بيروت تتمايل على الأنغام بعد سنين الويلات

عروض الازياء صورة عن الانفتاح

بيروت - من حفلات العراة الخاصة في مسابح مغلقة الى تلك الصاخبة التي يستضيفها مشاهير على غرار باريس هيلتون، الى نوادي المثليين والقمار وفتيات الاستعراض... تتحول بيروت بسرعة عاصمة للسهر والمتعة في شرق اوسط محافظ.
في هذه المدينة، لا يرف جفن لرواد الملاهي الليلية حين ينثرون الف دولار لقاء زجاجة شمبانيا لا لشيء سوى انه يضمن لفت الانظار اليهم في ناد ليلي يعج بالنساء اللواتي يرتدين ملابس مثيرة.
لقد تجرعت هذه المدينة كل انواع الويلات: من الحرب الاهلية الدامية التي عصفت بلبنان من العام 1975 وحتى العام 1990، مرورا بالاحتلالات العسكرية التي انتهت لتبدأ سلسلة طويلة من الاغتيالات طالت شخصيات كبيرة، وصولا الى الاضطراب السياسي المتواصل.
قبل اربعة اعوام، كانت الواجهة البحرية المحاذية لفندق ريفييرا مسرحا لمحاولة اغتيال استهدفت وزيرا بارزا معارضا لسوريا، لكنها اصبحت اليوم تضج بساهرين يملأون المنطقة بصخبهم ورقصهم حتى ساعات الفجر.
متمايلا على وقع انغام الموسيقى في ليلة حارة من ليالي آب/اغسطس، يقول وفيق المصري البالغ 26 عاما "لدينا ملاه ليلية في القاهرة، لكن ما من مكان كهذا". ويضيف المستشار المالي ممسكا بسيجار كوبي وكأس من الويسكي "احتاج الى المجيء الى هنا لاسترخي".
خلال تموز/يوليو الماضي، سجلت حركة السياحة الى لبنان رقما قياسيا بلغ مليون سائح في شهر واحد، على ما اعلنت وزارة السياحة التي توقعت ان يرتفع العدد الى مليوني سائح بحلول نهاية 2009، اي ما يوازي نصف سكان لبنان.
بين هؤلاء الوافدين مغتربون لبنانيون كثر يعودون اسرهم خلال الاجازة الصيفية، لكن العرب يمثلون شريحة كبرى من سياح يتوقون الى الاستمتاع بالحياة الليلية المزدهرة في بيروت، وبالعروض المثيرة مثل (السيقان المثيرة) في كازينو لبنان الذي يقدم "رقصات من قبيل استعراض التعري"، وفق التعبير الوارد على الموقع الالكتروني للكازينو.
وفيما يلاعب لبنان شبح الحرب الاهلية باضطرابات موسمية "خلفت احداث ايار/مايو 2008 اكثر من 100 قتيل"، يكفي انفراج ضيق في الازمات السياسية المتعاقبة عليه لتنهال الحجوزات على فنادقه وتذاكر السفر اليه.
بين الوافدين سامي (30 عاما) الذي قدم من المانيا لزيارة سريعة يقول انها كانت اكثر انهاكا مما توقع. وببشرة محترقة جراء ساعات التسمير الطويلة تحت شمس لبنان المتوهجة، شرح سامي الوتيرة المحمومة التي يقضي بها زيارته: من التفاوض مع حراس الملهى الاكثر رواجا في بيروت للسماح له بالدخول، الى محطة فطور عند الثالثة فجرا في مخبز يفتح ابوابه طيلة ساعات الليل والنهار، قبل ان يتمدد منهكا على شاطئ البحر بعد ساعات معدودة.
وقال سامي "لا انام سوى ثلاث ساعات. ولا اكاد ابدأ بارتشاف قهوتي على شاطئ البحر حتى يخطفها مني اصدقائي ليستبدلوها بفودكا في كوب بلاستيكي".
واضاف المهندس المعماري بابتسامة عريضة "وهكذا دواليك".
اما صديقته مصممة الغرافيكس ياسمين البالغة 24 عاما، فتجد ان "هذه المدينة متنوعة للغاية، لكل ما يوافق هواه. هي اشبه بحفلة كبرى لا تتوقف".
ثمة ايضا البذخ الذي تتسم به الحياة الليلية في العاصمة التي لا تنام، حيث من الممكن لثمن زجاجة الشامبانيا في بعض الملاهي ان يقفز من 200 دولار الى ارقام خيالية مثل 15 الف دولار. والامر يستحق، على ما يؤكد رواد ملاه فاخرة.
ومن الملاهي البيروتية ما يتخذ هويات خاصة. احدها غير تصميمه الداخلي حاليا بعدما اشتهر بديكوره المشابه للمقابر، حيث اريد له ان يحمل الذاكرة المروعة للماضي اللبناني المدمى. بني هذا الملهى في بقعة من منطقة الكرنتينا شهدت مجزرة دموية في العام 1976 كان اكثر ضحاياها من اللاجئين الفلسطينيين. وحتى الامس القريب، كان يمثل ملجأ محصنا تتخذ ارائكه ومقاعده اشكال المقابر.
وفيما يجسد ياسمين وسامي الوجه الناشئ لبيروت، ملاذ طالبي المتعة والباحثين عن السلوى، يبدي اخرون حماسا اقل حيال حمى الصخب هذه.
من هؤلاء رنا (28 عاما) التي قالت "انه لمن المسلي حقا الخروج ورؤية كل هؤلاء الناس والاستمتاع بالموسيقى، لكنني اعجز عن فهم الحمى التي تعتري اشخاصا ليعمدوا الى القيام بحجوزات قبل اشهر عدة من اجل الذهاب الى الامكنة عينها مرة تلو الاخرى".
واضافت رنا المقيمة في بيروت وتعمل في مجال البورصة ان "الامر اشبه بواجب اجتماعي يجب ان تؤديه والا فانك ترتكب الخطيئة العظمى بعزل نفسك عن –الجو-".
بعض اللبنانيين يستعيدون بفخر ذكريات ليالي سمر واحتفال قضوها خلال الحرب الدموية التي استمرت بين حزب الله واسرائيل طيلة 34 يوما في صيف 2006، حين انتقلت حياة الليل البيروتية الى المناطق الجبلية ذات الغالبية المسيحية مثل فاريا وبرمانا.
وتتذكر رانيا (28 عاما) تلك المرحلة قائلة "كان الامر مطابقا لليالي بيروت وانما في اجواء اكثر برودة... اعني لجهة المناخ". وتتابع رانيا حاليا رسالة دكتوراه في نيويورك، وقد اجرت حجوزات لحضور حفلات لفرق موسيقية دولية في ملاه بيروتية قبل وقت طويل من وصولها الى لبنان.
وفيما يعتقد بعض اللبنانيين ان بلدهم تجاوز الاسوأ وتحرر من ازماته السياسية، يرى زياد (25 عاما) المهندس اللبناني في قطر، ان صيف 2009 هو بمثابة الهدوء الذي يسبق العاصفة. وبتشاؤم، يقول الشاب اللبناني "اعتقد انهم يريدوننا ان نحظى بصيفنا قبل ان يعودوا الى –اشغالهم-"، في اشارة الى التيارات المختلفة في البلاد.