروج عن دائرة المألوف.
"يرى هولدرلين أن الشعر أكثر المشاغل براءة ويقول هيدغر يبدو الشعر لعبا ولكنه ليس كذلك، فاللعب يجمع الناس جيدا ولكن بطريقة ينسى فيها كل واحد نفسه بالتحديد، بينما في الشعر ينهمك الإنسان في موجودة.
هكذا يعلن الشاعر أن الشعر شاغل، ويعلن الفيلسوف أنه منهمك في الشعر أن العلاقة بينهما قديمة تعود على الأقـل إلى اسخيلوس وأرسطو إن لم تكن أبعد."
أمكن للمنذر الشفرة أن يعرف الغرب على أعمال مهمة في تونس للفنان الفاضل الجعائبي وكتابه المنشور لدى "أيدي ليفر" في مارس/آذار 2009 يمثل ولوجا حقيقيا لقضايا المسرح بندية ورباطة جأش، ولكن هل العمل المدروس فينومنولوجيا "خمسون" قابل للوصول إلى تخوم العالمية؟ إن التاريخ وحده قادر على الإجابة، فالعرب تعلموا المسرح من الغرب فهل يمكن للريادة أن تأتي من جنوب المتوسط؟ ندعو هنا حركات الترجمة في عالمنا العربي إلى إعادة صياغة أعمال كان من المفترض أن تنتج باللغة الأم: العربية, لغة الجمالية والتواصل.
لقد وجد الكتاب قارئا غربيا لما أنتجه المبدع التونسي الجعائبي والناقد القيرواني منذر الشفرة فهل يبلغ للقاريء العربي شيء من الجمال المسرحي الذي يحكيه الكتاب واللذة البارتية التي يغني بها الناقد الفرنسي؟ ذلك هو السؤال الذي يجيب عنه الزمن وتأتي بأخباره الأيام. أسمهان العناني ـ تونس