القصة القصيرة والإعلام الإلكتروني

بقلم: أحمد فضل شبلول
بيئات إعلامية جديدة

نشأت القصة القصيرة في حضن الصحافة كوسيلة إعلامية لعبت دورا مهما في تطوير حياتنا الثقافية والتأثير فيها، وخاصة خلال عقود ما قبل الإذاعة والتلفزيون، حيث كانت الصحافة أهم وسائل الإعلام المعاصرة التي حملت القصة القصيرة أدبا جماهيريا يقترب من هموم الناس ومشكلاتهم ولغتهم التي تخلو من الصنعة والفخامة والرفاهية اللغوية التي اتصف بها شعر ذلك الوقت، وذلك من خلال حيز صغير تشغله القصة في الصحيفة التي باتت زادا يوميا للقارئ العادي والقارئ المثقف.
ومن هنا رحبت الصحف بنشر القصص القصيرة التي تعكس روح الشعب وقضاياه واهتماماته ومشاكله، وهي نفس القضايا التي تعالجها الصحف اليومية والأسبوعية، ولكن القصص تعالجها بأسلوبها الأدبي البسيط، وليس بالأسلوب الصحفي الذي يعتمد على التقرير والخبر والريبورتاج أو التحقيق الصحفي والمقال وما إلى ذلك.
ومن هذا التقارب أو التلاقي بين عالم القصة القصيرة والصحافة، نشأ أدب صحفي، أو قصص يكتبها صحفيون لا أدباء أو كتاب قصة، فنشأ ما يعرف بالقصة الصحفية، التي تعتمد على الاستهلاك السريع أو التناول السريع للموضوعات والأحداث إلى جانب اهتمامها بالتسلية والإثارة والمباشرة والسرد الصريح، والتي ربما تُنسى بعد قراءتها ولا تترك أثرا أو انطباعا فنيا، فهي ليست عملا أدبيا متكاملا أو حقيقيا.
وبالتالي قدم لنا الإعلام، متمثلا في أهم ركن من أركانه، وهو الصحافة، كتَّابا دخلوا الأدب من بوابة الصحافة دون موهبة حقيقة، ولكن لأنهم رؤساء تحرير أو مديرو تحرير أو رؤساء أقسام أو مشرفو صفحات أو محررون عاديون، قدموا أنفسهم على أنهم كتاب قصة قصيرة، وربما رواية (تنشر مسلسلة) مستفيدين من تلك الجماهيرية التي حققها فن القصة القصيرة من ناحية، ومن انتشار الصحف السيارة من ناحية أخرى، ورغبة القارئ المتخصص وغير المتخصص في الأدب في التوقف عند هذه القصة أو تلك، لأنه يجد شيئا فيها غير ما يجده في الأشكال الصحفية الأخرى، بل ربما يرى نفسه فيها أكثر، باعتبار القصة فن إنساني ذاتي وحميمي.
بل إن بعض هذه الأفكار الصحفية التي تقترب من شكل القصة تحولت إلى أعمال درامية، وأضرب مثلا بـ "مدام شلاطة" لوحيد غازي، و"معبودة الجماهير" لمصطفى أمين.
ولعل كاتبا شهيرا مثل أحسان عبدالقدوس استفاد من الصحافة استفادة عظمى، فقد نشأ بين أحضانها من خلال بلاط مؤسسة والدته فاطمة اليوسف أو روزاليوسف ومجلاتها، ثم بعد ذلك الصحف اليومية المختلفة، لذا يعتقد كثير من النقاد (الأكاديميين خاصة) أن أحسان عبدالقدوس كاتب صحفي أكثر منه أديبا وقاصا وروائيا على الرغم من أعماله الكثيرة والمتعددة والتي تحول عدد كبير منها إلى السينما. غير أننا أمام النقد لا نجد عنه أطروحات أو حتى دراسات أو مقالات نقدية في حجم ما كَتب من أعمال، على العكس من كاتب في حجم نجيب محفوظ سواء رواياته أو أعماله القصصية القصيرة والتي طوَّرها وكثَّفها وقطَّرها إلى أقصى ما يستطيع في سنوات ما قبل الرحيل، فقرأنا "أصداء السيرة الذاتية" و"أحلام فترة النقاهة".
