القضية مصيرية.. المعالجة موسمية!

بقلم: محمد كركوتي

"من مصلحتنا أن نلغي القوانين القديمة، ونضع أخرى جديدة تتبع المستهلك.. ماذا يرغب هذا الأخير، وأين يريد أن يمضي؟"
رئيس مؤسسة "وولت ديزني" الأميركية روبرت إيجر

من أسوأ الأشياء قاطبة، أن تخضع قضية مصيرية إلى معالجة موسمية، أو أن يتم التعاطي معها كما يقال بالعامية: "حسب التساهيل". والأمر يزداد سوءا، إذا ما كانت هذه القضية ترتبط بالحياة المعيشية اليومية. فأي علاج موسمي لها – وإن كان ناجحا - هو أشبه بإرسال مركبة محملة بالرواد إلى الفضاء بنجاح، ولكن دون أن تكون مزودة بآليات وإمكانيات تعيدها إلى الأرض! ففرحة الإطلاق الناجح، لا تلبث أن تنتهي بفشل عودة المركبة إلى قاعدتها الأرضية. القضية ليست جديدة على الساحة العربية، بل هي قديمة، تزيد قضية فلسطين عتقا، وتتجاوز كل القضايا التي تلامس المجتمع عمرا، إنها قضية المستهلك و"عدم حمايته". قضية تنال من الفرد بنضاله اليومي من أجل حياة تقف عند خط الفقر - الكرامة، لا تحته. قضية تستوجب حسما فوريا ممكننا، أو علاجا فوريا حاسما، خصوصا في ظل وجود أزمة اقتصادية، كزائر مقيت منتشر في كل الأرجاء، لا أحد يعرف متى يغادر إلى غير رجعة. ومن المفارقات، أن الأزمة التي تسببت في تراجع أسعار المواد الأولية وخفضت تكاليف الإنتاج، لم تنل من أسعار المواد الاستهلاكية، وأبقتها على ارتفاعها، خصوصا في البلدان، التي لا يزال فيها ملف قضية المستهلك على الرفوف، تعلوه ملفات أخرى، لا تخضع للعلاج أصلا!
لقد بدأ الموسم، باقتراب شهر رمضان المبارك، واندلعت معه موجات حكومية، ليس من أجل توعية المستهلك وتثقيفه وإرشاده إلى حقوقه، بل من أجل دفع التجار إلى الرأفة بالمستهلكين خلال الشهر الكريم، الذي يشهد عادة ارتفاعا كبيرا في حجم استهلاك الأسر. لا وقت للتوعية ولا القصاص، ولا الرقابة المحكمة الآن، بل هو موسم التوجه إلى قلوب الموردين " الرحيمة" في الدول العربية، لكي لا يرفعوا الأسعار، ولكي لا يزيدوا أعباء إضافية على رب أو ربة الأسرة. والغريب أن قساوة الحكومات في عدد من الدول العربية تمارس في كل شيء، وعلى أي شيء، إلا الجانب المرتبط بالموردين والمستوردين والتجار! وقتها تتحول إلى ليونة وعتاب، لا شدة وعقاب.
لقد أقدمت الإمارات على خطوة جيدة "تقريبا"، لتوفير الحماية للمستهلك خلال شهر رمضان المبارك. وأقول: "تقريبا".. لأن مفعولها سينتهي مع ظهور هلال عيد الفطر. الخطوة، هي عبارة عن مجموعة من الاتفاقات – لا القوانين – بين الحكومة وعدد من متاجر بيع التجزئة، تقوم بموجبها هذه الأخيرة، بتقديم تخفيضات تصل إلى 60 في المئة على أكثر من 200 سلعة غذائية. والواقع أن أصحاب الخطوة من الجانب الحكومي، وضعوا مبررا آخر – غير التكاليف المرتفعة في شهر رمضان – لهذه الخطوة، وهو أن قدرة المستهلكين على الإنفاق تقلصت بفعل الأزمة الاقتصادية. فقد عرف هؤلاء أن الأزمة أدت إلى فقدان الوظائف وتخفيض الرواتب، لكي لا نقول: إنها شتت الأسر، وأربكت إيقاع الحياة الاجتماعية، وبعثرت الحالة المعيشية، بعدما دمرت الآمال، للغالبية العظمى من المستهلكين.
كنت ضيفا على برنامج "الحصيلة" التي تبثه من دبي محطة "سي إن بي سي عربية" ، عندما طلب مني المذيع – الزميل محمد عبد الرحمن في مستهل الحوار تعليقا على هذه الخطوة الجيدة "تقريبا". وكان ردي السريع هو: أخشى أن يقوم التجار والموردون باستعادة تخفيضاتهم الرمضانية بحلول عيد الفطر، لكي لا نقول: "باستعادة ما هو أكثر من التخفيضات"!. فالاتفاقات تمت على مبدأ "يا جماعة حرام"، لا على أرضية حقوق المستهلك، التي تكفل له أسعارا معقولة ومقبولة، وتضمن له أيضا استمراريتها بهذه الصيغة، في كل الفصول والمواسم. والواقع أن الخطوة الإماراتية الموسمية، كشفت حقيقة مروعة، وهي أنه إذا كان بإمكان متاجر التجزئة تخفيض أسعار 200 سلعة أساسية (خالية من الكافيار والسمك المدخن وكبدة البط وأدمغة القرود وأرجل الضفادع) إلى حوالي 60 في المئة، فكم تحقق من أرباح إذن؟ فهذا التخفيض ينبغي أن يتحول إلى أداة للتفاوض بين الحكومات والجمعيات الأهلية التي تعنى بحماية المستهلك – إن وجدت، وفي حالة وجودها إن كانت فاعلة أصلا - من جهة، والتجار من جهة ثانية، إذا ما وصلت القضية بين الطرفين إلى مرحلة التفاوض.
