متحف القطار يهدر بالحنين في لبنان

قطار الليالي قطار السنين الخوالي

بيروت - في وقت يطرح عدد من المسؤولين احياء العمل بالسكك الحديد، المتوقف منذ 33 عاما، كاحد الحلول لمشكلة زحمة السير، يأمل لبنان ان يساهم مشروع المتحف الوطني للقطار في جذب المزيد من السياح، اذ ان هذا المتحف الذي سيحوي اكثر من مئة قاطرة قديمة تآكلها الصدأ، يؤرخ "لايام ذهبية"، و"لارث تاريخي وثقافي" يعود الى 118 عاما.
وسيقام المتحف الذي اطلق مشروعه في آب/اغسطس الحالي، في مدينة رياق في وسط وادي البقاع (شرق لبنان)، في موقع كان يضم محطة ومصنعا للقطارات، توقف العمل بهما في العام 1976، مع اندلاع الحرب اللبنانية.
وتبلغ مساحة الموقع حوالى 170 الف متر مربع، بينها 36 الف متر مربع هي مساحة المحطة، ونحو 134 الف متر مربع مساحة المصنع.
ويتوقع الياس معلوف (27 عاما)، الذي اعد مشروعا اوليا للمتحف، ان "يجذب هذا المتحف آلاف السياح، اذ سيكون اكبر متحف للقطارات في منطقة الشرق الاوسط".
ويشرح معلوف، الذي يتحدر من رياق، ان "في الموقع حاليا 32 قاطرة قديمة، اصغرها يزن ما بين الستين والسبعين طنا، واكبرها ما بين التسعين وال110 اطنان، بالاضافة الى حوالى 200 عربة، وقد نبتت الاعشاب في داخلها، وعلى جدران مباني المحطة والمصنع".
ويضيف "انها لوحة فنية. لقد مرت 33 سنة على نهاية الايام الذهبية للسكة الحديدية اللبنانية، واليوم، اتخذت تلك الايام الذهبية لون الصدأ".
ويشير معلوف، الذي درس الاخراج واعد شريطا وثائقيا عن السكك الحديد في لبنان، الى ان "بعض هذه القطارات عاش اكثر من قرن في رياق، وهذه القطارات التي بقيت بعد الحربين العالميتين، تحمل في داخلها قصص العسكريين وحروبهم، واخبار المدنيين واسفارهم وقصص حبهم ولقاءاتهم".
ويتابع معلوف "ثمة الكثير من القطارات القديمة في محطات اخرى في لبنان، وفي حال نقل هذه القطارات الى محطة رياق، سيضم المتحف نحو ثمانين قطارا. اما في حال نقلت الى الموقع أيضا القاطرات المتبقية من خط الترام الذي أنشئ العام 1895 في بيروت، فان مجموعة المتحف ستصل الى اكثر من 100 قاطرة".
ويوضح "هذه القطارات وسككها تصلح لضمها الى المجموعات الاثرية، لانها لم تعد تستعمل منذ اكثر من ثلاثة عقود على الاقل، بفعل التطور في هذا المجال. انها ارث تاريخي وثقافي ثمين".
ويرى معلوف ان "من المعيب ان يفكر البعض بمشروع تسييل حديد هذه القطارات وبيعه، فهذا سيكون بمثابة تذويب لتاريخ عمره 118 عاما".
ويرمم مشروع المتحف مباني الموقع وساحاته.
ويقول معلوف ان "المباني المحيطة بالسكة الحديد تضفي على الموقع الكثير من الرونق". ويوضح ان "مهندسين فرنسيين صمموا هذه المباني التي تم بناؤها في ثمانينات القرن التاسع عشر، وبينها تسعة مبان تابعة للمحطة، احدها فندق، و48 مبنى تابعة للمصنع، ومن ضمنها مخازن".
كذلك يرمي المشروع الى جمع صور السكة الحديد القديمة وتحويل احد المباني في الموقع متحفا للوحات والرسوم والوثائق.
ويقول معلوف "خلال الحرب احترق القسم الاكبر من وثائق المحطة فقام عدد كبير من عمال السكة باخفاء بعض الوثائق في منازلهم والتي تعود الى اكثر من مئة عام، وبينها خرائط السكك القديمة، ودليل استخدام القطارات وتشغيلها، وتذاكر سفر، ولوائح الموظفين والعمال، وخرائط تصنيع القطارات، والمراسلات بين أقسام المحطة وعمالها، والعديد من الوثائق الاخرى".
ويضيف "هذه الوثائق تتيح لنا فهم وتحليل دور المحطة في نمو رياق ومنطقتها اجتماعيا واقتصاديا".
واذ يلاحظ معلوف ان "القطارات من صنع البشر، لكن المدن تصنعها القطارات"، يقول "مدينة رياق تموضعت على الخريطة بفضل محطة القطارات ومصنعها".
ويضيف "كانت مدينة رياق مدينة مؤثرة وذات حيوية، ترقص على نغم متواصل لقطارات لا تحصى. ومع هذه القطارات اتى النمو. وكانت ليالي رياق تضج بالحياة، وكانت المدينة تفخر بانها كانت موقعا لاولى دور السينما والمسارح والمدارس الكبيرة في المنطقة. كما ان مصنع القطارات فيها كان يستعمل كمدرسة تقنية، تعطي شهادات في مجالات مختلفة كالحدادة والثقب والميكانيك والنجارة".
وتضم رياق كذلك مطارا عسكريا تابعا للجيش اللبناني.
وبحسب لمحة تاريخية اوردها معلوف في دراسته، يعود تاريخ السكة الحديد في رياق الى العام 1891، عندما "سمح للبنان، الذي كان جزءا من السلطنة العثمانية، بانشاء اول سكة حديد، (..) تمتد من بيروت الى دمشق، فحوران في سوريا".
وفي الاول من آب/اغسطس 1895، انطلق اول قطار من مرفأ بيروت باتجاه محطة رياق، ثم تم في العام 1912 وصل هذه السكة بالعالم العربي واوروبا وافريقيا. وقد استخدم مصنع رياق للقطارات، خلال الحرب العالمية الثانية، لتصليح العتاد الحربي والاسلحة.
ويتحدث معلوف عن "مخترع قطارات من رياق اسمه شحادة معكرون، كتبت عنه الصحف في نهاية اذار/مارس 1923، وهو كان اول من حول القطار من الفحم الحجري الى الفيول الاسود". ويضيف "ثمة مخترع اخر هو فارس كارابت الذي صنع قطارا يعمل على الفيول الاسود وعلى الكهرباء، وكان اختراعا جميلا لم ياخذ حقه بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية".