نماذج نووية جديدة أربعة

بقلم: جواد البشيتي

العالم، ولجهة علاقته بالسلاح النووي، دخل القرن الحادي والعشرين بميلين متضادين: ميل إلى التخلَّص من مخزونه من السلاح النووي، والذي معظمه في الولايات المتحدة وروسيا، وميل إلى مزيدٍ من الانتشار لهذا السلاح، فتجربة "معاهدة حظر انتشار السلاح النووي" لم تأتِ، حتى الآن، إلاَّ بما يؤكِّد أنَّ "المعاهدة" قد جاءت بمزيدٍ من الانتشار للسلاح النووي على مستوى العالم.

ولقد تحدَّث البرادعي، قبل بضعة أشهر، عن جيل جديد من القوى أو الدول النووية، بالمعنى العسكري، يوشك أن يظهر، أو قيد الظهور، لا يملك قنابل نووية؛ ولكنَّه يملك القدرة على صنعها في الوقت الذي يشاء، موضحاً أنَّ هذا الجيل يضم دولاً وقَّعت، وتلتزم، "معاهدة حظر انتشار السلاح النووي".. وإيران تصلح مثالاً.
و"المعاهدة"، بحدِّ ذاتها، لا تَحْظر على أعضائها امتلاك برامج نووية (سلمية مدنية) تُكْسبهم القدرة على صنع القنبلة النووية؛ ولكنها تُلْزمهم عدم صنعها وحيازتها.
الآن، لدينا نماذج عدة من القوى النووية الجديدة، أبرزها وأشهرها وأهمها: النموذج الكوري الشمالي، والنموذج الإيراني، والنموذج الإسرائيلي.

