مجتمع الجهاز حين يضم المراهقين

القاهرة
سجل سلوكي على الانترنت

يتناول كتاب "الشباب.. مواقع الإنترنت الاجتماعية" للأميركية دانا بويد الباحثة في شركة مايكروسوفت للأبحاث دور مواقع الإنترنت الاجتماعية الشهيرة مثل ماي سبيس وفيسبوك في حياة الشباب والمراهقين.
ويبحث كتاب بويد الحاصلة على الدكتوراة من جامعة كاليفورنيا بيركلي في أسرار شغف هذه الفئات العمرية وحبهم الشديد لهذه المواقع، ويركز بصفة خاصة على موقع ماي سبيس الذي وصل لذروة شهرته في الولايات المتحدة في عام 2005، والذي ينافسه الآن وبضراوة موقع فيسبوك، وهو الموقع الاجتماعي الأشهر على الإنترنت في مصر والبلاد العربية.
ويستعد موقع فيسبوك هذا العام لتخطى ماي سبيس من حيث عدد المشتركين في الولايات المتحدة، حيث إن كلا الموقعين يتمتع الآن بنحو مليون مشترك أو أكثر قليلاً في الولايات المتحدة، ولكن موقع فيسبوك هو الأشهر والأهم عالمياً حيث يبلغ عدد مشتركيه حوالي 200 مليون مشترك حول العالم، بينما يبلغ عدد مشتركي موقع ماي سبيس نحو 125 مليون مشترك حول العالم.
وبالنظر إلى هذه الأعداد الغفيرة لمشتركي الموقعين تتضح أهمية المواقع الاجتماعية على الإنترنت بالنسبة للشباب، حيث يبلغ مجموع ما يجتذبه فقط هذان الموقعان 325 مليون مشترك أي أكثر من خمس مستخدمي الإنترنت في العالم والبالغ عددهم 1.57 مليار مستخدم.
ومن هنا أيضاً تأتي أهمية هذا الكتاب الذي يتناول أهمية هذه المواقع الاجتماعية بالنسبة للشباب والمراهقين ومدى تأثيرها على تكوين الشخصية والتوجهات الاجتماعية لهؤلاء الشباب الذين يأتون ليقضوا أوقاتهم بالساعات في تصفح هذه المواقع الاجتماعية وتكوين أصدقاء افتراضيين والدخول في مناقشات حول مختلف الموضوعات والتفاعل مع مجموعات تجمعها اهتمامات مشتركة أو هوايات جديدة.
تبدأ دانا بويد كتابها بتعريف السمات الأساسية لمواقع شبكات الإنترنت الاجتماعية العالمية والقرارات التي تؤدى لتبني هذه الشبكات، ثم تتطرق لتناول كيفية صياغة المراهقين لهويتهم الشخصية وتعبيرهم عن أنفسهم عبير صفحاتهم الشخصية على هذه الشبكات بحيث يكونون مجتمعاً افتراضياً خاصاً بهم يكتسب من الأهمية ما يجعله محوراً أساسياً في حياتهم.
وتذهب دانا بويد إلى أبعد من ذلك، فتقول "إن عملية عرض المراهق لحياته واهتماماته أمام زملاء فصول الدراسة والأصدقاء على هذه المواقع تعرض المراهق لعملية نقدية توفر له فرصة لتكوين بعض عناصر شخصيته وإيجاد معنى لمدلولات حياتية مهمة وهي فرصة قد لا تتاح له عن طريق آخر غير هذه الشبكات الاجتماعية".

