ما بين حربي 1948 و1967، وتقرير التنمية لعام 2009

بقلم: عياد البطنيجي

قد يبدو للبعض أن العنوان غريبٌ، وقد يستفز البعض الآخر: فما الذي يربط بين حربي 1948، 1967، وبين تقرير التنمية الإنسانية للعام 2009؟ ما علاقة الأولى التي تبتعد عن التقرير 61 عاما، والثانية التي تبتعد عنه 42 عاما؟
لنبدأ أولا بتفكيك العنوان، ومن ثم إعادة تركيبة حتى لا يبقى احد مستغربا أو مستفزا.
أولا، تقرير التنمية الإنسانية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
يطرح التقرير التساؤل التالي: لماذا كانت العقبات التي تعترض سبيل التنمية في المنطقة عصية على الحل؟
يرى التقرير أن الإجابة تكمن في " هشاشة البنى السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية في المنطقة، وفي افتقارها إلى سياسات تنموية تتمحور حول الناس، وفي ضعفها حيال التدخل الخارجي. وتضافرت هذه العناصر لتقويض أمن الإنسان، وهو الأساس المادي والمعنوي لحماية وضمان الحياة، ومصادر الرزق، ومستوى من العيش الكريم للأغلبية. ذلك إن أمن الإنسان من مستلزمات التنمية الإنسانية، وقد أدى غيابه على نطاق واسع في البلدان العربية إلى عرقلة مسيرة التقدم فيه".
ويفرد التقرير أبرز التحديات التي تواجهها البلدان العربية:
1. هشاشة الأمن الشخصي، وبخاصة للفئات الضعيفة بين مواطني البلدان العربية، وبخاصة النساء والأطفال.
2. ارتفاع معدلات الزيادة السكانية مع تقلص الموارد الطبيعية، وتهالك البنية التحتية.
3. ارتفاع نسب البطالة والفقر والجوع وسوء التغذية المرتفعة.
4. ضعف الاقتصاد، وغياب التوزيع العادل للثروات.
5. ارتفاع معدلات الزيادة السكانية مع تقلص الموارد الطبيعية.
6. تنامي مشكلات بيئية كنضوب وشح مصادر المياه السطحية والجوفية.
7. التدخل العسكري.
8. غياب الديمقراطية والحكم الرشيد.
ماذا يعني كل ذلك، يعني أن البلدان العربية ما برحت قابعة في زوايا مظلمة، وفي خليط عجيب من: التخلف، والضياع، والتبعية، وظلامية المستقبل. هذه هي خلاصة التقرير.
ثانيا، حرب 1948:
وهي مجابهة شاملة بين الجانب العربي والعدو الإسرائيلي. فهي مواجهة تمت بين طرفين غير متكافئين. كان الطرف الإسرائيلي "مسلحا بالعلم الغربي، ومنطلقا من نسق عقلاني من المنظمات المختلفة ومستندا إلى نسق قيم اجتماعي عصري". أما الجانب العربي كان ولا يزال واقعا ضمن دائرة النفوذ الاستعماري الغربي" وكان يمثل أساسا مجتمعات تقليدية تفتقر إلى الصناعة والتكنولوجيا، وتسودها الزعامات العشائرية والقبلية، ويسيطر جنباتها نسق قيم اجتماعي تقليدي ديني الصبغة". وترتب على هذه الحرب هزيمة الجانب العربي، وضياع فلسطين وتحول هذه الأخيرة إلى مجتمع لاجئين.
ثالثا، حرب 1967:
وهي مجابهة بين الجانب العربي والعدو الإسرائيلي، وكانت مجابهة غير متكافئة أيضا " بين عدو متقدم تكنولوجيا يمتلك تنظيما اجتماعيا يتسم بالعقلانية والكفاءة، سمح له بحشد موارده وتعبئة طاقاته إلى أقصى درجة ممكنة، وبين الجانب العربي الذي ظل نمط الأقطار المتخلفة التي لم تغزها موجات التحديث ولا انجازات العلم والتكنولوجيا إلا بصورة جزئية وبقدر محدود".
