عشوائيات مدينتين!

بقلم: محمد كركوتي

("يمكن إنفاق الأموال لبناء ملاعب لكرة القدم والجولف.. ويمكن إنفاقها أيضا لبناء منازل جديدة تأوي الفقراء والمشردين"، الموسيقي الأميركي جيلو بافرا).

في دمشق يعيش 2.25 مليون إنسان في مناطق عشوائية مخالفة بكل المقاييس. وفي القاهرة يبلغ عدد الذين يعيشون في المناطق المشابهة 6.12 مليون نسمة.
في دمشق اقتربت المناطق العشوائية إلى حدود المناطق الفاخرة، وفي القاهرة سجل المساحون نفس المسافة. في دمشق يصل عدد "العشوائيين" – إن جاز التعبير – إلى نصف العدد الإجمالي لسكان هذه المدينة، ويصل في القاهرة إلى أكثر من ثلث عدد سكان العاصمة المصرية.
في سوريا ككل يعيش 35 في المئة من سكان المدن الكبيرة في المناطق العشوائية، وفي مصر يعيش 41.1 في المئة من "العشوائيين" حول مدنها الكبيرة! ولكي لا أتهم بإطلاق الأرقام على عواهنها، أقول: إن المصدر السوري هو وزير الإدارة المحلية. والمصدر المصري هو: مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار الحكومي. أي أننا لا نقدر الأرقام، بل ننقلها من الميدان الرسمي.
أمام هذا البحر الهائل من "العشوائيين"، لا تزال السلطات المختصة عاجزة، عن وضع حلول أو مشاريع حلول لواحدة من أسوأ الأزمات التي تواجهها مدينتان من أكثر المدن العربية – بل والإسلامية – امتدادا مع التاريخ، مما يرشح هذه الأزمة الاجتماعية – الديموغرافية لمرافقة المستقبل الذي لا يلبث أن يصبح تاريخا. تفتقر المناطق العشوائية إلى ترخيص واحد فيها، بما في ذلك تراخيص التمديدات الصحية والكهربائية والمياه والاتصالات. ولأنها كذلك، فإنها تمثل أكبر مخرب للبيئة، تماما كما تخرب الحياة الإنسانية، وتعيد صياغة وضعية الأسر بصورة قبيحة. فالحد الأدنى للمعيشية فيها، هو الحد الأعلى الذي لا يستطيع أحد من سكان العشوائيات الوصول إليه. فالكهرباء المسروقة – ربما – تمثل جريمة صغرى أو مخالفة، عندما يعجز سارقها على تسديد رسومها، ولكنها تتحول إلى جريمة كبرى، عندما يسبب الاستهلاك غير المنظم والزائد عن الاستطاعة الفنية، تلف المادة العازلة للأسلاك الممدودة في كل الأرجاء، لا تعلو سوى متر أو مترين عن الأرض، وهي في متناول الأطفال. فالإنسان غير المحمي أصلا، لا يملك "ترف" حماية الكابلات عالية التوتر، وأفضل ما يمكن القيام به، هو ترقيع التالف من الأسلاك والحياة في آن معا.
وقد أفسح المجال في السنوات الماضية – في مصر وسوريا – للاستثمارات العربية بغية إعادة تأهيل المناطق العشوائية، لكن أخبار هذه الاستثمارات ظلت ضمن نطاق الإعلان عنها، دون خبر ثان عن إنجاز تحقق في هذه العشوائية، أو آخر تحقق في تلك. وحتى القوانين التي ضمنت لسكان هذه المناطق وحدات بأسمائهم، تمهيدا لتأهيلها، تحولت إلى قوانين "عشوائية" أيضا. فمن الصعوبة بمكان الحصول على أطر عامة لها. وعلى الرغم من الشروط السهلة لهذه القوانين، التي يمكن أن تلخص بشرط واحد فقط، هو وجود وثيقة تؤكد أحقية الساكن ( وهل هناك أقوى من "وثيقة" وجود الساكن نفسه؟!)، غير أن السلطات المختصة، لا تزال في طور الحسابات وتحديد الرسوم وغيرها من تبعات الملكية، بل إنها تقوم بدارسة أهلية الساكن العشوائي في ميدان سكنه، وكأن حياته هناك لا تمثل أكبر دليل على وجوده!.
لقد ولدت "الحياة العشوائية" على مر السنوات الماضية في دمشق والقاهرة، ثقافة ليست خطيرة فحسب، بل كارثية أيضا، ثقافة... جعلت الممنوع المحرم، مسموحا متداولا، لن تنتهي بسرعة، حتى لو تحولت هذه المناطق إلى مجمعات وأحياء سكنية وفق المعايير المدنية. ومع التأخر في وضع الحلول وتنفيذها، تتعمق هذه الثقافة أكثر وأكثر. ولأنها كذلك، فيجب أن لا تبقى قضايا المناطق العشوائية على الهامش الحكومي. وإذا كان نصف أو ثلث سكان مدينة من العشوائيين، لنا أن نتخيل تأثير هؤلاء على غير العشوائيين ومناطقهم، ولنا، نتصور أيضا، كيف سيكون الشكل المعيشي لاثنتين من أهم المدن العربية، من زاوية التاريخ على الأقل. محمد كركوتي m@karkouti.net