تركيا والاتحاد الأوروبي: الحلم يتبدد، واقع آخر ينشأ

لندن
مجال حيوي آخر

شيئا فشيئا يكتشف المسؤولون الاتراك أن حلمهم الأوروبي سيظل في مكانه، كمجرد حلم.
فحتى لو توصلت تركيا الى تلبية كل شروط ومطالب الاتحاد، التي تبدو تعجيزية في الأصل، فان العضوية لن تأتي قبل 10 سنوات، إن لم يكن أكثر.
هل يمكن لدولة بالمكانة الاستراتيجية لتركيا ان تظل تدور في الفراغ لكي يعطف عليها الأوروبيون بالعضوية؟
المتغيرات الدولية والإقليمية ترشح تركيا للعب دور جيو-استراتيجي استثنائي. ومن هذا الموقع بالذات، فان الكثير من المحللين، بل وكبار المسؤولين أيضا، يتساءلون عما إذا كان هذا الموقع يؤهل تركيا لتحقيق فائدة أعظم، كقوة إقليمية مستقلة، من ان تكون مجرد تابع حتى ولو لأوروبا موحدة.
إقتصاديا، قد تبدو خسارة السوق الأوروبية بالنسبة لبلد يعتمد على الزراعة والمنتجات الغذائية، شيئا أكبر مما يمكن التضحية به. ولكن ذلك يعني في الوقت نفسه التضحية بمصالح اقتصادية اخرى. وفي حين ان منافع الوحدة الأوروبية لن تأتي إلا لاحقا، فالحقيقة الجلية للعيان هي ان تركيا تستطيع ان تجني من ثمار علاقاتها المتوسطية والشرق أوسطية والقوقازية أكثر بكثير مما يمكن خسارته أيضا.
على الأقل، فانها لن تبدو، حيال المنطقة، كمجرد قوة زراعية كما هو حالها مع أوروبا.
يجب الاعتراف طبعا، ان الوقوف على أبواب الاتحاد الأوروبي ما يزال يشكل تجسيدا لطموح تاريخي لتركيا الحديثة. فالمشروع العلماني الذي نشأ على أنقاض السلطنة العثمانية عام 1924، جعل من الإلتحاق بأوروبا معادلا موضوعيا لكل ما سعت تركيا الى عمله لما يقارن 90 عاما، منذ ذلك الوقت حتى الآن.
ولكن هذا المشروع بدأ يتحرر من هذا الهدف. فالعلمانية أرسلت جذورا كافية في المجتمع والدولة وأطراف النخبة، بحيث تستطيع أن تنظر في محاسنها كهدف قائم بذاته لا يربط بالتطلع الى أي أحد.
حتى الإسلاميون الأتراك، أثبتوا انهم، أولا، قادرون على ممارسة السلطة بشروط التحديث التي تفصل الدين عن الدولة. وثانيا، يجدون فائدة في النظام الراهن لانه الوحيد الذي يمكنه أن يصهر التعددية ويوجهها لأغراض التنمية، بدلا من جعل هذه التعددية سببا للتناحرات الداخلية، الأمر الذي جربته تركيا على مدى اكثر من ربع قرن من التعثرات التي جعلت من العسكر هو القوة الحاكمة الوحيدة من الناحية العملية.
اليوم، حتى المؤسسة العسكرية صارت تلتزم بقواعد النظام، وليس الإسلاميين وحدهم. ومثلما يتم طرد ضباط من الجيش بسبب التدين، فان متطرفي العسكر يواجهون المحاكم، كما يحدث مع المجموعة الانقلابية التي تدعى "ارغينيكون"، تحت حكم رئيس ورئيس وزراء إسلاميين.
فك الارتباط بين المشروع العلماني التركي وبين أوروبا لم يتم بعد. فهناك قوى سياسية، تبدو اليوم أكثر تقليدية من الإسلاميين، ما تزال ترهن التطلع الأتاتوركي بالالتحاق بأوروبا، وما تزال تأمل بان يشكل الميدان الأوروبي إطارا ثقافيا لتركيا الحديثة.
ولكن ماذا بشأن الفرص المتاحة خارج الاتحاد الأوروبي؟
حقائق الجغرافيا- السياسية لا تتغير بسرعة، إلا انها تتغير بالفعل، حتى وان ظلت الأرض في مكانها.
العلاقات المتنامية مع روسيا توحي بان لدى تركيا بدائل حيوية مهمة لأنقرة، ومهمة لبروكسل أيضا.
خطوط النفط والغاز التي تصل الى أوروبا اليوم عبر أوكرانيا، يمكن ان تتبدل لتصبح تركيا هي الممر الحيوي لها. وفي حين ظل الأوروبيون يحابون أوكرانيا حتى وهي تقطع الغاز الروسي عن بقية القارة، فان الاتراك يجدون لانفسهم مصلحة في علاقة تجارية-استراتيجية تعزز مكانتها على الضفتين في آن معا: روسيا والاتحاد الأوروبي.
