العلمانية المؤمنة ضمانة للتقدم العربي

بقلم: د. عبدالله تركماني

بات من الواضح اليوم أنّ البشرية هي في طور التغيّرات الكبرى في مجتمعاتها وفي قيمها ومفاهيمها، وفي سياق هذه التغيّرات تبدو العلمانية أحد محاور الاختلاف في جسد الاجتماع السياسي العربي الراهن، خاصة بعد الصخب المفتعل حول مسألة الحجاب، ليس في المجتمعات العربية – الإسلامية فحسب، بل بين صفوف العرب والمسلمين المقيمين والمواطنين في دول أوروبية.

ويبدو أنّ العلمانية ليست شعارا يرفع، بل هي اتجاه تاريخي، وجملة مواقف، وقوى اجتماعية، تلم بالتطور التاريخي للمجتمعات، وتتوافق مع الترقي، ومع التحولات الاجتماعية على الصعيدين العربي والعالمي. ومن ثم، فالعلمانية - بما يراد لها أن تكون تشخيصاً عربياً - ترى في التعاطي المجدي مع التناقضات والصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية، التي تُؤَجَّج في العالم العربي، أمراً حاسماً في صالح الخطوة الأولى باتجاه فعل تاريخي عربي مفتوح نحو المستقبل. وبهذا، فإنّ العلمانية المعنية هنا لا علاقة لها بما يلصق بها من مماهاة بينها وبين الإلحاد، ومن الاعتقاد بأنها مؤامرة غربية لتدمير الإسلام من داخله، ولعل الأنموذج العلماني المؤمن التركي خير ردٍّ على هذه الترهات.

إنّ حسم وتجاوز الجدل القائم منذ قرنين حول ضرورة العلمانية بات يشكل المدخل الرئيسي لإقامة الدولة العصرية، المدنية بطبيعتها، حيث يبدو من الصعب التقدم نحو الحرية والديموقراطية من دون الخروج من التناقضات الاجتماعية العميقة والقفز فوق مسألة التمييز الديني أو المذهبي أو القومي، على كافة مستويات الحياة العامة العربية بما فيها قضايا الأحوال الشخصية.

لقد آن أوان تبلور الخطاب النقدي العلماني داخل العالم العربي وفي المهاجر العربية، الذي يلخص عملية التغيير الحضاري الواجبة والمستشرفة لآفاق التقدم العربي. فالعلمانية نظام عام عقلاني ينظّم العلاقات بين الأفراد والجماعات والمؤسسات، فيما بينها وفيما بينها والدولة، على أساس مبادئ وقوانين عامة مستمدة من الواقع الاجتماعي والتجربة التاريخية، يتساوى أمامها جميع أعضاء المجتمع وفئاته بصرف النظر عن الانتماءات الدينية والقومية والخلفيات الفكرية. ولما كان الأمر كذلك، فإنّ العلمانية تجد مرتعها الخصب في إطار من الديمقراطية، التي تمارس عقلانياً وتنويرياً، وذلك على نحو تغدو فيه الديمقراطية والعقلانية والتنوير أحد أوجه العلمانية وصيغة من صيغ التحفيز عليها.

إنّ العلمانية ارتبطت بأكثر من معنى، فهي ليست فقط بمعنى فصل الدين عن الدولة كما هو شائع في العالم العربي، بل كان الارتباط الأوثق بين العلمانية والدولة القومية، حين انبثقت من ثقافة ديمقراطية وصراع في سبيل التقدم وكرامة الإنسان، وجاءت بمثابة تأكيد على قدرته على تنظيم شؤونه تنظيماً عقلانياً. لذا فالمبدأ الأساسي في العلمنة يؤكد أنّ الدين أمر شخصي، وينبغي، بالتالي، فصله عن الدولة والمدرسة والأحوال الشخصية.

