بلا قرار

بقلم: زينب خليل عودة
تساؤلات كثيرة

يقلب الزمن كفيه يمنة ويسرة على حب عاشته لحظة وراء أخرى لعباً ولهواً وتفكيراً، وحزناً، وفرحاً، وأحلاماً، ترسم قصرا حتى ننظر للمستقبل بإشراقه، يحاول لملمة ضعفه بقوة تخيلاتنا للحاضر، وإقناع نفسه عجزا بالقوة، وأنه قادر على وقف كل الأيادي التي ستبعد نوم عين حبيبين معاً حتى النهاية، وأى نهاية كانت تنتظرها، دوما ما أروع كتابة الحروف الأولى في الحكاية، ولكن إلى أين ستأخذنا، علمها سفرها الطويل أنها حين تبحر سيكن مرساها الحقيقي.
تقول: كان حبي الأول، ورغم طول سنواتنا العشر سوياً الا أنها مرت بسرعة البرق، وددت لو أكملت العمر وتوقف قطار حياتها عنده، لكن ضعفه ذبح شريانها، كان الخبر كالصاعقة كيف يرتبط بأخرى؟ وهي كانت بين جفنيه ناما سويا بعد رحلة حب طويلة حلما بغد مشرق فى يوم آخر، هذه نهاية حب غمرها واجتاح كيانها كانت تشعر بحبه في عناق المشاعر ونظرات الأعين الحزينة.
كانت تشعر بلهفته عليها، كانت وكان، وكأن السنين مرت وهي في غيبوبة منها ومن أيامها وساعاتها ولحظاتها، وكم دقائق هي مرت، وهل كانا قريبين من محطة النهاية، أم ضاع العمر سدى، وسقط القناع، وتبعثرت أوراق الخريف، وتلاطمت بداخلها أحزان وكأنها أمواج عاتية وسط صخب الحنين والذكريات.
كانت لا تدري ماذا تفعل .. أتبكى؟ أم تصرخ أم تصمت؟ صدمتها شديدة مدوية أشعرتها وكأنها في عالم غير العالم وفي مكان وزمان تخطى كل المسافات، ولغة المنطق والعقل وكل الفلسفات، وكل روايات الحب والعشق وحكايات الغرام، كان وقع خبر خطبته كصخرة سقطت من أعلى السماء على رأسها، أفقدها صوابها، أوقف للحظات قلبها، أحدث شروخا في كل جنبات جسدها، تشققت رقته، ونزف كل وريد بقطرات تبكي ذكرى الحبيب، كيف كان عليها أن تستوعب، حبيبها خطب وتركها وسيتزوج، حبيبها التي أضاعت من أجله عشر سنين ويزيد .. بلمح البصر صار البعيد الغريب، تحدث نفسها بصوت عال بسهولة تركني وخطب وكأن القدر لم يكن أبدا قاب قوسين أو أدنى منها، لماذا التساؤل في نفسها وتراودها أفكار هنا وهناك، تصرخ وتهدأ تسترجع شريط الذكريات، تتوه الكلمات وترتجف الحروف، اتشحت الصور بالسواد، غاب عن ناظريها كيف تنسج خيوط الحزن فى الوريد والشريان، وكيف تتمزق الآهات عن الشفاه.
بحزن يعتصرها أخذت تهمس لنفسها: "عندما تفقد من تحب تشعر كأن ذكريات الماضي موجودة في معبد مقدس، محاط بأدق التفاصيل، وفي لحظة يقتحم جدار الصمت يأخذ كل شيء بعيدا، أخذت تردد خطب، أيعقل؟ كيف؟ ولماذا؟ تساؤلات كثيرة تدور بذهنها، تلف بها عبر الأيام والسنين، تنزع أشواكا، تنادى ولكن لا صوت يجيب، تعصف ذكريات كانت دوما تجملها لحبيب غريب، كانت تمد كلتا يديها له، وترسم الابتسامة على وجنتيه، بكل وردة حمراء، وبأغلى الهدايا وأعذب الكلمات، وقبل كل ذاك وذاك قدمت روحها وقلبها وتتنهد قائلة: نعم تحملت سلبية رجل، أناني، صغير أحمق، كانت تبحث بداخله عما هو جميل، كانت تحاول أن تصعد به لا أن يهوى بها، وأملها أن يكسر قيده وأن ينتصر لرجولته وأن وأن .. خاب أمل عمرها وبقي كما هو ساكناً قابعاً في زاوية الهزيمة والاستسلام قابلا للهوان منكسرا للأحلام، لا يملك القرار مشلولا...