ولعلنا نلاحظ أن القصة قبل الصحافة كانت نوعا من الحكايات والحواديت لم تنضج فنيا كما هي عليه اليوم، خاصة أنها كانت تعتمد على الشفاهية أكثر من الكتابة والتدوين.
هناك كثير من الأدباء وكتاب القصة الحقيقيين استفادوا لاشك من الصحافة سواء اليومية أو المجلات الدورية باعتبارها صحافة متخصصة تصل إلى قطاع عريض داخل الوطن الواحد وخارجه (مثل مجلتي الرسالة والثقافة)، فلمعوا وأصبحوا نجوما في سماء الأدب والقصة القصيرة العربية، خاصة قبل انتشار وسائل الإعلام الأخرى، ونذكر على سبيل المثال في مصر د. محمد حسين هيكل الذي نشر أولى قصصه بعنوان "حكم الهوى" في مجلة الهلال عدد فبراير/شباط 1926، ومحمود تيمور الذي نشر أولى قصصه في الهلال أيضا، وهي قصة "صابحة" في عدد مارس/آذار 1928، فضلا عن محمود طاهر لاشين ويوسف السباعي ويوسف إدريس وغيرهم.
ولئن كانت مجلة "الهلال" مجلة ثقافية عامة تهتم بنشر القصص القصيرة لكتابها من المصريين والعرب، فإنه صدرت مجلات أكثر تخصصا، أو تخصصت في نشر القصة القصيرة والدراسات الأدبية والنقدية عنها، مثل مجلة "القصة" التي يصدرها نادي القصة بالقاهرة، ومجلة "عالم القصة" التي تصدر من نادي القصة بالإسكندرية برئاسة فتحي الإبياري. وكانت تصدر في تونس مجلة متخصصة في القصة القصيرة باسم "قصص".
***
ثم جاءت الإذاعة وخصصت برامج للقصة القصيرة، فبدأنا نستمع إلى قصص مقروءة من خلال المذياع إما بصوت المذيع، أو بصوت صاحبها، كما خُصصت بعض الحلقات النقدية بالإذاعة لمناقشة الأعمال القصصية، مثل برنامج "مع النقاد" الذي يقدمه الإعلامي عادل النادي بإذاعة البرنامج الثقافي (البرنامج الثاني سابقا) بالإذاعة المصرية.
كما تحولت بعض الأعمال القصصية سواء في الإذاعة أو التلفزيون إلى أعمال درامية تذاع في سهرة واحدة، أو يتحول العمل إلى خماسية أو سباعية درامية.
بل إن بعض الأعمال القصصية القصيرة تحولت إلى أعمال درامية سينمائية وأذكر منها قصة "طين ودماء" التي تحولت إلى فيلم "البوسطجي" ليحيى حقي، وقصص "البنات والصيف" لأحسان عبدالقدوس، و"دنيا الله" لنجيب محفوظ و"الزوجة الثانية" لأحمد رشدي صالح، و"حادثة شرف" ليوسف إدريس، وغيرها الكثير والكثير.
***
ومع دخولنا عصر الإعلام الإلكتروني الذي غيّر خريطة الإعلام في العالم بطريقة ثورية مستفيدا من الانتشار الواسع لشبكة الإنترنت التي تتزايد جماهيريتها وشعبيتها يوما بعد يوم، بدأنا نشاهد ونقرأ صحفا إلكترونية تتجدد لحظيا، ومواقع ومدونات ومنتديات وفيس بوك ويوتيوب وتويتر ومجموعات بريدية عملاقة، تستخدم كل أشكال الوسائط المتعددة أو الملتيميديا من نص وصوت وصورة وموسيقى وفلاشات وكارتون ولقطات فيديو ولقطات موبايل.. الخ.
كل هذه البيئات الإعلامية الرقمية الجديدة كان للقصة القصيرة دور بارز فيها، بل نجد بعض المواقع تخصصت في القصة القصيرة فحسب، مثل موقع القصة العربية (ارابيك ستوري دوت نت)، وموقع القصة السورية، وموقع القصة اليمنية (المقة) وغيرها.
