فلسطين لن تكون 'إمارة رفح' ولا 'إمارة أندورا'

بقلم: جواد البشيتي

"الشفافية"، في الخطاب الإعلامي والسياسي والفكري، والتي بفضلها نَنْطُق بـ "الحقيقة"، وننحاز دائماً إلى النطق بها، ونتحلَّى دائماً بجرأة النطق بها، لم نَعْثُر لها على أثر في كل ما قالته حكومة "حماس"، في خطابها الإعلامي، بعد ولادة "الإمارة الإسلامية"، في رفح، وبعد موتها، مع أميرها الشيخ عبد اللطيف موسى، بُعَيْد خروجها من رحم مسجد ابن تيمية، فحكومة "حماس" تحاشت وتجاهلت، عن عمد، نَسْب جماعة "جند أنصار الله" إلى "تنظيم القاعدة"، ولو من الوجهة الفكرية، مع أنَّ الجماعة تُعرِّف نفسها على أنَّها جزء من الاتِّجاه الذي يمثِّله ويقوده الشيخ أسامة بن لادن وأيمن الظواهري.
لقد فضَّلت حكومة "حماس" أن تَنْسِب الجماعة السلفية الجهادية، التي خرجت من أحشاء "الإسلام السياسي الوسطي الجهادي"، وفي مقدَّمه حركة "حماس"، خروج النقيض من نقيضه، إلى "الأجهزة الأمنية البائدة" التابعة لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، عملاً بـ "نظرية المؤامرة"، التي إذا ما ضخَّمْنا وزنها، وأفْرطنا في القول بها، والانحياز إليها، يَسْهُل علينا تفسير كل مصيبة أو كارثة تحلُّ بنا على أنَّها حادث تضافرت على صنعه أيادٍ خارجية فحسب، وكأنَّ "الضحية" ليست هي المسؤولة أوَّلاً عما حلَّ بها من مصائب أو كوارث.
أمَّا الغاية الكامنة في نَسْب "السلفية الجهادية" إلى "الأجهزة الأمنية البائدة" فهي إظهار وتصوير ما حدث على أنَّه جزء لا يتجزأ من المحاولة نفسها، ألا وهي محاولة إعادة قطاع غزة إلى الحال (الأمنية في المقام الأول) التي كان عليها قبل "الحسم العسكري الحزيراني".
ولا شكَّ في أنَّ النطق بالحقيقة، أي بحقيقة أنَّ جماعة "جند أنصار الله" هي لجهة وجودها ونشاطها خير دليل على أنَّ "تنظيم القاعدة" أسَّس له وجوداً في رفح وخان يونس على وجه الخصوص، سيضرُّ بحكومة "حماس"، فمن يناصبها العداء سيتَّهمها، عندئذٍ، بأنَّها هي التي هيَّأت لـ "تنظيم القاعدة" أسباب هذا النجاح الذي أحرز؛ ثمَّ أنَّ "حماس"، تنظيماً وحكومةً، ما زالت تحرص على إبقاء الخلاف (الفكري والسياسي) بينها وبين "القاعدة" دون حدِّ الصراع بالحديد والنار؛ مع أنَّني أتوقَّع (ولا أتمنى) أن يتمخَّض القضاء على "الإمارة الإسلامية" وهي في مهدها، وقتل أميرها وزعيم الجماعة السلفية الجهادية، عن أعمال إرهابية وحشية يذهب ضحيتها مدنيون أبرياء، فهذه الجماعة فيها من "الوحشية التكفيرية" ما يَشْحَن توقُّعنا ذاك بكثير من الواقعية.

الشعب الفلسطيني، مع قضيته القومية، هو الآن المعتدى عليه مِمَّن يتنازعون الحق والشرعية في قيادته؛ وإنَّ مأساته تكمن الآن، على وجه الخصوص، في اضمحلال وتلاشي "العلاقة الإيجابية" بين "حقوقه القومية" و"حقوقه الديمقراطية".
ولقد أثبتت التجربة في "الكوريتين الفلسطينيتين" أنْ لا خلاص للفلسطينيين، شعباً وقضية قومية، إلاَّ باجتماع وتزاوُج الحقِّين القومي والديمقراطي في قيادة فلسطينية جديدة، فالقيادة التي تُفرِّط في الحقِّ القومي للشعب الفلسطيني لا يمكنها، ولو أرادت، أن تكون سنداً لحقِّه الديمقراطي؛ والقيادة التي تفرِّط في الحق الديمقراطي للشعب الفلسطيني، بدعوى أنَّ الديمقراطية كفر، ورجس من عمل الشيطان الغربي، لا يمكنها، ولو أرادت، أن تكون سنداً لحقِّه القومي.
إنَّ "السلام" هنا، و"الأسلمة" هناك، هما الخياران اللذان إنْ اجتمعا فلن يجتمعا إلاَّ على الشعب الفلسطيني، وقضيته القومية، وحقوقه الديمقراطية.
ولو تسنَّى للشعب الفلسطيني أن يَخْرُج من تجربته الأليمة بالدروس والعِبَر المفيدة والضرورية، وأن يتحرَّر، أوَّلاً، من "الاحتلال الفلسطيني" لإرادته السياسية، لأنْتَج وطوَّر له قيادة، يَجْتَمع فيها، ومن أجله، "الالتزام القومي"، الذي تتوازن فيه العلاقة بين "الحقوق القومية" و"حقائق الواقع"، و"الالتزام الديمقراطي"، و"الالتزام العلماني"، الذي بفضله تتخلَّص "الدولة" من قبضة رجال الدين، ويتخلَّص الدين من قبضة رجال الدولة.

الصراع في أصله ومنشأه وماهيته وجوهره وحقيقته كان "قومياً"، تخالطه نزعة قوية إلى أن يتسلَّح بـ "الديمقراطية"، فلمَّا سعوا في "تديينه" و"أسلمته" وإنهائه بما ينهي الوجود القومي، والحقوق القومية، لأحد طرفيه، تحوَّل بطاقته التدميرية الهائلة نحو الداخل الفلسطيني، فشرع الفلسطينيون يعرفون من الصراع ما عرفته الصومال وأفغانستان، وما يجعلهم كجماعتي "توتسي" و"هوتو"، لجهة محتوى صراعهما، وغاياته، ووسائله وأساليبه.. وعواقبه!
إذا لم تتضافر جهود الفلسطينيين على وَصْل ما انقطع من صلة بين الفروع والجذور من الصراع فإنَّهم لن يروا في الأفق إلاَّ إمارة من إمارتين: "إمارة رفح" و"إمارة أندورا". جواد البشيتي