رابعا، تركيب المشهد:
أصبح واضحا الآن أن ثمة علاقة بدون شك بين حربي 1948، و1967، وبين تقرير التنمية، وهي أن التخلف كان سببا لهزيمة العرب في الحربين، واستمرار العلاقة غير المتكافئة بين الجانبين. فإسرائيل لا تزال تسعى بشكل دؤوب في تطوير بنيتها العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية، مع استمرار العرب قابعين في أسر التخلف والضعف. فإسرائيل طورت قدراتها وزادت من فعالياتها في كل المجالات الاقتصادية والتنظيمية والسياسية والعسكرية بعد انتصارها في حرب 1948، رغم أنها المنتصرة، أما الجانب العربي الذي رغم كل الجهود التي بذلت في بعض البلاد العربية أثبت أنه لم يرتفع إلى مستوى المعركة عسكريا وسياسية وتنظيما، واهم من ذلك كله حضاريا واجتماعيا. رغم أن الجانب العربي هو الجانب المهزوم. وهذا يدل بأن الأوضاع العربية في 1948، 1967، 2009، ثابتة لم تتغير.
وهو ما يثير الكثير من التساؤلات: هل بنية الشخصية العربية مصمته تتسم بجوهر ثابت لا تتغير؟ هل بنية المجتمع العربي بنية سرمدية، ثابتة، راكدة، تعيد إنتاج الركود والتخلف وتدور في حلقة دائرية مغلقة من التطور، لا مجال لتحولات دينامكية تحمل التحول، أو التغيير؟ باختصار هل العرب خارج التاريخ؟
هذه التساؤلات أثارتها الدراسات الاستشراقية، التي اتهمها العرب بالعنصرية العرقية وافتقارها للموضوعية، لأنها مسيئة لنا نحن معشر العرب. ولكن ماذا لو كانت الحقيقة هي من تسئ إلينا نحن معشر العرب؟
فالحقيقة تقول إننا لم نتغير ولم نتطور، بل في حالة تراجع مستمرة. فمنذ عصر النهضة والي اليوم والتساؤلات هي نفسها، والقضايا المطروحة ما انفكت حتى اليوم هي ذاتها. منذ عصر محمد عبده والنهضة العربية متعثرة وتواجه مخاضا عسيرا، فضلا عن أن التساؤلات المطروحة منذ ذلك العصر حتى اليوم ما فتئت تعيد إنتاج نفسها، ولم توضع لها إجابات حاسمة: "لماذا تخلفنا نحن وتقدم غيرنا"، "لماذا خسر المسلمون"، ناهيك عن قضية العلاقة بين الإسلام والغرب، وقضية المرأة، والتراث والحداثة، الإسلام والقومية، الإسلام والعلمانية، والديمقراطية والإسلام. كلها قضيا لا تزال غير محسومة، وهي مطروحة منذ عصر النهضة حتى اليوم. حتى تقارير التنمية البشرية الصادرة عن الأمم المتحدة، كلها يتكرر فيها نفس المشكلات التي تصف هشاشة البنى العربية وتخلف أوضاعهم. هل العرب استفادوا منها وتداركوا أمورهم؟ الواقع والحقيقة يقولان بأن كل عام يمر أسوأ مما قبله، فضلا عن استمرار تراجع العرب. لماذا إذا تتعب الأمم المتحدة نفسها وتصدر بين الفينة والأخرى تقريرا؛ وبنية العرب ثابتة لا تتطور ولا تتغير؟ نصيحة نقدمها للأمم المتحدة حتى توفر جهدها، وهي بأن تكتفي بتقرير واحد لطول القرن.
ونختم بالتساؤل التالي: ماذا لو قامت الحرب بين إسرائيل والعرب، من سينتصر؟ اعتقد أن تقرير التنمية يجيب على ذلك. عياد البطنيجي ayyadalbutniji@hotmail.com