سنوات عشر وهي تعزف سيمفونية الحب والوفاء، نسيت نفسها، وتركت كل شيء خلفها الماضى والحاضر، توقعت أن المستقبل قادم لامحال، عانقت الأحلام البريئة، حبها مثل سفر طويل لم يجد فيه الكلام طريقاً ... كانت حجته أن القرار ليس بيده، تذكرت مقولة له: "آه من قلب حزين أدمته قسوة الأيام وحين بدأ يتعافى لم ترحمه السنين."
تساءلت في نفسها ما الذي يجعل الآخرين دوما مقررين راسمين محطمين لحياتنا واختيارنا؟ كان الرد يجيبها، عذره أقبح من ذنبه، تقول: عذره كان أن حبيبته تكبره ببعض سنين، هذا ذنبها، وأي ذنب اقترفت؟ إنها ولدت قبل ولادته، رأت نور الحياة قبله وكان عقابها. قالت في نفسها ساخرة عذر قبيح في زمن النفاق والكذب وحياة بلا كبرياء.
تحدث نفسها بلحظة جنون: نعم وظفت مشاعري من أجل قلب من حجر، وشخصية منهزمة، لا تعرف إلا القسوة حتى على نفسه،، مشوار طويل تحملت لأجله كل شيء، أتذكر صمته أشبه بسكون ليل طويل لا ينتظر شروقاً، وبرودة أعصابه أجمد من كتل الجليد، وأما غروره وكبرياؤه المقيت مثل صلابة الصخور، أخذت تتذكر الكثير والكثير وترى لؤم عينيه، وأنانية شخصه ونعومة أسلوبه وتناقضات وازدواجية شخصية مليء بأسرار وأسرار، نعم لسنا بحاجة لأن نعرف كل شيء عن الذين نحبهم ولكن امتزاج الأرواح هي أسطورة العاطفة، كان حبها ليس قرارها ولا اختيارها، كان يسري في دمها، يعصف بها، ينتابها كان كل شيء لها، رغم أنك اخترت أن تكون لا شيء.
رحل عنها، كان فيلسوفا يجيد لغة الحكم، أما لغة الحب هيهات ثم هيهات، رحل عنها، معلناً خبر وفاته، مات وقتما قيد رجولته، ومات عندما كان القرار لغيره، وعندما يكون الفراق إجباريا فهو ضرب من الجنون ومن العذاب، تنهدت قائلة: قد تكون الحياة والموت ليس خيارنا، لكن الزواج رجولة، قرار، ولا سعادة منشودة إن فقدتا، والحب في القلب أشبه بمستأجر عليه أن لا يتأخر بالدفع دوما، وإلا طرد منه كان عليها أن تفهمه هكذا، ظل يأخذ ولم يكلف نفسه أن يقدم شيئا ورحل بلا أي إشعار.
رحل لأنه لا يملك القرار، وليس رجلا مثل الرجال، قالت في نفسها لمن تذرف الدموع، لرجل لا يستحق الحياة، لجبن اختلط بعذوبة اللسان، نعم أحببته وأخلصت وضحيت ولكنى لم أخسر نفسي مثله، ما أصعب طعنة الظهر وما أقسى خيانة الحبيب، نعم وقفت شامخة ضد التيار، تتعلم كيف تجمع مفرادت اللغة في قاموس الأشعار وكيف يكون العمر زهرة ندية بين أشواك الظلام. لمن تذرف الدموع؟ تذرفها فقط على نفسها كونها تمسكت بمن فرط بها، لونت حياته بكل الألوان أما هو صبغها بلون أسود، تذرفها على نفسها لأنها صدقت نفسها أن الحب يصنع المعجزات، وأن الرجل بإمكانه طول الانتظار ولا الاستسلام لقرار والفرار، ولكن لم يعد يفيد في حبيبا ليس رجلا بل أبي أن يكون، نعم تعلمت أن من يملك القرار يقدر سراً من أسرار الحب والحياة. ومع مرور الزمن يخبو الأمل وتبقى الذكريات. رجل بلا قرار ماذا يساوي في زمن العجائب؟ زينب خليل عودة