لا مجال للحديث "المُجَمَل" هنا.. الحقيقة واضحة كقمري رمضان والعيد. فالأمر خرج من نطاق مطالبة الحكومات بسن قوانين تحمي المستهلك، وتجاوز عادة "استجداء" الموردين والتجار بعدم رفع أسعار المواد الأساسية في المواسم، ليصل إلى مرحلة ضرورة التأسيس للوعي والثقافة الاستهلاكية. وإلا فإن الحقوق ستظل ضائعة، والخسائر ستبقى كبيرة، و"حرية" الجشع ستواصل تسيدها للمشهد الاستهلاكي – الاجتماعي، بينما سيستمر ضياع الأخلاق، في حضور الأنانية. وبغياب الوعي، غاب عن الساحة أن القضية برمتها لا ترتبط فقط بأسعار السكر والرز والزيت واللحوم والشاي والبن والفواكه وغيرها من عشرات السلع الرئيسية، بل تشمل أيضا ما هو خارج الـ"سوبر ماركت"، من خدمات وتكاليف السفر والسياحة، والوجبات التي تقدمها المطاعم، وبوالص التأمين، وأسعار الفنادق، وأثمان وجودة الأجهزة المنزلية والمكتبية وغيرها، والاشتراكات في النوادي الصحية، والقروض المصرفية، وبطاقات الائتمان، ورسوم الاتصالات والمصارف، وأقساط الجامعات الخاصة التي تعج بها البلدان العربية. بل لا أبالغ إن قلت: إن الوعي المطلوب عند المستهلك، ينطبق أيضا على ما ينفق في عمليات التجميل، التي أصبحت "سلعة" استهلاكية حقيقية، بعدما تحولت من وسائل لعلاج المصابين في الحوادث، إلى منتج يخضع لمعايير التسوق!
قبل عام تقريبا كتبت مقالا تحت عنوان "الحكومات للمعاقبة والجمعيات للمراقبة". ركزت فيه على أهمية دور الجمعيات الأهلية في مشاركة الحكومة في تطوير العلاقة بين المستهلك والتاجر، بحيث لا تأخذ شكل حرب، بل تستهدف إيجاد آلية توفر المصلحة المشتركة للطرفين. فنحن نعلم أن الأول (المستهلك) قد يستغني عن منتج ما – ولنقل منتجات ما -، لكن كيف يستغني الثاني (التاجر) عن مصدر دخله؟ والحقيقة أن هذه القضية أخذت شكلا دوليا منذ العام 1985، عندما تبنت الأمم المتحدة قرارا لحماية المستهلك، تضمن مجموعة كبيرة من البنود "الثورية"، في مقدمتها مساعدة الدول لتحقيق الحماية المناسبة لمواطنيهم كمستهلكين، وتسهيل عمليات الإنتاج وفق احتياجات ورغبات المستهلكين، وتشجيع خلق ظروف سوقية تمنح المستهلكين فرصا أكبر للاختيار وبأسعار أقل، وقبل هذا وذلك، توفير الحماية القانونية للمستهلك باعتباره الطرف الضعيف. ومنذ ذلك التاريخ، لم تتخذ على الساحة العربية، خطوات عملية قوية (لا لينة) لتحويل هذا المستهلك إلى طرف قوي. أي من مجرد متلقي للمنتجات، إلى طرف يحدد مسارها، ويؤثر بوجودها وجودتها وقيمتها السعرية؟
هذا القرار لا يشبه قرارات الأمم المتحدة 242 و338 و194 الخاصة بفلسطين، التي فشل العرب في وضعها حيز التنفيذ لأسباب عديدة، في مقدمتها: "الإسرائيلية"! هل يحتاجون لوضع قرار يخص المستهلك المواطن، تحت البند السابع الذي يجيز استخدام القوة؟ الأمر مرة أخرى.. لا يحتاج إلا إلى تفعيل لـ "الأسلحة الحكومية الاجتماعية"، ودعم عمل الجمعيات الأهلية المختصة بحماية المستهلك. يقول الكاتب الاقتصادي الأميركي ديف رامزي: "على المستهلكين أن يفيقوا من سباتهم ليقولوا لا". لقد تغيرت المفاهيم الإنتاجية والتسويقية منذ سبعينات القرن الماضي، عندما كان المستهلك يبحث عن المنتج. فاليوم المنتج هو الذي يبحث عن المستهلك. ولأن الأمر مصبوغ بهذا التحول الخطير، فقد آن الأوان – عربيا – لكي تتسلم الجمعيات الأهلية المهمة التثقيفية، وتضع آليات التوعية، مع وجود القوانين الحكومية الرادعة.

محمد كركوتي m@karkouti.net