زلزال في لبنان

بقلم: علي ال غراش

يبقى لبنان بلد التنوع والحراك والحيوية الدائمة والتقلبات والمفاجآت السياسية التي لها تأثير على الساحة الإقليمية والدولية، وآخر تلك المفاجآت ما صرح به قبل نحو أسبوع الزعيم الدرزي رئيس حزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط - صاحب المواقف والمفاجآت السياسية- بالانسحاب من قوى 14 آذار. حيث قال: "إن التحالف مع قوى 14 من آذار الموالية للغرب كان للضرورة ولا يمكن الاستمرار.. وان الانتخابات أفرزت نتاجا طائفيا يجب التخلص منه.." مشددا على الحاجة لعلاقات مميزة مع دمشق، منتقدا طريقة تشكيل الحكومة الجديدة في لبنان المشابهة لمجالس القبائل..، واصفا زيارته للولايات المتحدة بأنها "نقطة سوداء في تاريخ الحزب التقدمي الاشتراكي".
هذا الموقف كان بمثابة الزلازل الذي خلط الأوراق السياسية في هذه المرحلة الحرجة قبل إعلان الحكومة بقيادة الرئيس المكلف سعد الحريري. ولا يزال اللبنانيون والمهتمون بالشأن اللبناني يترقبون النتائج ومعالجة التداعيات المؤثرة، لاسيما انها أدت إلى حدوث زلزال داخل أركان وقواعد وجماهير قوى 14 آذار، وشكلت مفاجئة من العيار الثقيل لجميع القوى والتيارات والأحزاب اللبنانية، وللدول الخارجية، وللإعلاميين والمهتمين، وتعقيدا للتوازنات والحسابات السياسية اللبنانية، لما للزعيم الدرزي جنبلاط من مكانة وقوة وتأثير في وسط قوى 14 اذار، وفي الساحة اللبنانية ومحل اهتمام في الساحة الإقليمية والدولية.
تيار المستقبل نواة قوى 14 اذار لم يسكت طويلا على ما صرح به جنبلاط من الانسحاب من القوى، بل أصدر بيانا عنيفا شديد اللهجة، وهناك من شكك ورمى الزعيم وليد بيك جنبلاط بالخيانة والتجريح. موقف جنبلاط أجبر الرئيس المكلف سعد الحريري على السفر خارج الوطن إلى جنوب فرنسا لالتقاط الأنفاس واستيعاب الصدمة، وترتيب أوراقه وحساباته السياسية من جديد في داخل تياره المستقبل وداخل قوى 14 اذار الذي يتزعمه، والتفكير من جديد بخيارات تشكيل الحكومة المعقدة التي كانت شبه محسومة ومتفق عليها من قبل جميع الأطياف السياسية قبل انقلاب الجنبلاطي.
حتما هذا التغيير والتوجه لدى الزعيم الدرزي لم يعجب الدول والجهات التي تدعم قوى 14 آذار بل كان صدمة مفاجئة ومحل الاستياء والاستهجان. فهذا الحدث فرض على الحكومة السعودية على سبيل المثال إرسال الخبير بالملف اللبناني وزير الثقافة والإعلام السفير السعودي السابق في لبنان عبدالعزيز خوجة بشكل عاجل إلى لبنان في زيارة مفاجئة، والذي التقى بالزعيم الدرزي لمعرفة الحقيقة والأسباب للموقف الجديد من لسانه ونقل رسالة خاصة من الجهات العليا في السعودية له، ومتابعة الواقع الجديد وترتيب بيت قوى 14 اذار من آثار صدمة الزلزال القوي، ومناقشة موضوع تشكيل الحكومة.
ولقد حاول الزعيم الدرزي جنبلاط غداة اجتماعه بالوزير السعودي خواجة، التقليل من ردة الفعل حيث قال للصحافيين من القصر الجمهوري في بعبدا بعد اجتماعه مع رئيس الجمهورية ميشال سلمان: " أتيت إلى هنا لأوضح الكلام الذي أسيئ تفسيره... لقد قلت بالحرف ان تحالفنا في 14 اذار لا يمكن ان يستمر وهذا لا يعني الخروج وإنما إيجاد شعارات جديدة". وقال "رسالتي اليوم من بعبدا إلى الشيخ سعد الحريري اننا على الثوابت في تشكيل الحكومة". وقال "انه سينضم إلى رئيس الجمهورية الذي يشكل الضمانة الكبرى". ولكن هذا الكلام لم يقلل من حقيقة الانسحاب وهول صدمة الزلزال.
زلزال جنبلاط كان متوقعا من قبل بعض الجهات، وهو بلا شك يصب في مصلحة المعارضة التي رحبت بموقفه، واعتبرته شهادة طلاق بائن لجنبلاط من قوى 14 آذار. إذ قال العماد ميشال عون: "جنبلاط يركض لملاقاة القطار الذي ركبناه نحن".
ان اتفاق التيارات والأحزاب والقوى اللبنانية على تشكيل الحكومة حسب 15+10+5، أصبح في مهب الريح بعد موقف جنبلاط، وستفتح الأبواب من جديد للاتفاق على تشكيل جديد، وربما سيؤدي ذلك إلى تغيير جذري سيحرم 14 آذار من الأكثرية النيابية ليصبح نصابها اقل، حيث ان الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط له 11 نائبا من أصل 71 نائبا تشكل تكتل قوى الرابع عشر من اذار في البرلمان.
لقد وصل الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة إلى لبنان والكل يترقب ماذا في حقيبته، من جديد، وماذا سيتمخض عنه اللقاء المرتقب بين الرئيس المكلف سعد الحريري مع رئيس حزب الحزب التقديم الاشتراكي وليد جنبلاط. لقاء لن يخلو من المصارحة والمكاشفة والعتاب، والاتفاق على المرحلة القادمة مهما كانت مرارته.
كيف سيكون المشهد اللبناني بعد انسحاب رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي من قوى 14 اذار، وما موقف السعودية وسوريا، وكيف ستتعاطى المعارضة مع هذا التغيير الذي يخدمها، وما المفاجئة الكبيرة المتوقعة القادمة قريبا من الزعيم جنبلاط لتحديد موقعه ومصالحه بشكل واضح؟
الزعيم وليد جنبلاط خبير سياسي محنك وله تجارب كثيرة في التقلبات والمزاج السياسي، فالسياسية في عرف الزعيم جنبلاط ليس فيها ما هو غريب وعجيب ومستحيل، فهناك مصالح والكل يبحث عن مصالحه. علي ال غراش