هل سَلامٌ علينا يوم نموت؟

بقلم: د. توفيق قريرة

قال العالم والفيلسوف الفرنسي بلاز باسكال (1623_1662): "حين لا نعرف حقيقة شيء فالأمر يتعلق بشكل جيد بوجود خطأ شائع يثبّت فكر البشر".
كثيرا ما دارت بيني وبين نفسي فكرة واحدة وأنا أقرأ بين السطور هي فكرة الموت، لا موت الأفراد بل الجماعات والشعوب وينتابني شعور مخيف، أأنا بين مجموعة حية أم بين مجموعة هامدة؟ في هذه الأسطر عرض للكابوس أرجو أن يكون بردا على القارئ وسلاما.
إن فكرة باسكال تتأسس على بديهة دائما ما ننساها وهي أنّنا قد نكتشف أنّ بعض حقائق اليوم المشتركة بيننا أوهام أو أنّ أوهام اليوم قد تصبح غدا ـ إذا ما انجلى عنها ضباب الفكر وغيوم العادة ـ حقائق.
إن من أبرز ما يمكن أن نتواضع على أنه حقائق أوهام بسيطة لا نفكر فيها وهي معششة في كثير من تفاصيل حياتنا اليومية.. من ذلك أنّ كثيرا من سلوكاتنا تزدان زيفا ببعض القيم والحق أنها تخفي ما يناقض الأخلاق العليا والقيم الرفيعة.
حين تمتد يدي إلى وردة في الحديقة العامة أقطفها كي أشمها أو أجمّل بها ملبسي أو مركبي أو كي أهديها فأنا أكون قد دخلت من بوابة الجمال إلى الاعتداء على حق الجماعة.. فماذا لو كانت كل الأيادي مثل يدي وكل النفوس تتستر بالأنانية وراء حب الجمال إذن لسرقت جميع الورود من الحدائق العامة ولذبل الجمال العام.. إن في مد اليد إلى ما تشتهي من غير أن تفكر في الآخرين تجليا للذات الواحدة التي تريد أن تفيض رغبتها لتبتلع أشياء الآخرين.
كل منا يكرر في كل يوم مشهد الوردة ويتخفى وراء الجمال وتحركه رغبة في إشباع الذات.. هل نفكر حقا بالآخرين؟ هل يفكر بنا الآخرون حقا؟
حين نقود السيارة وننبه بإشارة ضوئية القادمين بعكس اتجاهنا بأنّ هناك فرقة من حرس المرور في الطريق ننبههم كي يخففوا من السرعة ويحترموا الإشارات فينجون من العقوبة حين نفعل سنحيّى ونشكر لأنا جنبنا بعضنا العقوبات..غير أننا ضللنا القانون ودخلنا في مسرح الواقع المخادع وادعينا انضباطا ليس فينا..حين لا نحترم قوانين المرور مطلقا ونحترمها مؤقتا نسمي ذلك نجاة من "الرادار".. ونسميه حيلة وعقلا، ولكنَّ خلف الحيلة وتضليل القانون تحايلا على أنفسنا ودورانا على الحق،
حين يغيب الموظف ويتستر على غيابه أمر غيابه مديره المباشر فإنه يكون مشكورا وحين يحاسبه على الغياب يكون منبوذا وتنزل عليه ألقاب الشدة والقسوة وغيرها من الألقاب النابية، أن يسيّر القانون كل شيء ويعلو ولا يعلى عليه يشعر أصحاب الفوضى أنهم مظلومون ويتعاطف معهم الناس ويصير لهم رأي عام مساند عندئذ تضيع حقيقة الانضباط في الأذهان المتآمرة.
حين تكون مدرّسًا وتريد أن تأتي بالطرق الجديدة والأفكار التليدة البناءة يراك طلبتك وزملاؤك خارج السرب وحين تصلح الأوراق ويكون الآخرون كرماء في تقييم الأوراق وتنضبط أنت تلعن وتسب في السر أو في العلن، عندئذ تفقد البوصلة وجهة التربية الصحيحة والتعليم الجاد.
إذا حملت لزوجتك في عيد ميلادها وردة اشتريتها من حر مالك وحمل جارك لزوجته عقدا من الماس وحمل إلى خليلته عقدا من الجوهر ولصديقة خليلته التي هي في الأصل خليلة الخفاء عقدا من الياقوت فإن الوردة الحرة ستضيع في سوق الذهب المزيف.
حين تكون صادق الكلمة وثيق الوعد شهما كريما فإنّ الآخرين ينتفعون من دقة وعدك ويرونك شفافا من صدق كلامك ويلتجئون إلى كرمك يوم يفتقدون القافلة ولكنهم لن يشهدوك على مواثيقهم ولن يدعوك إلى موائدهم وسيجلدونك مع الجالدين ويسوطونك مع السائطين.
