رمضان على الأبواب.. فَلْتُشْعِلوا نار الغلاء!

بقلم: جواد البشيتي

لماذا.. لماذا الأسعار، أسعار كل بضاعة، أو خدمة، تلبي حاجة أولية وأساسية للمواطنين العاديين، تتسارع صعوداً في الأردن؛ ولكنَّها تتباطأ هبوطاً، إذا ما هبطت؟!
شرارة الغلاء ما أن تصيب "البنية التحتية للغلاء"، والتي هي كناية عن تلك البضائع والسلع العامة الشاملة كالمشتقات النفطية، حتى ينتشر سريعاً حريق الغلاء، ويأتي على الأخضر واليابس من أجور ورواتب الغالبية العظمى من المواطنين، الذين ينتظرون رحمة القوانين الموضوعية لنظام السوق، أي استجماع الغلاء لأسباب وشروط تحوُّله إلى رخص؛ ولكن انتظارهم، الذي هو طقس من طقوس "القدرية الاقتصادية"، يطول، ويطول، من غير أن يأتي بما يرجون ويتمنون، وكأنَّ تلك القوانين فقدت حريتها، وغدت خاضعة تماماً لمشيئة وإرادة ومصالح التاجر، الذي ظهر لضحاياه على أنَّه لا يخشى، في سعيه إلى الربح الوحشي، لا الله، ولا حتى الحكومة!
وعلى أحرٍّ من جمر الغلاء نراه هو أيضاً ينتظر.. ينتظر أن ترأف الحكومة بموظفيها، فتزيد رواتبهم حتى يفترسها هو بمزيد من الغلاء الذي يَصْطنع، وكأنَّ قدر الموظف الحكومي أن يكون كساعي البريد لجهة علاقته براتبه، يعطي التاجر بيده اليسرى ما يأخذه من الحكومة بيده اليمنى، فتنتهي كل زيادة في راتبه إلى عاقبتها الحتمية، وهي تأجيج نار الغلاء، التي بها تستدفئ مصالح التجار، وتحويل مزيدٍ من قدرته الشرائية، التي كان يجب أن تنمو بنمو راتبه، إلى رماد.

وعلى أحرٍّ من جمر الغلاء نراه ينتظر شهر رمضان وكأنَّ فيه دعوة له إلى اصطناع مزيدٍ من الغلاء.

ولكنَّهم ليسوا وحدهم، فإنَّ لدى تجارنا، المفْرطين في حبهم للغلاء وثماره الطيبة، والمفرِّطين في مشاعر الرحمة والرأفة..، كهنتهم من أهل الفكر والقلم الاقتصاديين، الذين يتوفرون على اختراع "أسباب موضوعية" لاستمرار وتعاظم الغلاء، لعلهم يفلحون في تبرئة ساحة التاجر من تهمة الاتجار بالغلاء.

وهؤلاء الذين أوقفوا حياتهم على تصنيع أسلحة وذخائر إيديولوجية للتجار، يعتصمون بالصمت اللا ذهبي عندما يسرع التاجر ذاته إلى رفع أسعار بضائعه، التي اشتراها في زمن الرخص، ما أن يتناهى إلى سمعه خبر أن بعضا من سحب الغلاء، العابرة للقارات والحدود، شرع يتجمع في سمائنا الاقتصادية. أمَّا الغاية الكامنة في كل ما يُدْلون به من حجج فهي إقامة الدليل المُقْنع للضحية على أنَّ للتاجر حقاً لا ريب فيه في الإبقاء على جذوة الغلاء متَّقدة دائماً.

ولكن هذا الذي يحق للتاجر لا يحق لغيره، فإذا اضطَّر ذوو الدخل المحدود إلى الدفاع عن آدميتهم، وإلى المطالبة بزيادة رواتبهم وأجورهم "طمعا" في العودة إلى نعيم ماضيها، فإنَّهم سيُتَّهَمون بالتطاول على شريعة السوق الحرة، وانتهاكها؛ أمَّا إذا أفرط التاجر في إنتاج الغلاء فلا يُشيْطن فعله هذا، إذا لم يُصوَّر على أنه امتثال لتلك الشريعة.