وسأتوقف هنا لأضرب مثالا بموقع القصة العربية الذي يشرف عليه الكاتب السعودي جبير المليحان، (بشقيه الموقع والمنتدى):
http://www.arabicstory.net
بلغ هذا الموقع من العمر ست سنوات، ووصل عدد زواره حتى لحظة كتابة هذه المشاركة إلى 4,850,110 زائرين، وعلينا أن نعاين الإحصائيات التي على يمين الصفحة، والتي تشتمل على التالي (لحظة إعداد المشاركة):
الدول المشاركة 23
عدد الكتَّاب 1177
عدد النصوص 11943
عدد الكتب 159
عدد التعليقات 84236
عدد القراءات 5079471
عدد التوقيعات 3913
عدد المشتركين 6529
كتَّاب في الانتظار 24
نصوص في الانتظار 998
ويشتمل موقع القصة العربية إلى جانب الصفحة الرئيسية على روابط (أو لينكات):
الكتَّاب، القصص، الدراسات النقدية، أرشيف التعليقات، مكتبة الموقع، سجل الزوار.
وبالدخول إلى بوابة الدول العربية بالموقع، سنجد أن عدد كتاب القصة من بلد مثل مصر بلغ 249 كاتبا، والسعودية 224، وانخفض في الأردن إلى 29 والكويت 22، ولبنان 8، وربما لا تتطابق هذه الأرقام مع العدد الفعلي لكتاب القصة في بلادهم، لأنه بالتأكيد ليس كل كتاب القصة القصيرة في الوطن العربي يتعاملون بالضرورة من وسائل الإعلام الرقمي، ومنها الإنترنت، وخاصة الكتاب كبار السن الذين تربوا على، أو يفضلون التعامل مع، وسائل الإعلام التقليدية، والكتب والمجلات الورقية.
حتى الكتاب الذين يتعاملون مع الإعلام الرقمي وينشرون في مواقع ومنتديات ومدونات ومجلات وصحف إلكترونية مختلفة، ليس بالضرورة أن يتعاملوا مع موقع القصة العربية.
ونحن هنا لسنا في مجال تقييم ما ينشر من أعمال قصصية سواء في موقع القصة العربية أو غيره من المواقع والمنتديات والمدونات والمجلات والصحف الإلكترونية، مع أن الأمر يتطلب هذا حتى نستطيع أن نعرف مدى جودة الأعمال المنشورة، وهل هي بالفعل تخضع لقواعد القصة القصيرة التي تنشر في وسائل الإعلام الأخرى غير الرقمية، أم أن الإعلام الرقمي أتى بخصائص جديدة أو كتابة قصصية جديدة تضاف إلى هذا التراكم الكبير لهرم القصة القصيرة العربية المعاصرة؟ أم أنها مجرد خواطر وأفكار وقصص صحفية كالتي تحدثنا عنها سابقا؟
ويوضح موقع القصة العربية صراحة أنه لا يقبل النصوص المكتوبة باللهجات المحكية (العامية). كما أنه يعتذر عن قبول العضوية بأسماء مستعارة، ويعتذر عن قبول العضوية قبل وصول سيرة الكاتب ـ ة كاملة، ويعلن أن التسجيل في المنتدى يتم عبر البريد الإلكتروني إلى إدارة الشبكة مشفوعا بكامل البيانات الخاصة بالسير الذاتية.
وبطبيعة الحال هناك شروط تتوافق مع ما ينشر في الصحافة الورقية سواء العامة أو المتخصصة في القصة القصيرة، وشروط تقتصر فقط على البيئة الإعلامية الرقمية.
أما منتدى القصة العربية فيشتمل على عدة أقسام منها: الأخبار، نصوص مفتوحة، العمل الأدبي، قراءات، الكتابة للأطفال، الأعمال المنقولة من مواقع أخرى، القضايا الأدبية العامة، الدراسات، النصوص المترجمة، أعلام وإعلام (أي اللقاءات والحوارات)، نوافذ، ميثاق الأدباء والكتاب، ببليوجرافيا القصة العربية، المكتبة الإلكترونية، فضلا عن قسم الخيمة المخصص للتجارب السردية الإبداعية للأعضاء فقط. وغير ذلك من أقسام.