وتقول الباحثة إن هناك أربعة خصائص تنفرد بها الشبكات والمواقع الاجتماعية التفاعلية على الإنترنت، أولى هذه الخصائص هي خاصية الدوام، حيث إن الأحاديث والتعليقات المتبادلة على هذه الشبكات مسجلة على المواقع، ويمكن للأفراد الرجوع اليها بعد دقائق أو أيام أو حتى شهور من تسجيلها.
وعلى هذا، فإن هذه المحادثات تختلف اختلافاً كلياً عن محادثات الأفراد العادية التي تحدث في نطاق الاجتماعيات الحياتية فالكلمات التي يتبادلها الأفراد عادة ما تكون لحظية وغير مسجلة فلا يستطيع الفرد استرجاعها بعد اللحظة التي قيلت فيها.
وثاني الخصائص التي توصف بها الشبكات الاجتماعية هي قابلية البحث، وهي ما تنتج عن كون الشخصيات والمحادثات مسجلة على هذه المواقع، وعليه فإنه يصبح من السهل البحث عن "أصدقاء" ذوي اهتمامات وعقليات متشابهة، وهو مالا يمكن عمله في الحياة العادية.
وثالث هذه الخصائص هي التكرارية بمعنى أنه من السهل نسخ صورة أو تعليق أو مقال من موقع ما على الإنترنت لموقع آخر بدون تغيير أي من ملامحه، وبالتالي فإن فرصة عدم الدقة في النقل أو انتشار الشائعات أو الفهم الخطأ تقل كثيراً.
وأخيراً فإن رابع الخصائص التي تصف الشبكات الاجتماعية على الإنترنت هي وجود الجمهور غير المرئي، وهي خاصية من المهم جداً إدراكها والتنبه اليها فعندما يتحدث الفرد إلى صديق أو زميل في الحياة اليومية غالباً ما يكون من السهل معرفة من باستطاعته إدراك أو سماع المحادثة الجارية، ولكن هذا ليس هو الحال بالنسبة للمحادثات على شبكة الإنترنت فبإمكان أى شخص الدخول على الموقع وقراءة أو سماع المحادثة المسجلة في أي وقت وبدون علم أطراف المحادثة.
وتسهل هذه العملية بسبب الخواص الثلاث الأخرى، حيث إن المحادثة مسجلة ويمكن البحث عنها، كما يمكن نقلها من موقع لآخر، وبالتالي زيادة انتشارها بدون علم أطراف المحادثة.
وعلى هذا فبالرغم من أن معظم مشتركي المواقع والشبكات الاجتماعية يدخلون اليها للمحافظة على صداقات موجودة بالفعل في حياتهم اليومية، ولتسهيل الاتصال بهؤلاء الأصدقاء، فعلياً تصبح الشخصيات والمحادثات موجودة ومسجلة لآلاف بل ملايين أخرى من البشر الذي قد يستطيعون رؤيتها في أي وقت ومن أي مكان.

وترى الباحثة أنه بناء على ما تقدم فإن الحفاظ على قدر من الخصوصية يصبح أمراً في غاية الأهمية عند التعامل مع شبكات الإنترنت الاجتماعية التفاعلية، وكذلك بناء الشخصية أو "البروفايل" الذي يضعه الفرد على الموقع ليراه الأصدقاء الحياتيون والأصدقاء الافتراضيون الذين يجتذبهم الموقع، وهو ما ترى دانا بويد أنه مقدرة اجتماعية ينميها التعامل مع هذه المواقع، حيث يتعلم الفرد تكوين وإدارة الصورة التي يريدها لنفسه، فيكتشف على هذا الدرب أشياء جديدة عن شخصيته وعن اختياراته المفضلة، كما يتعلم تكوين معان اجتماعية من المواقف التي يتعرض لها ومن تعاملاته مع الأفراد وردود الأفعال المختلفة الناتجة عن هذه المواقف.

وأخيراً تطرح بويد السؤال المهم في ظل تحول كل ما هو خاص إلى عام على شبكة الإنترنت، وفي ظل وجود تلك الخصائص الأربعة التي عرضنا لها للشبكات الاجتماعية التفاعلية، ما هي كيفية التعامل المناسبة لتلك المواقع؟
وترى أن المعاني المتضمنة طويلة الأجل لإقامة علاقات اجتماعية مع الثقافة المتجذرة في شبكات الإنترنت العاملة غير معروفة، وربما سيكون شباب اليوم مستعدين بصورة أفضل لمعالجة تناقل الأقوال ونشر الإشاعات عن الكبار، وربما لا.
ما تعرفه هو أن مراهقي اليوم يعيشون في مجتمع تتغير فيه الحياة العامة بصورة سريعة، ويحتاج المراهقون إلى الاتصال بهذه الشبكات العامة –كل من الوسيطة وغير الوسيطة– لينضجوا، لكن دخولهم اليها يقيد دائماً.
وهذه التكنولوجيا وشبكات الإنترنت العامة لن تذهب بعيداً، وكمجتمع، نحن نحتاج إلى أن نعرف كيف نعلم المراهقين أن يبحروا في الهياكل الاجتماعية التي هي غير مألوفة لنا تماماً، لأنهم سوف يواجهون بهذه العموميات مثل الكبار، حتى لو حاولنا أن نجد من دخولهم الآن، فمواقع الشبكات الاجتماعية قد عقدت حياتنا لأنها جعلت هذا التبدل السريع في الحياة العامة واضحاً جداً.
وربما بدلاً من محاولة إيقافها أو تنظيم استعمالها، ينبغي أن نتعلم من الخبرات التي يكتسبها المراهقون، إنهم يتعلمون أن يبحروا في شبكات الجماهير المتواصلة، ومن مصلحتنا جميعاً أن نتعلم كيف يمكننا أن نساعدهم.
يذكر أن الكتاب صادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر 2009، ويعد الكتاب الأول في سلسلة ينتظر أن تناقش قضايا الإنترنت.