لمن يفتح التأريخ أبوابه؟

بقلم: صباح علي الشاهر

"الشمس المشرقة أبدا- مع أن شمس الله على كوكبنا تشرق وتغرب!– الأب الذي أبصر الحقائق، مُلهم الشعب الخالد أبد الدهر، حبيبنا جميعاً قائدنا الرفيق العظيم كيم إيل سونغ".
هذا مقتطع صغير مُستل من بعض مقدمات تقديم خطب القائد الكوري، تلك الخطابات المُلزمة الدراسة والحفظ من قبل كل مواطني كوريا الشمالية.. اكثر من نصف صفحة من الألقاب والنعوت والصفات التي لا يمكن أن تجتمع في إي فرد إلا إذا عُد هذا الفرد إلهاً (معاذ الله)!
الخالد أبد الدهر مات، كما يموت كل البشر، وبموته لم تحتجب شمس الله، ولم تغيّر من ديدنها في الشروق على جبال ووديان كوريا مع ولادة كل فجر جديد، لكنه أورث العظمة لأبنه من بعده، ويُقال أن الإبن الآن يستعد لتوريث العظمة للحفيد.
ومن على شاشة تلفزيون قطر عربي، قال الشخص الثاني في الدولة وهو يضم كفيّ القائد بكفيه "سيدي لولا أن الوحي قد إنقطع بعد وفاة سيدنا محمد (ص) لقلت أنه يوحى إليك.. ثم بعد تمتمة لم يعرف معناها قال: لكن الله يصطفي من خلقه بعض الذين يكشف الحجاب عنهم، وأنت منهم سيدي."
الإمثلة عن أولئك الذين يؤسطرون الشخص، رئيساً، أو ملكاً، أو قائداً حزبياً، أكثر من الهم على القلب مع مزيد الأسف. إنهم موجودون في كل عصر وآن، وهم تحديداً من ينقل الشخص من مرحلة كونه إنساناً، يُصيب ويُخطيء، فيه نواحي قوّة ونواحي ضعف، يعرف أشياء وتخفى عنه أخرى، إلى شخص مُلم بكل شيء، لا يعرف الضعف، ولا يُخطئ، قادر على كل شيء، وبالتالي يخلقون ما يعرف بـ "عبادة الفرد".
السابحون في ظلام عبادة الفرد أنصاف متعلمين، وجهلة، يحترفون التملق والمداهنة، ومجموعة من الوصوليين، الذين إرتضوا، وبرغبتهم، إعطاء عقلهم إجازة أبدية، همهم منفعتهم الشخصية، وتسلق المناصب، والإبتعاد عن غضبة الحاكم، عبر الإطناب بمدحه لحد التغزل بشاربي القائد، أو بالكتابة وفق ما عُرف بالتغزل بالزعيم لحد التشبب.
بعض هؤلاء المهووسين، وبالأخص المراؤون والمداهنون، سيكونون اول من سينقلب على الأله المعبود بعد تحوّل الحال والأحوال. سيطنبون أيضاً، ولكن في ذم الذي كان معبوداً وتبيان عيوبه، وهم غالباً ما يتصدرون الصخب في الإصطفاف الجديد بعد أن كانوا أسياد الصخب فيما مضى، فلنتذكر أولئك الذين مدحوا ستالين وهو في السلطة ثم إنقلبوا عليه بعد أن أصبح مرجوما بكل حصى الأورال، أو أولئك الذين أصبحوا من أشد أعداء ومنتقدي عبد الناصر بعد أن كانوا في مقدمة المدّاحين.
في الزمن القديم، قالوا لنا أن بدوي الجاهلية كان يصنع معبوده من عجوّة التمر، يتعبّد له في الأحوال الإعتيادية، لكنه عندما يجوع ياكله، يأكل من كان يعبده.
المشكلة في عبدة الأفراد في هذا الزمن، أنهم لا يقدرون على أكل معبودهم إذا جاعوا، وإنما معبودهم هو الذي يأكلهم في كل آن، ووقتما يشاء ويرغب. أرباب الناس القدامى، لا يتحكمون بالفرد. لا يستلبون عقله، ولا يحصون أنفاسه، غاية ما يحتاجه المعبود وقتذاك أن تنحني له إجلالاً، وتقدم القرابين في المعبد. الأله سيرضى عنك طالما كان الكهنة راضين، خارج هذين الأمرين أنت حر، في حلك وترحالك، في بيعك وشرائك، في عملك ولهوك، وليس الأمر هكذا في ظل عبادة الفرد، فالممنوع أكثر من المباح، وأنت مُقيد في حلك وترحالك، في عملك و لهوك، في بيعك وشرائك، وفي مطلق الأحوال فالذين هم من حولك مذلون، مهانون، وبعقول غيرهم، لا بعقولهم يفكرون.
يتنطع البعض بالتمسح بمقولة "دور الفرد في التأريخ". نعم للفرد متفردا دور في التأريخ، ولكن هذا الدور لا يتأتى إلا ضمن الشروط الموضوعية للضرورة التاريخية. الضرورة التاريخية الموضوعية لا يخلقها الفرد مهما علا قدره. غاية ما يفعله الفرد الذي يقتنص الضرورة التاريخية إنه يسهم في تسريع عملية التحوّل، بعض الأفراد لتفردهم، وتميزهم يقتنصون هذه اللحظة الحرجة، والفاصلة في التاريخ، فيدخلون التاريخ من أوسع أبوابه، يدخلون التاريخ لكنهم لا يصنعونه، فالتاريخ من صنع حركة الناس، وتعاقب الأحداث، مثل هؤلاء الأفذاذ في التأريخ كمثل من يضع القطار على السكة. تنجز المهمة عند هذا الحد، حيث يصبح بإمكان أي سائق قيادة القطار إلى غايته.
كاسترو من جملة الرجال الذين دخلوا التاريخ في أواسط القرن المنصرم. لقد قاد ثورة على أعتى نظام ديكتاتوري مسنود من أقوى دولة في العالم، وهي لا تبعد عن حدوده أكثر من رمية مدفع. أنجز كاسترو الثورة المستحيلة. حرر كوبا من فساد باتيستا، ومن التبعية المهينة لليانكي. لقد وضع القطار على السكة، لكنه لم يغادر عربة القيادة طيلة نصف قرن، حتى إذا ما وهن عظمه أوكل الأمر لشقيقه راؤول.
كاسترو رجل دخل التاريخ عام 1959، وخرج منه عام 2009.
وبالمقابل، في القارة السمراء، دخل التاريخ رجل أسمه نلسن مانديلا حين وقف بوجه التمييز العنصري، وأصبح أقدم وأشهر سجين سياسي في العالم. لم يتصور أحد أن هذا الرجل المتواضع سيتمكن في نهاية المطاف من القضاء على عار أثقل ضمير الإنسانية لقرنين من الزمن. مانديلا نجح في وضع القطار على العربة، واختير لقيادة القطار الذي ترجل عنه بعد دورة رئاسية واحدة فكان الإنموذج.
مانديلا دخل التأريخ عندما دخل السجن، ودخل التـاريخ ثانية عندما ترك قيادة القطار لغيره. صباح علي الشاهر