ويلاحظ أن القصص المنشورة في المواقع والمنتديات والمدونات والصحف والمجلات الإلكترونية وحتى على رسائل الموبايل، لم يستفد معظمها من تقنيات شبكة الإنترنت، ولم يستفد من فكرة النص المتشعب الذي يحتاج إلى أن يكون الكاتب أكثر من كاتب (أو كاتب وزيادة)، غير أن هناك بعض المحاولات الجيدة في هذا المجال نذكر منها تجربة "صقيع" للكاتب الأردني محمد سناجلة، التي تعتبر أكثر من قصة قصيرة، وهي منشورة على موقع اتحاد كتاب الإنترنت العرب، من خلال الوصلة أو الرابط:
http://www.arab-ewriters.com/saqee3
مصحوبة بدراسة نقدية مهمة للدكتور سعيد يقطين.
ولاشك أن هذا النوع من السرد والإبداع يحتاج إلى نقاد جدد، أو نقاد يسايرون هذا التطور في الإعلام الرقمي وثورة الملتيميديا أو الوسائط المتعددة، ليكون في مستوى النص المنقود، أو على الأقل يعرف كيفية الدخول إلى عوالمه عن طريق بعض المفاتيح.
كما نلاحظ أن بعض القصص بدأت تستثمر مفردات العالم الرقمي الجديد، أو مفردات البيئة الرقمية الجديدة، فتحولت مفردات الأداة إلى موضوع جديد في حد ذاته، مثلما قرأنا في قصص لوفية خيري وندى الدانا وحياة الياقوت.
وعلى سبيل المثال استطاعت الكاتبة الكويتية حياة الياقوت في قصتها "المسيخ إلكترونيا" ـ المنشورة في موقع ناشري ـ أن تجسد مشاعر المتعاملين مع شبكة الإنترنت، خاصة الذين ينتظرون بريدا إلكترونيا كل لحظة، وعندما يفتحون صناديقهم ولا يجدون شيئا، أو يجدون عبارة "صفر الرسائل" ينتابهم الإحساس بالخيبة والفشل، وكأن هؤلاء أصبحت حياتهم الجديدة معلقة على رسائل تصلهم من أي مكان، لا يهم تحديده، ولكن المهم أن تتوالى الرسائل.
أما وفية خيري ففي قصتها القصيرة "والليل .. إذا جاء .." تستفيد من هذه التقنية الجديدة في نسج حياة بطلة قصتها التي تعرفت على جهاز الكمبيوتر وعالمه من ابنها الذي أهداه والده جهازا بمناسبة نجاحه في الإعدادية. وبدوره يفاجأ الابن والدته بسؤاله عما تفعل أمام جهاز الكمبيوتر في ساعة متأخرة من الليل؟
ونعرف من خلال تقدُّم السرد أن الأم مُطلقة، وأنها تعاني من الوحدة والاكتئاب، فتلجأ إلى تناول المهدئات، وقد وجدت في الكمبيوتر والإنترنت وغرف الدردشة والبريد الإلكتروني والمواقع المختلفة، تسليتها الكبيرة التي تقضي على أوقات فراغها ووحدتها، واكتئابها، وخاصة حين يكون وحيدها خارج المنزل.
ومن ثم تلجأ إلى تلك العوالم الجديدة التي بالفعل تنقذها من وحدتها واكتئابها، ونعرف أنها امرأة جامعية مثقفة، ولكنها لا تعمل، بسبب شروط زوجها، الذي في النهاية يتركها ليتزوج من أخرى.
كل هذا كان حافزا لتحلِّقَ الأم في عوالم الإنترنت، وتجدَها بديلا فاعلا عن حياتها الشقية، وعن روتين العمل في البيت، والاهتمام بالابن، وتحاول أن تجد حياة أخرى افتراضية، عبر الصداقات التي اكتشفت من خلالها كنوزا من التواصل مع الآخرين، في مختلف بلدان العالم، لقد انفتح العالم أمام الأم، بعد أن كان مجرد شقة صغيرة لا تخرج منها إلا فيما ندر، ترعى فيها حياة وحيدها، وعندما يخرج لمدرسته أو لمقابلة أصدقائه أو المبيت عند والده، تصبح شقتها وغرفتها جحيما بالنسبة لها.
ومن خلال السرد تتعرض الكاتبة إلى تقنيات الجهاز وبعض مفردات التعامل مع الشبكة، مثل الضغط على مفتاح يقطع الاتصال بالشخص الذي يسيء استخدام الصداقة، فيستبعد من قائمة الأصدقاء، وما إلى ذلك.
