معركة إيران الداخلية لترميم صورتها الخارجية

بقلم: محمد الشيوخ

استطاعت إيران أن ترسم بثورتها ودولتها واستقلالها ومشاكستها للغرب وخطاباتها وشعاراتها وحراك شعبها وبرامجها وأنشطتها-طيلة ثلاثة عقود مضت-صورة إيجابية في ذهن من حولها، سواء خصومها أو محبيها على حد سواء، وخصوصا جيرانها.
هذه الصورة حتى في نظر ألد خصومها لم تكن قبيحة بالمطلق كما إنها كانت مهابة. أما في نظر مؤيديها ومحبيها، فأن إيران تعتبر دولة إسلامية مثالية وأنموذجا معبراً عن حكم الله في الأرض وهي الحكومة المستمدة مشروعيتها من الشعب «جمهورية»، وهذا يعني إنها القوية، العادلة، النزيهة، المستقلة، المدافعة عن المستضعفين في الأرض.
الإحداث التي أعقبت الانتخابات وأحدثت انقساما داخليا حادا، تعمقت بفعل القمع والتعذيب وبعض التجاوزات التي مارستها السلطة السياسية ضد النشطاء الاصطلاحيين، وخصوصا التجاوزات الأخلاقية بحق بعض السجينات والسجناء الذي مورس من قبل السجانين بحسب مهدي كروبي.
زج المحتجين في السجون، والمحاكمات الصورية لقادة إصلاحيين، والتهديد والوعيد باعتقال المزيد منهم، واتهامهم بالعمالة للخارج ومحاولة الانقلاب على النظام، وتشويه سمعة المعترضين على نتائج الانتخابات وتنصيب نجاد، وانحياز آية الله خامنئي له، وميله لكتلة المحافظين، وتوسله بأساليب غير أبوية وذات طابع متشدد في التعاطي مع الأزمة ومطالب المحتجين.. كل ذلك أعطى صورة سيئة عن "حكم الله في الأرض"، ما أدى بطبيعة الحال إلى اهتزاز وتشويه هذه الصورة التي عملت الايدولوجيا السياسية الإيرانية على رسمها في أذهان الآخرين طيلة ثلاث عقود مضت.
الجمهورية الإسلامية العادلة، الديمقراطية، القوية، المتماسك داخليا، لم تعد بعد الذي جرى حكومة إسلامية إلا اسماً، في نظر كثيرين، وعدالة ونزاهة نظامها السياسي أصبح في محل نظر وشك، ولا يختلف الحال كثيرا فيما يتعلق بقوتها الداخلية والخارجية أيضا، لاسيما أن قوة أي نظام سياسي لا تكمن في ترسانته وتجهيزاته العسكرية وضخامة جيشه، وإنما يكمن في تماسكه الداخلي ورضا جمهوره عنه.
صحيح أنه ليس من الإنصاف الادعاء بان كل المعجبين والمحبين لإيران من الخارج قد تغيرت نظرتهم لإيران 100%، وبالتالي أصبحوا ينظرون إليها نظرة مختلفة عما سبق. لكن الأكيد أن هناك جمهور واسع تفاجئ مما يجري في داخل إيران، وشريحة واسعة من المعجبين غيروا نظرتهم تجاهها خصوصا بعد القمع والقتل والتجاوزات التي تمت في الشارع والسجون ومسرحيات المحاكمة لأشخاص كانوا جزءا من النظام، بل كانوا يشغلون مناصب عليا فيه في دورات رئاسية سابقة كأبطحي نائب الرئيس السابق خاتمي، والأكيد أيضا أن الذين لازالوا محافظين على إعجابهم لإيران أصبحت نظرتهم لتلك الصورة مشوشة ومهتزة بسبب ما يجري من صراع. على المستوى السياسي، لا ريب أن العالم كله أصبح ينظر لإيران اليوم بطريقة مختلفة عما سبق، فإيران بعد الانتخابات ليست هي إيران ما قبلها.
غالب الظن أن اهتزاز أو تغير صورة إيران على المستوى الخارجي هو الأمر الأكثر إزعاجا للمسؤولين الايرانيين سواء كانوا اصلاحيين أو محافظين. لذا يأمل الاصلاحيون من المحافظين أن يستجيبوا لمطالبهم في محاولة لإعادة ترميم الصورة. وفي المقابل يود المحافظون أن يلجموا الاصلاحيين ويثبتوا للعالم خطأهم في مطالبهم واحتجاجهم لدحض ادعاءاتهم، حتى وان تطلب ذلك اتهامهم بالعمالة والخيانة أو قمعهم في الشارع ومن ثم الزج بهم في السجون ومحاكمتهم لإثبات وفضح عمالتهم وخيانتهم، وذلك كله حفاظا على صورة إيران الجمهورية، الإسلامية، النزيهة، القوية.
يبدو أن الطريقة الحالية التي يتبعها النظام السياسي في معالجة المشكل السياسي الداخلي لن ترمم الصورة، كما إنها لن تحل الأزمة، بل ستعمق الانقسام أكثر وأكثر وستسيء إلى سمعة إيران الإسلامية والجمهورية.

وواضح جدا بأن المؤسسة الحاكمة لا تريد أن تتخلى عن أساليبها العنفية في التعاطي مع المحتجين والمعترضين، وفي المقابل لن ترضخ لمطالب المعارضة. والنتيجة، زيادة الانقسام ومزيدا من الاعتقالات والقمع والتعذيب والمحاكمات الصورية التي ربما قد تطال رؤوس المعارضة، مير حسين موسوي، كروبي، خاتمي، وربما سيأتي الدور لا حقا على رفسنجاني الذي يعد احد أهم مهندسي سياسة النظام. كل ذلك قد يحدث والتلويحات المتكررة توحي بذلك.
الخلاصة، إذا لم تحل الأزمة بمعالجات سياسية مرضية للطرفين، وإذا لم يمسك المرشد بالعصا من النصف ويكون على مسافة واحدة من الفريقين المتصارعين، وإذا استمرت الاعتقالات والمحاكمات والاتهامات.
والقمع على هذا النحو، فهذا يعني أن النظام السياسي متجه للتصعيد ولتعقيد الأزمة أكثر. وهذا النوع من الإجراءات ستساهم بلا شك في تشويه وربما تدمير صورة إيران بدلا من ترميمها. محمد الشيوخ m_shayook@hotmail.com