"النموذج الكوري الشمالي" هو نموذج دولة فقيرة معدمة، معزولة، نظام الحكم فيها فردي استبدادي أُوتوقراطي، يصلح دليلاً على أن "نظام الحكم الجمهوري" يمكن هو أيضاً أن يقوم على توريث السلطة للابن.
هذه الدولة، على فقرها الاقتصادي، وعلى ضآلة مخزونها من القطع النادر الذي أتاها معظمه من بيعها الأسلحة، وفي مقدمها الصواريخ، استطاعت أن تحصل من الخارج على معظم وأهم العناصر والشروط والأسباب التي مكَّنتها من صنع وحيازة قنابل نووية.
وميزتها، أي ميزة كوريا الشمالية النووية، أنَّها كلَّما أنتجت مزيداً من السلاح النووي ازدادت فقراً وعزلةً واستبداداً؛ وكلَّما ازدادت فقراً وعزلةً واستبداداً أنتجت مزيداً من السلاح النووي؛ وهنا مكمن خطورتها، فحالها كحال فقير معدم، يائس محبط، مُدجَّج بالسلاح الفتَّاك من رأسه حتى أخمص قدمه، ليس لديه ما يخسر إنْ هو اضطَّرته ظروف عيشه القاسية إلى اللجوء إلى "الخيار الشمشوني"، أي خيار "عليَّ وعلى أعدائي".
بهذا المعنى فحسب، نجحت كوريا الشمالية في تحويل ضعفها إلى قوَّة، وفي أن تُظْهِر للعالم أنَّ القنبلة النووية ليست سلاحاً للردع فحسب، وإنَّما سلاح للابتزاز.
وجُلُّ ما يريده، ويسعى إليه، هذا "المُبْتَز النووي الكبير" هو أن تَضْمَن له الولايات المتحدة، في المقام الأول، بقاء نظام الحكم فيه، وعلى ما هو عليه، وأن ينفتح العالم عليه اقتصادياً بما يسمح له بالتغلُّب على فقره الاقتصادي المدقع، فإذا نال هذا وذاك تخلَّص من ترسانته النووية، محتفظاً بالقدرة على إعادة إنتاج السلاح النووي إذا ما اضطُّر إلى ذلك.
ترسانته النووية، بحدِّ ذاتها، ليست بخطر مباشر على الأمن القومي للولايات المتحدة؛ ولكنَّها تصبح كذلك مع مضيه قُدُماً في تطوير ترسانته الصاروخية.
إنَّ العواقب المترتِّبة، أو التي يمكن أن تترَّتب مستقبلاً، من امتلاكه وتطويره للترسانتين النووية والصاروخية على كوريا الجنوبية واليابان (في المقام الأول) هي ما يُلْزِم الولايات المتحدة أن تسعى في جدِّية إلى حلٍّ يقوم على تجريده من ترسانته النووية.
النموذج الثاني هو "النموذج الإيراني"، وهو نموذج دولة من الدول الكبرى، نفطياً وغازياً، إنتاجاً وتصديراً، وتتمتَّع بموقع جيو ـ إستراتيجي في منتهى الأهمية، فهي مطلة على مضيق هرمز، الذي عبره يمر قسم كبير من إمدادات العالم النفطية، وعلى مقربة من أهم مصادر واحتياطات الطاقة النفطية والغازية في العالم، فهي تتوسط "البحرين النفطيين العظيمين"، بحر قزوين وبحر الخليج العربي، وعلى مقربة، أيضاً، من أهم الأنابيب الجديدة لنقل الغاز إلى أوروبا، والتي هي (الأنابيب) مدار تنافس وصراع بين روسيا والولايات المتحدة). وتستمد إيران مزيداً من الأهمية الإستراتيجية من كونها مجاورة لدولتين في منتهى الأهمية، من وجهة نظر المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة، هما العراق وأفغانستان، ومن كونها تملك من الترسانة الصاروخية (النامية المتطورة) ما يجعل أهم "ولاية خارجية" للولايات المتحدة، وهي إسرائيل، في مرمى صواريخها، التي قد تُحمَّل مستقبلاً برؤوس نووية.
وليس بالأمر قليل الأهمية الإستراتيجية أن تتمكَّن إيران (النفطية ـ الغازية) من أن تلبِّي كل، أو معظم، احتياجاتها من الطاقة الكهربائية عبر مفاعلاتها النووية (السلمية المدنية).
إنَّها يكفي أن تتمكَّن من ذلك حتى تسلك، من الوجهة السياسية ـ الإستراتيجية، سلوك دولة مستقلة، أو شبه مستقلة، عن مصادرها هي من الطاقة النفطية والغازية؛ فهل يضيرها بشيء، عندئذٍ، أن يتعرَّض مضيق هرمز، مثلاً، إلى ما من شأنه أن يتسبَّب بأزمة نفطية عالمية كبرى؟!
إنَّني لعلى ثقةٍ تامة من أن إيران لن تتخلَّى، في أي حوار أو تفاوض أو اتفاق، مع الولايات المتحدة عن أمرين هما في منزلة "سلاحها الإستراتيجي الأوَّل والأهم"؛ وهذان الأمران هما: أن تلبِّي احتياجاتها من الطاقة الكهربائية من المصادر النووية التي تسيطر عليها هي سيطرة تامة مباشرة، وأن تملك (وأن تظل محتفظة بـ ) القدرة على إنتاج السلاح النووي في أي وقت تشاء.
وأهم تنازل يمكن أن تقدِّمه إيران للولايات المتحدة، والغرب عموماً، توصُّلاً إلى اتفاق يعترف فيه الطرف الأول بإيران على أنها قوَّة إقليمية عظمى، هو أن تعطي من الضمانات ما يجعل هذا الطرف مقتنعاً بصدقية وجدِّية عزم طهران على عدم إنتاج وحيازة السلاح النووي.
بقي النموذج الثالث، وهو "النموذج الإسرائيلي"، الذي هو نموذج دولة لم توقِّع، وترفض أن توقِّع، "معاهدة حظر انتشار السلاح النووي"، وأصبح لديها ما يزيد عن 200 رأس نووي، مع ترسانة صاروخية متطوِّرة، وسلاح جوي وبحري من الطراز الأوَّل عالمياً، وتعكف، بالتعاون مع الولايات المتحدة، على تطوير نظام دفاعي مضاد للصواريخ في مواجهة الترسانة الصاروخية الإيرانية أوَّلاً.
ولكنَّ لهذه الدولة، وعلى عظمتها النووية الإقليمية، ما يشبه "كعب أخيل"، فما نفع وأهمية أن تملك مئات وآلاف الرؤوس النووية إذا كان ضربها بقنبلة نووية واحدة يمكن أن يصيب منها مقتلاً؟!
ونقطة ضعفها القاتلة هذه هي ما يشدِّد لديها الميل إلى فعل كل شيء، وأي شيء، في سبيل منع أيِّ قوَّة معادية لها من امتلاك السلاح النووي، أو القدرة على صنعه.
إذا كنت إيران تقول إنَّها لا تعتزم أبداً صنع وحيازة السلاح النووي؛ لأنَّها ترى في هذا السلاح، وفي استعماله على وجه الخصوص، ما يشبه، أو يعدل، الشيء الحرام دينياً، فإنَّ إسرائيل ظلَّت تزعم، وهي متوفِّرة على صنع مزيد من الأسلحة النووية، أنَّها لن تكون أوَّل من يُدْخِل السلاح النووي إلى المنطقة.

القول الإيراني معناه هو أنَّ إيران ستسعى إلى امتلاك القدرة على صنع السلاح النووي؛ ولكن من غير أن تصنعه.. إلى أن..
أمَّا الزعم الإسرائيلي فمعناه أنَّ إسرائيل ستمتلك السلاح النووي (وقد امتلكته فعلاً) ولكنها لن تُخْرِجه من مخابئه السرِّية، ولن تكون أوَّل من يجعله في وضع الجاهز للاستعمال القتالي.
ولكن، أين العرب من كل تلك النماذج النووية الجديدة؟
إنَّهم، والحقُّ يُقال، لديهم من "القوَّة المانوية (نسبةً إلى ماني بن فتك)" ما يجعلهم زاهدين عن طلب "القوَّة النووية"، فأيُّ عدوٍّ نووي عليه أن يفكِّر ألف مرَّة قبل مهاجمتهم؛ لأنَّ طيراً أبابيل ستُرْسَل عليه! جواد البشيتي