جنبلاط.. أهلا بك في دمشق

بقلم: غسان المفلح

كثيرة هي المقالات والتحليلات التي كتبت عن التحول الأخير في موقف وليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، الممثل الأقوى للطائفة الدرزية في لبنان، وبلاد الشام عموما. والأمر الذي يجب أن نؤكد عليه هنا، أن التعبيرات مأخوذة وفقا للقالب الخطابي اللبناني. جنبلاط ليس معرضا للتحليل الشخصي إلا من زاوية هذا الاعتقاد بأنه يقود الطائفة في لبنان، قيادة فعلية، لهذا كثرت من بين المقالات الحديث عن الطبائع الشخصية لجنبلاط، وكأنه ديكتاتورا داخل الطائفة! وهذا غير صحيح. لأن بنية حزبه، لم تعد استخباراتية، ذات حضور عسكرتاري واضح في الشارع الدرزي، كما هي الحال مع حزب الله. ولهذا هذه الأسباب وغيرها كان الحزب التقدمي الاشتراكي، بشكل عام، أكثر حضورا على المسرح السياسي، بوصفه حزبا يتأرجح بين الطائفية والمافوق طائفية. ولهذا، بشكل عام أيضا، يكون حضور الطائفة الدرزية أكثر قوة من تعدادها السكاني وفق الصيغة اللبنانية. وهذا يعود أيضا إلى الشهيد كمال جنبلاط، ودوره الوطني. ومراجعة بسيطة لتاريخ هذا الحزب تجعلنا، نجده دوما موجودا في تحالفات لبنانية أوسع. لهذا يتحدثون اليوم عن محاولة وليد جنبلاط تشكيل الحلف الوسط مع رئيس الجمهورية، بينما نجد هذا الأمر لم يكن مطروحا مع العماد عون عندما ذهب إلى دمشق.
قبل أن نتابع لابد لنا أيضا من التأكيد على أن الطائفة الدرزية، مهما تغير الدستور اللبناني طائفيا، لن تتغير حصتها في الكعكة السياسية للنظام الطائفي اللبناني، إلا إذا انتفى حضور الطائفة في الدولة، وتحولت إلى دولة طبيعية، بدستور يفصل الطائفة والدين عن السياسة. بينما لا نجد هذا الأمر عند الشيعة أو السنة أو الموارنة. هنا يمكن اللعب بالصلاحيات والمقاعد والتمثيل حسب موازين القوى، بين هذا المثلث الطائفي. فهي تقضم تمثيلاتها من بعضها دون أن تتعرض للطوائف الصغيرة، كالدروز والأرمن والعلويين. أي أن الشيعة يأخذون حصة من السنة أو من الموارنة، وهذا ينطبق على الجميع في حقل الصراع اليومي، وهذا ما كان الراحل رفيق الحريري يحاول التخلص منه عبر المضي في لبنان إلى دولة ما فوق طائفية. لهذا حتى لو اجتاح حزب الله الجبل مرة أخرى هذا لن يغير في حصة الطائفة مطلقا. وهذا ما يجعل التحليل على أن الموقف الأخير لجنبلاط خاضع لخوفه من حزب الله أمرا ليس بذي بال، ولا خوفه من أن يتم اغتياله! وإن كان الاجتياح سيسبب خرابا وقتلا وتدميرا كما حصل في 2008 ولكنه لن يغير في المعادلة السياسية كما ذكرنا، وهذا يحسب جنبلاط له حساب، من هذه الزاوية وليس من زاوية خوفه على حصته السياسية في النظام اللبناني.
وفق هذه اللوحة المختصرة يمكن لنا التقدم نحو ما حصل منذ اتفاق الدوحة وحتى الآن، والمصالحات "الخُلّبية" العربية- العربية، والوضع الإقليمي والدولي الذي يمكن لنا اختصاره بالمعادلة الساركوزية الإسرائيلية الإوبامية، ولهؤلاء جميعا، من دول كبرى، ودول اعتدال وغيرها ممن هرعت إلى دمشق يقول لهم وليد بيك: ما دام الأمر كذلك، فأنا أذهب إلى دمشق مباشرة، ولماذا تذهبون أنتم نيابة عنا، وهذا موقف، يشكل رد الفعل الطبيعي لزعيم كوليد جنبلاط، كان ولازال من أكثر زعماء لبنان استقلالية بالمعنى اللبناني والإقليمي والدولي. وجنبلاط لا يريد من أحد أن يساوم الرئيس السوري نيابة عنه.
لسان حاله بات يقول الآن: مادام الأمر كذلك! فدمشق أقرب لي منكم جميعا، ولن أسمح لأحد بالتحدث إلى السوريين نيابة عني أو يقبض الثمن بدلا مني لا أميركا وساركوزي ولا إسرائيل ولا قطر ولا دول الاعتدال، ونحن نعتقد من زاويته أن هذا حقه، في هذه الانعطافة، وإن كانت الأمور من زاويتنا تبدو لنا أقل فائدة.
لهذا نقول: لوليد بيك أهلا بك في دمشق، فأنت أولى من غيرك في واشنطن وباريس والرياض. غسان المفلح، كاتب سوري