إنّ الكثيرين لا يدركون تماماً ماهية العلمانية هذه ومدى أهميتها من أجل بناء مجتمعات عربية ديمقراطية على مستوى تحديات العصر. ولربما السبب في رفضهم العلمانية هو أنهم يخشون أن تكون مرادفاً لمعاداة الدين، على أنّ هذا الخلط لا أساس له، بل أنّ العلمانية من شأنها أن تحرر الدين من استغلال السلطة له. وبالتالي فإنّ العلمانية من شأنها أن تقوّي بُعد القناعة الفردية الحرة من العقيدة الدينية، وذلك من خلال فك الارتباط بين الدين والسلطة. بل أنّ العلمانية هي، في جوهرها، ليست سوى التأويل الحقيقي والفهم الصحيح للدين، على الأقل في جانب المعاملات والقيم العامة التي يحملها.

وعندما تطرح العلمانية، بمعنى عدم تدخل الدولة في الشؤون الدينية لمواطنيها وبحيث تكون المواطنة هي أساس العلاقة بين الدولة والمواطن، فإنها - في هذه الحالة - أقرب لأن تكون مفهوماً سياسياً، يشكل ضمانة أكيدة للمساواة ولتلاحم المجتمع، حيث تكون العلاقة بالوطن والدولة علاقة سياسية وليست علاقة دينية قد تحد من المساواة السياسية بين أصحاب الديانات والقوميات المختلفة.

إنّ العلمنة منظومة عقلية منطقية غير قابلة للتجزئة، تتأسس على دعامتين: أولاهما، اعتبار الدولة العلمانية ضمانة الوحدة والنظم الاجتماعيين، بحكم قدرتها على تجاوز الانقسامات الاجتماعية التي تنخر الجسم السياسي، ومن ثم قدرتها على التعبير عن المصلحة العامة (في حال كونها دولة حق وقانون). وثانيتهما، أنّ الدولة ليست مجرد أداة لإدارة الشأن العام بل هي "صوت الأمة"، وموضع حلول العدالة الكاملة والخير الأعظم، ما يعطيها مشروعية التدخل لإشاعة قيمها وتصوراتها المفترض فيها أن تكون القيم العامة والكلية للمجتمع.

ومن الملفت للانتباه أنّ مفكري النهضة العربية الحديثة في القرن التاسع عشر، بما فيهم تيار الإصلاح الإسلامي، طرحوا كيفيات تحديث الدولة العربية وفق رؤية علمانية. فقد أقامت الإصلاحية الإسلامية مساوقة بين "الإسلام الصحيح والعقل" وبين العقل الوضعي والحداثة، فأصبح من الممكن في هذا الوضع أن تقوم المماهاة بين الإسلام والحداثة بعامة، وأن يكون أساساً لمدنية سوية لا تتميز عن المدنية العلمانية الحديثة، وهي الأنموذج العملي، إلا تمييزاً قِيَمياً. وعلى هذا الأساس، أعادت الإصلاحية الإسلامية الاعتبار إلى المرجعية الإسلامية التي أعيد تأويلها، فكان الإسلام النفعي (مقاصد الشريعة) التابع للتأويل العلماني بالفعل أو بالقوة، دون اللفظ، مضموناً للإسلام المعياري الذي وضعته الإصلاحية الإسلامية مرجعاً لها.

وعليه، لقد بات مطلوباً التخلّي عن فكرة أنّ العلمانية هي أنموذج غربي غير صالح لتعميمه شرقاً، وعن أنّ العلمانيين هم مستوردو أفكار ونماذج. وللخروج من هذه المآزق لا بد من إقامة حوار هادئ يهدف إلى إنتاج صيغة جديدة تقوم على أساس تغيير بنيوي جوهري تدرجي عبر المعالجات العلمانية، على أن لا تنخرط تيارات هذا الحوار في منطق الحاكم العربي المؤجِّل للإصلاح والتغيير تحت أية حجة أو شعار. د. عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس