مطر ماجدة غضبان الشعري

بقلم: عبدالرزاق الربيعي
إشارات أسطورية

بعد طول انتظار، وتمهل، ومراجعة، أمطرت غيوم الشاعرة ماجدة غضبان، وكان مطرها قصائد مثخنة بأوجاع شاعرة تعيش في خضم أزمنة تضع الألم عنوانا لها.
لقد عرفت الشاعرة منذ سنوات بعيدة، حيث كانت موزعة بين دراستها العلمية الطبية وهوس القصيدة، وفي بداية تلك المعرفة كانت تعرض لي نصوصا كتبتها على حواف أوراق مليئة بالمصطلحات الطبية والرسومات التوضيحية لأنها كانت تكتب تلك النصوص والمقاطع في قاعة المحاضرات، فظننت أن العلاقة بالكتابة ستنتهي بمجرد أن تتخرج وتدخل في خضم الحياة العملية، وسيجف نبع الشعر المتدفق في وجدانها، لكنها فاجأتني باستمرار تدفق ماء هذا النبع، عندها تيقنت بأن الكتابة بالنسبة للشاعرة ماجدة غضبان ليست تعبيرا عن نفثات وجدانية، بل هي إنها موقف من العالم والوجود،
ومما يؤكد هذا إنني حين طلبت منها أن تستبدل كلمة (مومس) في قصيدتها (عندما تكتب المومس شعرا) بكلمة أخف وطأة على السامع من حيث إن الشعر جماليات في النهاية، مقترحا عليها مفردة "غيمة" أجابتني بقولها "كيف يمكن أن أغير هذه الكلمة الموغلة في الألم والواقعية إلى كلمة شاعرية ورقيقة مثل "غيمة"؟ مضيفة "أريد أن أمنح المومس صوتا، أن أدعها تتكلم، أن تقول لم تخلى عنها الأهل؟ أو الحبيب؟ لم تخلى عنها حتى الوطن؟ فبيعت ببضعة آلاف من الدنانير، وحرمت من العودة أو الاتصال بذويها وأجبرت على ما لا تريد في زمن النخاسة الجديد؟ أرجوك أن تقرأ القصيدة ضمن هذا التوضيح، وأن تركز عليها لأنها صوت من ليس لديهن الحق في أن يكون لهن صوت. إنها صرخة فتيات الرق، لقد نصحني المثقفون أن أغير عنوان القصيدة لأنه يتصف بالوقاحة لكني أراه يتصف بالضمير والوطنية، لذا لن أغير العنوان أبدا، إنها وفائي لوطني الذي تربينا فيه على المثل والقيم العليا على أن لا نبيع كلمتنا فكيف بنا ونحن نرى أجساد فتياتنا تباع؟!"
فالقصيدة بالنسبة لماجدة صرخة احتجاج مدوية تطلق في فضاء ملييء بالطيور الكاسرة التي تصادر هذه الصرخات، مثلما تصادر الرغبة في الحياة لدى الحمائم الأليفة التي تبحث في ظلمة هذا الكون عن غصن زيتون، لكنها تمتلك من العناد والجرأة والتصميم ما يكفي لبث الذعر في قلوب تلك الطيور الكاسرة، لذا فإنها تقول لي في رسالة "لا أخفيك قلقي أن تتسبب لي هذه المجموعة بمشاكل أنا في غنى عنها، لكن إلى متى سنصمت، إلى أي حد سنصل لنصرخ ملأ الألم الذي يتآكلنا؟!" وهذا ينطلق من إيمانها بقوة صوت الشاعر: الشاعرُ
بين َجدرانِه ِالأربعة!
ينازل ُالفصولَ الاربعة!
وحتى لوكان مصفدا ببدلتِه ِالعسكرية كما في "الإغتراب ُالثلاثيّ الأبعاد" فإنه سرعان ما يثور حيث: مزَّق َفجأة ً
جدرانَه الأربعة!
احتمى من طيش ِالنِبالِ
والقِوّادِ
بنهديها.. ربما!
أو بقصيدةٍ سارعتْ
الى الإختباءِ
بينَ خصلاتِ شعرِها
أو بأهدابِ عينيها
أو .. ربما .. بكل ِّمافيهِ
وبكلِّ ما فيها.. !
من هنا، فنص ماجدة مرآة تنعكس عليها اللحظة العراقية الراهنة، الوجع العراقي المزروع في خاصرة الوقت، مؤكدة انتماء الشعر للواقع وعدم تمترسه خلف جدران الذات، ولم يأت هذا الإنتماء مباشرا، بل جاء بشكل موحٍ، ذلك لأن نص الشاعرة ماجدة ينتمي إلى الكتابة الحديثة، من حيث البناء واللغة: أستلقي في دُرجي
لكني لا أعرِفُ طعمَ النوم
النومُ في الأدراج صعب
والنومُ فوقَ السطوحِ
دربٌ
إلى النجومِ
في آنيةِ السماء
بهذه البساطة التي تشبهها كإنسانة، تؤثث (ماجدة) جدران بيتها الصغير الذي يستمد خصوصيته من كونه نزيف أوجاعها وآهاتها، وهي آهات امرأة عراقية عاشت وتعيش مأساة متصلة منذ أن فتحت عينيها على فضاء متخم بدخان الحرب والموت والدمار فتعود إلى السياب ودموعه التي: "تهطلُ من عينيّ
ويهزُّ بدني بكاه ُ
عراق..!
جيلا بعد جيلٍ
ينهبُنا السُلُّ
ونعولُ في السديمِ
عراق..!
وتكرر مفردة "حزن" إثنتي عشرة مرة لتذكر كلمة "فرح" مرة واحدة مشيرة إلى أن الأحزان تحاصرها حين تخاطب الحرير الذي: اصطفاهُ الربُّ
لدجلةَ والفرات!
ياباقةَ وردٍ شذاها
حزنٌ .. وحزنٌ .. وحزنٌ
وحزنٌ .. وحزنٌ .. وحزن
حزنٌ .. وحزنٌ .. وحزنٌ
وحزنٌ .. وحزنٌ .. وحزن
وفرح!
ليمرَحْ
في شريانِكَ دمي
إلى الأبد!
كي لا أخافَ القبرَ
قوافلَ الديدان
وأسرابَ النسور!
وتستعير قناع "عشتار" وهي تعول على تموز في العالم السفلي، في إشارة لأسطورة من التراث الرافديني القديم:
بُكائي
على قدميِكَ
محرقٌ
وملَّحٌ
ووفي!
ينهمرُ
على كفَّ تموزَ
وتتوقف عند ملحمة كلكامش حيث يعود كلكامش من رحلته الخائبة لا ليعمر البلاد مثلما أوصته "سيدوري" صاحبة الحانة بل ليزاول مهنته القديمة قبل لقائه بـ "إنكيدو" منتهكا العذارى, لأنه بطل محبط: بالحديثِ مع كلكامش
زارني اليومَ
ممتطياً الليالي الهاربةَ
يقتطفُ بقايانا
التي نقشَ عليها المنقبون
أسماءً جديدة..!
وحين نصل إلى نصها "عندما تكتب المومس شعرا" وهو من أطول نصوص المجموعة وأكثرها جرأة، حتى إن الشاعرة كانت قد نوت أن تسمي المجموعة باسمها لولا خشيتها من ضيقي الأفق في الثقافة العربية وهم كثر! فإنها تعود لتقلب أوراق المرأة التي أغوت "أنكيدو" لتأتي به إلى المدينة حيث كان "كلكامش" ينتهك العذارى ليصارعه ومن ثم يتآخيا ليقضيا على "خمبابا" في "غابة الأرز"، فتلك البغي كانت واسطة لإخراجه من أفق ضيق "أفق الغابة والحيوانات" إلى أفق أوسع "المدينة والحضارة" فهي تنظر لهذه المرأة التي تمتهن أقدم مهنة في التاريخ بمنظور أوسع وأعمق فتقول على لسانها: عجنتُ الأرضَ
ومنحتُها..
لذةَ الدوران ..!
أهديتُها نجمتي ..
والقمر..
وعلى جبينِها ..
سقيتُ الشجر..
وبصوتِها غنيتُ ..
احمليني ...
يا سفائنَها ..
على عذبِ رُضابي
وبأداء يشبه التراتيل الدينية في المعابد والنصوص التي قرأناها في الرُقم البابلية والآشورية القديمة تقول: ليكن للأرضِ
مُحيّا رغيف ..
وللنجمةِ طعمُ القُبلةِ..
وللقمرِ.. وجهُ حبيب ..!
وللأشجارِ ظلُّها الرحيب
ولي .. أن أجمعَ ثُمالتَها
وأغفوَ ..
حتى طيفي القادم ..
أو صحوتي المرعبة ..!
ذلك لأن المرأة تحتل مساحة واسعة في نصوصها فهي ترى الكون متجسدا في هذا الكائن الذي همشه المجتمع وتعامل معه بفوقية فتتساءل:
من يجرؤُ أن يرتديَ
نهديّ
ليختبيءَ الكون ُبينَهُما
مَشُوبا ًبالهدوء؟
ويكبر السؤال في فمها حين ترى نفسها فراشة "كسيرة الأجنحة" وهي تقول: من ذا الذي يُعنى
بفراشةٍ كسيرةِ الأجنحةِ
سِوى عنكبوت بالمرصادِ
وعشراتٍ من خطوطِ النملِ الزاحفةِ؟
من ذا الذي يُعنى
برعشتِها الأخيرة؟
أو باستسلامِها ما قبلَ الأخير؟
لكنها تحتج على هذا الوضع فتطالبها بالتمرد: كوني ..
غيرَ الفراشةِ الكسيرة
وغيرَ النهودِ العابقةِ
بالعطور!
غيرَ البطونِ التي يتوسدُها
الذكور!
وغيرَ الأردافِ المحصورةِ
بينَ قوسين!
وغيرَ السَبيَّةِ المبتذلةِ
على أسلاكِ العنكبوت!
وحين تعجز، يتجه نظرها إلى السماء لتكتب نصا هو أشبه بحكاية تروى لطفلة في المساء: استعرتُ ذاتَ يومٍ..،
قمراً من السماء..،
أجلستُهُ على ساعدي،
ألبستُهُ قصائدي..،
مَنحتُهُ وجهَ امرأة،
وأودعتُه الأيام..،
حين حمَّلوه ..
أثقالَ الأنوثة..!
بكى..
فساحَ النورُ
على وجهِ المساء..!
قصيدة ماجدة غضبان بإشاراتها الأسطورية والتاريخية، معجونة بماء الألم وحرارة الواقع معبرة عن إشكالاته في نصوص فيها لعل أبرز مميزاتها إنها على قدر كبير من التلقائية والصدق والعفوية، لتدون أوجاعها غير مكترثة لما يقال عن كون نصها ينتمي للمدرسة الفلانية والاتجاه الفلاني، عازفة عن الجلوس تحت ظل شجرة شعرية، أية شجرة كانت، سوى شجرة الشعر العربي الوارفة الظلال، ناثرة بذور قصيدتها في فضاءات الجمال.