إننا اليوم لا نعرف بشكل جيد ما الحقائق؟ إن ما يعشش في أوهامنا هو زيف يواريه زيف وحين تعيش المجتمعات على الأوهام و تـُنسى الحقائق أو نتناساها تعشش الرذائل وتنفلت الفضائل من قلوبنا وتفر من عقولنا ولا نستطيع عندئذ أن نصدق أحدا..
لا أحد يقوم بدور التذكير لا المدرسة ولا المجتمع ولا المفكرون نحن اليوم إمّا مثقلون بتفاصيل الحياة اليومية من مأكل و ملبس ومشرب وإمّا أن ندّعي أننا مهمومون بقضايانا الكبرى غير أننا في تينك المسألتين ننسى الحقائق ونعالج أدواءنا بالأوهام. في تفاصيل حياتنا اليومية تخفي ملامحنا وأحاديثنا نقصنا فنحن نفضل أكلا متخما لا نجهد فيه على أكل بسيط مما تجود علينا به أيادينا الحرة ونقترض كي نلبس الفاخر ما لا نستطيع أن نسدده قبل أن تصير ملابسنا الجديدة مُزَقا.
نحن اليوم لا نمد أرجلنا على قدر كسائنا بل نتمطط ونتمدد وليس الكساء إلا قماشا من سراب. وفي قضايانا الكبرى ندور حول الإشكال ونوهم بالحل ولا نصنع شيئا أقصى ما نملك أننا نصف الأشياء بالتقريب..مثقفونا اليوم لا تصلهم بمحيطهم وشائج حقيقية فهم إمّا منغمسون في اختصاصات بحوثهم الضيقة يتعللون في القصور عن معالجة قضايا عصرهم ومصرهم بعدم الفهم وضيق ذات العين وإما أنهم يقيسون أقيسة لا تستقيم :يأخذون أمثلة جاهزة أو ناجزة قديمة أو حديثة ولا يرون الحل إلا فيها..مثقفونا اليوم يجلسون على مقاهي التاريخ ينتظرون شرابا معتقا ينسيهم وجع اليوم والأمس أو شرابا يطير له عصر كامل من السكر الذي ينسي ويخدر..مثقفونا اليوم يرون أنفسهم في قصائدهم التي أنشأوها على غير بحر أو قافية أو في اهتزاز جزء من جسد امرأة حالمة يرون أنفسهم ضحايا التاريخ أو الجغرافيا ولا يعتقدون أنهم بناة الزمان والمكان..مثقفونا اليوم جزء من الأزمة وينتظرون حلا كي يصبحوا جزءا من الحل. مثقفونا يحلمون بدينار ملكي أو بدرهم أميري أو بحصان وجارية من يد أمير المؤمنين المسبغة. مثقفونا يقضمون أظافرهم على عصر المدائح الذي ولى ومنهم من يمتهن في غير عصر الهجاء هجاء عساهم يجدون ممن يخشى من لسع لسان فينتدبون في بلاط الممدوحين. مازال مثقفونا يعتقدون أنهم هم من ينشئ كل شيء جميل وغيرهم مصدر قبح ولعنة من الزائفين.. مثقفونا يعتقدون أن عقولهم من العاج وعقول الناس من الفخار وأين فصيح الأفكار العاجية من تعفر أفكار الفخار بالتراب..
صار مثقفونا يجيدون النعي ويبشرون بموت الأشياء والأفكار فينا ففي يوم يعلنون موت الضمائر وفي آخر ينعون بصوت صريح قيما كالعدل والحرية والمساواة وفي يوم يقولون إن الآلهة ماتت وما بقي غير عصر الشياطين يقولون إن الفكر تعطل ومات.. ينعوننا و لا يسيرون في جنازاتنا لأنهم وبكل بساطة عادوا يسألون عن خمارة البلد.
لا يمكن أن تعيش أمة بهذه الصفات طويلا فلئن قرر جاك مونود بأن "الكائنات الحية هي الأشياء الأغرب" في الكون فإنّ الكائنات التي هذه صفاته هي أشد غرابة لأنها لا تتحرك وفق نواميس البقية :لا القيم هي القيم ولا القوانين هي القوانين.. لا هي مسؤولة ولا عديمة المسؤولية لا هي حق ولا هي باطل لا حاضرها الحاضر ولا غدها لها اليوم خمرها وغدا أمرها.
لسنا نحتاج أن نذكر بخصائص الموت أو الموتى كي نحكم على أنفسنا ونضع استفهاما حول مصيرنا بين الأحياء فموت الحي يبدأ بأن يتحول جسم حي إلى جثة وهذه الحالة تجعل الجسم غريبا في محيط أحياء وحين يتحلل الجسم البشري يتلاشى منه كل شيء ويلتحم بالأجزاء السفلية.. وحين تسير بين أموات تشعر بالعدم وتشم أبشع الروائح وحين تكثر الجثث يغلب الموت الحياة. حين تموت في الركام وأموت قد تسأل: هل سلام علينا يوم نموت؟ د. توفيق قريرة، أستاذ جامعي من تونس