ومن خلال غرف الدردشة، والبريد الإلكتروني، يعرف الأصدقاء الإنترنتيون أحوال الأم، بل إنها ترسل صورتها ومعلومات كثيرة عن نفسها، بما فيها عنوانها، فتنهال عليها عروض الزواج من أماكن شتى في العالم، فهذا مصري هاجر إلى أستراليا وماتت زوجته ويملك مزرعة هائلة وله ابن، ويرغب في الزواج منها ويعيش الابنان معا. وهذا أستاذ جامعة فلسطيني يعيش في الأرض المحتلة، غير متزوج، ويطلب زوجة تتحمل معه حياة الكفاح والصمود والمقاومة. وهذا شاب أردني متزوج يحب مصر، ويرغب في الزواج منها على أن يقضي معها ستة أشهر في مصر، وستة أشهر مع زوجته الأخرى في الأردن .. وهكذا.
غير أن أهم ما تقابله الأم على الشبكة شابا من الأرجنتين يدرس الدكتوراه عن تاريخ مصر الحديث، ويرغب في مساعدتها لإنجاز دراسته، فتكتب له أسماء الكتب التي من الممكن أن يرجع إليها، وتنشأ صداقة علمية بينهما، فتلخص له وتترجم، وتشعر أنها تقدم خدمة كبيرة لإنسان في حاجة إليها، ويتحقق التواصل والمؤانسة مع الآخرين، عبر الشبكة.
هكذا تنقلب حياة الأم رأسا على عقب، وتتحول حياتها إلى أحلام جديدة، وآمال وردية، فتسرح في الخيال، وتجوب العالم وهي جالسة أمام الكمبيوتر، وتصبح الإنترنت ضرورة يومية لها، لا تستطيع الاستغناء عنها، في ظل الظروف المعيشية أو النفسية التي تواجهها في وحدتها وعزلتها.
ونفاجأ في نهاية القصة، بشخص من أصدقاء غرف الدردشة يدق جرس الباب، فيفتح صغيرها، ويجيبه بأنه أخطأ العنوان. وعندما علمت الأم بذلك تمنت ألا يكون هذا الشخص هو زميلها في غرفة الدردشة من الأرجنتين، فهي تدين له بالكثير، فقد غيَّر اتجاهها ونقلها من حال إلى حال. ولكنها تذكرت أنها لم تعط له عنوانها.
القصة جديدة في موضوعها، وتتفاعل مع عوالم التقنية الجديدة التي اقتحمت حياتنا وبدأت تؤثر فيها، واستطاعت الكاتبة وفية خيري، أن تستفيد من تلك العوالم، وتوظفها توظيفا فنيا من خلال قصتها القصيرة ذات البناء التقليدي، الذي لم تغامر فيه أو به، على الرغم من مغامرات بطلتها على الشبكة.
أما الكاتبة السورية ندى الدانا فقد استطاعت أن تجسد عبر أقاصيصها الأربعة المنشورة تحت عنوان "أحاديث الإنترنت" في موقع آراب وورلد بوكس www.arabworldbooks، ألاعيب الشباب في مجال العاطفة على شبكة الإنترنت، وكيف يتخذون منها مجالا للتسلية والترفيه والسخرية من بعضهم البعض.
***
ولعلنا نستطيع أن نجد قصصا كثيرة تأخذ من الإنترنت والإعلام الرقمي عالما قصصيا جديدا، وهو ما أغرى كاتبا مثل إبراهيم عبدالمجيد أن يلجأ إلى هذا العالم في روايته الجديدة "في كل أسبوع يوم جمعة"، ويستخدم مفردات أو مشتقات مثل: يشيِّت (فعل مشتق من الشات)، ويدلِّت (فعل مشتق من ديليت أي يمسح أو يحذف).
غير أنه ينبغي الإشارة إلى ظاهرة الإغراق القصصي التي أتت بها المواقع والمنتديات والمدونات والمجموعات البريدية وكل وسائل الإعلام الرقمي الأخرى تقريبا، بطريقة يصعب أن يتابع معها القارئ كل هذا الإنتاج القصصي الضخم، والذي يزداد تضخما، لا نقول في كل يوم، بل في كل ساعة، وهذا الإنتاج الهائل بالتأكيد لا يصاحبه متابعات نقدية جادة، إلا في أقل القليل، ومعظمها تعليقات يشوبها المجاملة، أو العكس.
