رحلة المسلم المعاصر من الإتباع إلى الإبداع

بقلم: محمد الحمّار

القرآن الكريم مفسّر. ومحتوى كتب ومجلدات التفسير موجود من باب أولى وأحرى في أذهان المسلمين وفي أنفسهم وفي عقولهم. ومثلما يدرك المسلم قوله الله تعالى "اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" (المائدة 2) حقّ الإدراك، يجب عليه اليوم أن يدرك حقّ الإدراك أنّ زمن غلق باب الاجتهاد قد ولّى وانقضى، وأنّ بذلك قد تكون ولّت وانقضت أيضا الظروف والشروط التي قد حكمت بالحفاظ على باب الاجتهاد مفتوحا إلى حدّ أواسط القرن العاشر للميلاد.
فمثلما كتب من قبل للتنزيل أن يتوقّف، قد يكون قد كتب لاحقا للاجتهاد أن يتوقّف. وقد يكون استفاء سبب الوجود ما يعلّل التوقف في كلتا الحالتين. لذا كم أودّ أن أتصوّر الفقهاء والمفسرين وكافة مجتهدي الحرف والكلمة والأحكام والقياس والإجماع في تلك الحقبة يعلنون في ذلك الوقت عن انتهاء مهامهم في أداء ذلك النوع من الاجتهاد (الأصلي): "اليوم انتهت مهمّتنا كمفسرين للآي الكريم، ولعلّي بكم سوف تمكثون قرونا ودهورا من دون اجتهاد. لماذا؟ لأنكم، بحكم عرفكم بقاعدة أن 'لا اجتهاد في ما فيه نص' ستميلون إلى الظن أيضا بأن 'لا اجتهاد في ما ليس فيه نص' ثمّ ستجهدون أنفسكم لتجتهدوا ضدّ أنفسكم فتحكموا بصرامة بأن 'لا اجتهاد في ما لا يمكن أن يكون فيه اجتهاد'."
وكم أودّ أن أتصوّر كذلك كيف سيكون الرد اليوم من لدن مشايخ من طينة جديدة:
"إنّ المسلم اليوم هو من يهدم الرديء من التقاليد والسلوكيات من أجل البناء وليس لغاية الهدم. لا يعرّف نفسه من خلال معايير متهرئة وهجينة وغير قابلة للتأصيل بذاتها في بيئتنا العربية الإسلامية مثل العلمانية (اللائيكية) والشيوعية والاشتراكية. ولا يتشبث بما تبقّى لديه من صور محنّطة لواجهات كانت بالأمس لامعة مثل العروبة ولأخرى تجري وراء التلميع مثل"الإسلامية" وغيرها. يعرّف نفسه ككائن هضم كل المذاهب الفقهية المعترف بها (في وثيقة تسمّى 'رسالة عمّان'، لسنة 2008) من دون حيف ولا تكذيب ولا مزايدات.يعيد توزيع الأوراق ولملمة شظايا الصور القديمة فيقيس نفسه بمعايير تنطلق من تصريفات واقعه المعاصر أي بمعايير تنبثق من أولى البيئات التي نشأ فيها: البيت، والحارة والريف أو القرية أو المدينة، والمدرسة والجامعة وغيرها، إلى أن يكون قادرا على تحويلها، بالتكرير وبالتأليف وبالتوليد، إلى مساحات مستحدثة وسابقة التأثير("بروآكتيف" باللسان الأجنبي).
إنه ذاك الذي يبحث عن أقصر الطرق التي تؤدّي به إلى قمّة التوحيد بخصوص الإيمان. ومن وسائل تأدية واجب الكدح إلى الله بحثا عن وحدانيته أن يكرّس المسلم المعاصر مفهوما قلّما اهتمّ به من سبقه في الإيمان، ألا وهو كون الإسلام جاء متمّما ومكمّلا للمسيحية، تماما مثلما جاءت المسيحية متمّمة ومكمّلة لليهودية. فدراسة الديانتين السابقتين للإسلام شرعة ومنهاجا ستسمح بالمقارنة، والمقارنة من أنجع الطرق لمراجعة الإيمان ثم دعمه وتثبيته لتحقيق التوازن بين المسلم وذاته.
كما أنّ المسلم المعاصر مطالب، أثناء كدحه إلى الله ومحاولته بلوغ كنه التوحيد بأقصر الطرق، باستعمال للعلوم والمعارف الحديثة للبحث عن الحقيقة في الذهن ولكن أيضا، وبالخصوص، على الميدان، إذ أنّ البحث عن الحقيقة الميدانية هو بحث عن تناسق المظهر مع الجوهر، والوجود مع الأساسي؛ بحث عن وحدانية الله. والسبب في كون ذلك الاستنجاد بالمنهج الوجودي الميداني ضروريّ لتشكيل نمط من الاجتهاد يلائم طبيعة العصر: رغم أنّ القرآن مفسّر، كما أسلفنا، إلاّ أنّ الأمر الذي يحول دون المسلم ودون فهم القرآن هو كون الواقع اليومي المعيش للمسلم لا يزال غير مفسّر.
أمّا العلوم الدينية القديمة وما أسفر عنها من زاد معرفي وقيمي، عدا أنها تخص العارفين في الدين ولا تخص عامة الناس، فالمحبّذ أن يعي العوام من المؤمنين أنّ ما سبق أن أقرّ به واعتمده السّلف الصالح من تلك العلوم إنما هو حصيلة معنوية وحسية ومعرفية وسلوكية متوفّرة لديهم حيث أنّها تسكن ذواتهم وأذهانهم وعقولهم، مهما طال الزمان أو قصر، الأمر الذي لا يستدعي أن يروها مكتوبة (من جديد) حبرا على ورق لكي يؤمنوا بجدواها واستدامة صلاحيتها للزمان والمكان أو، بالعكس، لكي يدحضوا معانيها بدعوى عدم ملاءمتها مع العصر الحاضر. فيكفي أن يكون للمؤمن قدر من الحرية لكي يكون قادرا عن التعبير الحرّ من خلالها، واضعا إيّاها في محكّ الواقع. هكذا سيتبين له إن كانت صالحة أم طالحة، كلّيا أو جزئيّا. وهكذا سيتمكّن من بناء الصرح الجديد انطلاقا ممّا صلح منها وعوضا عن ما فسد منها. هكذا لن يدع المسلم المعاصر مجالا لما سلف من الأفكار أن تسبقه بأن تبني صرحها المكبّل والمعطّل في خلده وفي عقر عقله. هكذا يؤدّي المسلم المعاصر رحلته من الإتباع إلى الإبداع. محمد الحمّار mohamed.hammar@hotmail.com