الإزدراء، مرض يصيب العلاقات السعودية الإيرانية

لندن- عبد العزيز المطيري
المزدرى به

لا تستطيع إيران ولا السعودية إلا أن تنظر لأحداهما الأخرى بعين الحذر. وهو أمر طبيعي بين قوتين إقليميتين لا يوجد بينهما، بعد غياب العراق، ما قد يشكل "قوة ردع".
ولهذا السبب، فأن أي احتكاك بينهما يبدو مهما وضخما، في حين، لا أحد يمكنه أن يعول على الإشارات التصالحية المضادة. فالكل يفهم ان التناقضات بين هاتين القوتين تمثل هوة لا يمكن ردمها، أو في الأقل لم تتوفر المستلزمات لردمها.
ويبرز الشرخ في أوقات الأزمات عادة. فبرغم ان قيادة البلدين ظلتا تحرصان على إظهار الصفاء، لاسيما خلال الزيارات التي يجريها كبار المسؤولين، إلا ان التوتر سرعان ما يعود ليظهر كلما بدا ان احد الطرفين يواجه أزمة. فأول شيء يفعله، هو أن ينظر بخوف الى الآخر.
حصل هذا الأمر خلال المواجهات التي وقعت في جدة قبل بضعة أشهر بين نشطاء من الطائفة الشيعية وبين سلطات الأمن السعودية. وكان من الواضح ان هؤلاء النشطاء مستعدون للقيام بأي شيء للبرهان على ان ولاءهم لإيران لا حدود له. وذهب بعضهم الى المطالبة بانفصال المنطقة الشرقية من المملكة، فقط للإيحاء لايران بأن لديها جيشا في السعودية يمكنها التعويل عليه.
الأزمة الراهنة في إيران، رفعت أنظار المسؤولين الإيرانيين الى السعودية. فعلى الرغم من ان السعودية لم تحرك، ولم تسع الى تحريك "جيش" في إيران، وحرصت على اتخاذ موقف هادئ يتحاشى التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية، إلا ان المسؤولين الإيرانيين لم يسعهم، لأسباب يبدو انها موجودة في "الجينات"، إلا أن يثيروا تحفظات عدائية تجاه المملكة.
وإذ لم تجد إيران ما يستحق الإهتمام، إلا انها عثرت على شيء في آخر المطاف: إزدراء المواطنين السعوديين للزاور الإيرانيين.
ويصعب القول ان الحكومة السعودية مسؤولة عن هذا الإزدراء. وجانب كبير من الإزدراء هو على أي حال شعور يشعر به المزدرى، اكثر منه، بالضرورة تصرفا يتصرفه الآخر، إلا ان عقدة النقص التي تتحكم بالمشاعر الذاتية الإيرانية وجدت ان السعوديين يزدرون الإيرانيين، مما دفع وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي الى التهديد بمقاطعة موسم الحج هذا العام ما لم يتوقف السعوديون عن إزدراء المواطنين الإيرانيين.
وليس من المتوقع، ان تقوم السلطات السعودية بعمل دورات تدريبية لمواطنيها او لشرطتها الدينية، حول كيفية عدم الإزدراء، كما انه ليس من المتوقع في المقابل أن يعالج الإيرانيون مشاعرهم بتناول مهدئات، إلا ان متكي بدا جادا تماما عندما أبلغ السفير السعودي المنتهية فترة خدمته أسامة بن احمد السنوسي الأحد ان "مستقبل حج الإيرانيين الى السعودية يتوقف على ما إذا كانت الحكومة في هذا البلد ستعاملهم بالاحترام الذي يستحقونه".
وتقول مصادر صحافية إيرانية ان هذا التحذير جاء في أعقاب سلسلة من التقارير التي تلقي الضوء على ما وصفته بـ"السلوك السيئ" الذي تنتهجه الشرطة السعودية والمواطنون السعوديون إزاء الحجاج الإيرانيين.
وأضافت "ان الجدل حول هذا الموضوع برز في العام 2007 عندما بدأت الشرطة السعودية تأخذ بصمات الحجاج الإيرانيين وهو ما أثار غضب الحكومة الإيرانية".
وأدان عضو مجلس الشورى الإسلامي الإيراني (البرلمان) محمد تقي راهبار الإجراء السعودي، واقترح مقاطعة موسم الحج الى ان يقدم السعوديون تفسيرا واضحا للأمر. وقال "ان الحجاج الإيرانيين ينفقون ملايين الدولارات سنويا وهو ما يساهم في دعم الاقتصاد السعودي".
ولا ينتظر الاقتصاد السعودي "مساهمة الإيرانيين"، فملايين دولاراتهم تكاد لا تبلط شارعا واحدا في الرياض، إلا ان المسؤولين السعوديين لا يرغبون بتقديم كشف حساب لما يمكن ان تفعله دولة ذات سيادة تجاه زائرين. ومسألة أخذ البصمات انسحبت، منذ بضعة أسابيع، حتى حركة التجارة "الداخلية" (في إطار مجلس التعاون الخليجي) بين السعودية والإمارات.
ولكن المسؤولين السعوديين يحاولون تحاشي المسألة، بعدم التحدث بالتفاصيل لكي لا يشعر الإيرانيون بالمزيد من الإزدراء.
فتقديم الحقائق في العلاقات بين البلدين، بينما تواجه طهران أعنف أزمة منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، لا يمكن إلا أن يبدو إزدراء في عين المأزومين.
السعودية، ستظل تحرص بطبيعة الحال على إبقاء "خطوط التماس" باردة مع إيران. فالشرخ السياسي والاستراتيجي والديني كبير بما يكفي. وأي محاولة، حتى ولو لتبيان الحقائق، سوف تبدو إزدراء.
السعودية، على أي حال، قررت معالجة جميع المصابين بانفلونزا الخنازير على حساب الدولة، وهو ما قد يكلفها مئات الملايين من الدولارات. وبالنظر الى "المساهمات" التي يقدمها الإيرانيون للاقتصاد السعودي، فان السعودية يجب ان تكون مستعدة لإنفاق بعض هذه "المساهمات" لتزويد الإيرانيين بلقاح مجاني لمعالجتهم من انفلونزا الإزدراء.