فكيف أعلِّق نقديا على قصة قصيرة جدا أو أقصوصة تأتي إلي على شاشة الموبايل، سوى بكلمات قليلة جدا، وكيف يتسنى لي التعليق على قصة منشورة في موقع ما أو منتدى ما من المنتديات المتخصصة في نشر القصة القصيرة، وفي كل لحظة يتوافد إليَّ عشرات القصص من كافة أنحاء الوطن العربي، ومَن يكتبون بالعربية أيضا خارج الوطن العربي؟
لقد بلغ عدد النصوص بموقع القصة العربية الذي اتخذناه مثالا سابقا، 11943 نصا، (لحظة إعداد المشاركة)، وهذا الرقم في موقع واحد متخصص، وهناك آلاف النصوص الأخرى في مواقع أخرى ومنتديات ومدونات وصحف ومجلات إلكترونية، فكيف يتسنى للمتابع متابعة كل هذا الآلاف من النصوص القصصية؟
ومن الملاحظات الجديرة بالرصد أيضا، دوران النص الواحد في أكثر من موقع وأكثر من منتدى ومدونة ومجموعة بريدية، نتيجة السهولة الكبيرة في الإرسال والنشر الذي يغري الكثيرين، غير عابئين بظروف الطرف الآخر (المستقبِل)، وهل يستطيع متابعة وقراءة كل ما يصل إلى بريده الإلكتروني أو الموقع أو المنتدى الذي هو عضو به.
إن هذا الأمر يمثل أحد الوجوه السلبية للإعلام الرقمي في تعامله مع الإبداع عموما، والقصة القصيرة على وجه الخصوص، ويشعر المتابع بأن هناك نوعا من الفوضى الكبيرة في تلك الوسائل الرقمية.
وهو أمر قد لا نجده مع النصوص الروائية، لعدة اعتبارات منها أن الرواية مهما كانت صغيرة، فإنها طويلة مقارنة بالقصة القصيرة، ولا يستطيع القارئ (الذي في مثل سني) متابعتها على الشاشة في جلسة واحدة، حتى وإن كانت رقمية مثل رواية "شات" لمحمد سناجلة، لذا فإن كتاب الرواية لم يغرقوا شبكة الإنترنت بأعمالهم مثلما هو الحال مع القصة القصيرة، حتى في حالة نشر رواية في أحد المواقع أو المجلات مثل مجلة "الكلمة" الإلكترونية التي يرأس تحريرها الناقد د. صبري حافظ، فإن القارئ قد يلجأ إلى طباعة الرواية على الورق لقراءتها فيما بعد.
كما أن الكثير من المنتديات والمواقع والصحف والمجلات الإلكترونية لا ترحب بنشر رواية كاملة في رابط واحد من روابطها، فهناك في معظم الأحوال عدد محدد من الكلمات للرابط الواحد مهما كانت سعته، مثلما هو الحال في الصحافة الورقية، أما القصة القصيرة فهي تنجح دائما في النشر في هذه الأماكن لصغرها أو قصرها.
إن القصة القصيرة استطاعت الاستفادة من وسائل الإعلام الرقمي، فكانت مع الشعر، من أكثر الأنواع الأدبية انتشارا ودورانا في هذا الإعلام، مثلما استفادت وانتشرت من قبل من وسائل الإعلام التقليدية، وخاصة عالم الصحافة. أحمد فضل شبلول
مراجع:
1 ـ فاروق خورشيد. بين الأدب والصحافة. مطبوعات الجمعية الأدبية المصرية، مايو 1961.
2 ـ شوقي بدر يوسف. مجلة الهلال. مارس 1988
3 ـ د. هيثم الزبيدي. عصر الإعلام الإلكتروني. محاضرة بالمجمع الثقافي في أبوظبي 2007.
4 ـ عدد من المواقع والمنتديات تم ذكرها في البحث. الورقة التي شارك بها الكاتب في ملتقى عمان للقصة القصيرة العربية الذي عقدته أمانة عمان الكبرى خلال الفترة 9 ـ 11/8
/2009.