ولو كان للمنافحين عن السوق الحرة، وشريعتها، مصلحة في أن تكون لهم عيون تُبْصر لرأوا وفهموا وفسَّروا استمرار الغلاء عندنا على أنه نتيجة لانتفاء الوجود الواقعي والحقيقي للسوق الحرة، فالاحتكار، الذي تتداخل فيه التجارة والسياسة، فيتعذَّر، بالتالي، تمييز العائلات التجارية الكبرى من العائلات السياسية الكبرى، هو الذي يسود، مع شريعته، حياتنا الاقتصادية.

إنَّ زمرة ضئيلة من العائلات التجارية الكبرى، أي من تجار الجملة في السوق الغذائية، هي التي تتحكَّم في حجم المعروض في الأسواق من السلع والمواد الغذائية، وفي أسعاره، وكأنَّ حرية وديمقراطية السوق الحرة أصبحت أثراً بعد عين، وإنْ استمر نَظْمُ القصائد في امتداحها وتمجيدها والثناء عليها.

هذا هو الزواج اللعين بين سلطتي الاحتكار والدولة.. وكثيراً ما رأينا الاندماج بين السلطتين "اندماجاً شخصياً"، فالشخص نفسه (أو العائلة نفسها) تَجْتَمِع فيه وتنصهر "التجارة" و"السياسة"، أي السلطة الاقتصادية الاحتكارية وسلطة الدولة، كما يجتمع وينصهر في الشخص نفسه "الخصم" و"الحَكَم"!

مقاييس عدة يمكننا أن نقيس بها "الراتب"، جودةً ورداءةً؛ ولكنَّ "المقياس السلعي" هو الأهم، فالراتب الجيِّد ليس هو كمية الدنانير التي يحصل عليها الموظَّف أو العامل شهرياً، وإنَّما كمية ونوعية السلع والخدمات التي يمكنه الحصول عليها عبر الشراء.

وإنني أستطيع أن أؤكِّد أنَّ نسبة 99.9 في المئة من الجهود التي يبذلها الموظَّفون والعمال من أجل زيادة رواتبهم وأجورهم لا تعدو أن تكون جهوداً يبذلونها من أجل الحفاظ على قدراتهم الشرائية القديمة، وكأنَّ كل ما يحصلون عليه من زيادة في كمية النقد الورقي (أي زيادة في الراتب) أأتت من طريق جهودهم وضغوطهم أم من طريق "رأفة" الحكومة وأرباب العمل بهم إنَّما يفيد، أو قد يفيد، فحسب في الحفاظ على وجودهم الآدمي، أي وجودهم الفيزيائي.

الحكومة، وعلى ما اعتادت "القيام به من أقوال" أنحت باللوم على "فئة (ضالة) من التجار"..

إنني لا أعرف السبب الذي يَحْمِل الحكومة على ملاينة تلك الفئة التي بتضخيمها أسعار اللحوم.. إنَّما تأكل لحوم البشر من أبناء جلدتها، ففئة جُبِلت على هذا الشر، ولم يردعها أي رادع عن الاستمرار في مزاولته، لا يمكن إصلاح حالها، وردِّها عن ضلالها، إلاَّ بقانون يعدل لجهة قوته وفاعليته قانون مكافحة الإرهاب!

وأحسب أنَّ مكافحة الحكومة للغلاء، الذي هو "النعمة" الوحيدة التي تسبغها علينا السوق الحرة، خير ألف مرَّة من ملء بالون الراتب بمزيدٍ من الهواء.

شهر رمضان الذي أُنْزِل فيه القرآن رأيْناهُ، ورأيْنا كل ما يُمَثِّله من قيم دينية وإنسانية وأخلاقية، في الأسواق التي يقصدها الفقراء من الصائمين، أي أصْدقهم صوماً وتديُّناً، فَلَم نرَ فيه شهراً للصيام وإنَّما لتجويع الصائمين، والسطو على قروشهم!

ورأيْنا من إيمان التُجَّار المجاهدين في سبيل مزيد من الغلاء ما يندى له الجبين وتَقْشَعِرُّ الأبدان، فَهْم يصومون، ويُصَلُّون، ويتعبَّدون، وكأن لا جريمة قد ارتكبوها، إذ اجترحوا الغلاء، في حقِّ الصائمين من الفقراء.. وكأنَّ "الغفور الحليم الرحيم" سيعفو عنهم، ناسين أو متناسين قوله "سَواءٌ عَلَيْهِمُ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ". جواد البشيتي