وبرغم ان تركيا حرصت على التقليل من شأن روابطها المتوسطية، لكي لا توفر ذريعة للفرنسيين والألمان للقول ان هناك إطارا إقليميا آخر يصلح لتركيا أكثر من عضوية الاتحاد الأوروبي، إلا ان هذه الروابط يمكن ان تتعزز بما يجعل تركيا قوة مؤثرة فعليا في محيط إقليمي تعرفه جيدا، ولها معه روابط تاريخية وثقافية وطيدة.
والدور الذي تلعبه تركيا للتوسط في النزاع العربي الاسرائيلي يرسم دائرة تأثير حيوية أخرى. فعلى الرغم من ان السياسة وتسوياتها تبدو هي الطاغية، إلا ما تحتها من مصالح اقتصادية يبدو هائلا بالفعل. فعدا عن كون تركيا هي الطرف المؤهل واقعيا ليحل مشكلات المياه في المنطقة، فانها الجسر البري الوحيد الذي يربط بين الشرق الأوسط وبين أوروبا. وهذا ما يمكن أن يعادل "خط غاز ونفط" آخر.
ويراود الكثير من المحللين شعور يقول بان تركيا ضيعت من خلال وهمها بعضوية الاتحاد الاوروبي فرصة تاريخية مطلع التسعينات عند انهيار الاتحاد السوفييتي وتبعثر جمهوريات اسيا الوسطى (التركية/التركمانية لغة وعرقا).
لقد كان بوسع تركيا ان تكون محورا لهذه الدول "اليتيمة"، وهو ما انتبه له رئيس الوزراء السابق توركوت اوزال إلا ان تخوف الساسة الاتراك من البعد الديني الاسلامي لهذه الجمهوريات، وخشيتهم من رد الفعل الاوروبي، ابعدهم عن مجال حيوي مهم. ولكن اليوم، فان توطيد العلاقات مع روسيا، يمكن ان يجعل من إعادة فتح هذا المجال فرصة لا تعوض، ولا يمكن ارجاؤها لعشر سنوات أخرى.
وثمة أهمية ستظل تجعل من تركيا مرجعا إقليميا بالنسبة للاتحاد الاوروبي ولدول المنطقة على حد سواء. فهي القوة الأبرز التي يمكنها مواجهة المشروع الايراني في المنطقة.
الوضع الخاص للسعودية، بل الوضع الخاص للخليج العربي كممر نفطي، يجعل من الصعب على الرياض ان تكون هي تلك القوة الموازية. فتحاشي الاشتباك وسط غابة من آبار النفط، هو ما أقنع السعودية بان تركن الى تركيا لتكون الطرف الذي يمكنه يحد من مخاطر المشروع الإيراني.
تركيا ترتدي في الوقت نفسه، عددا من القبعات التي ينطوي كل منها على فائدة مستقلة. فهي اسلامية وعلمانية وغربية وشرقية وديمقراطية في آن معا. وهذا ما يجعلها نقطة جذب للكثير من التيارات الثقافية. وبينما هي تقدم هذا كله، فانها تقدم التعايش بالدرجة الرئيسية. الامر الذي ما تزال المنطقة بحاجة الى تعلمه.
وتحظى تركيا بمقدار من الثقة يؤهلها أن تكون لاعبا مهما. فمنذ تأسيس تركيا الحديثة، لم تحاول أنقرة ان تقدم نفسها كمشروع امبراطوري توسعي، او يبكي على مشروع امبراطوري غابر كما تفعل إيران اليوم. على العكس من ذلك، اهتمت انقرة بالتنمية وابتعدت عن الصراعات الحادة الا ما تعلق بأمنها القومي المباشر (الاكراد والتمدد الشيوعي في ذروته). وهذا ما يجعل الكثيرين يطمئنون لما تريد تحقيقه استراتيجيا في المنطقة.
وعلى الرغم من المخاوف القديمة من عودة الأطماع التركية بـ"ولاية الموصل"، فقد كان واضحا ان تركيا لجمت كل شيء من اجل ألا تستثير المخاوف من وجود هذه "الأطماع" أصلا. وبدلا من البراغماتية التي ظل من المتاح استخدامها، مباشرة او على ظهور الدبابات الاميركية، فقد فعلت تركيا عكس ما فعلته إيران تماما. إذ نأت بنفسها عن غزو العراق، حتى وهي عضو في الحلف الأطلسي، وامتنعت عن ارسال قوات، بل ومنعت حتى الولايات المتحدة من الدخول الى العراق عبر أراضيها.
لو كانت تركيا تريد التصرف في العراق كما تفعل إيران، لكان هناك الكثير مما يبرر الاعتقاد بان قواتها والحرس الثوري الإيراني ينصبون الخنادق المتبادلة في بغداد. إلا أنها لم تفعل. وبينما تغرق إيران في الوحل، لتعويض "الانسحاب" الأميركي، فان تركيا تبني خياراتها في اتجاه آخر يعول على الشراكة والتنمية، من دون أن تتغافل عن مصالحها المشتركة مع العراق. فهذا البلد جزء حيوي من الدوائر التي تشكل فيها أنقرة مركزا.
النشاط الذي يدب في هذه الدوائر يؤهل تركيا الى ان تكون لنفسها محيطا اقليميا خاصا بها، تجني من خلاله فوائد تبدو أكثر بكثير من تلك التي يمكن انتظارها لتأتي بعد 10 او 20 سنة.