الكلمات ترافق منقل الحنين من عكا الى جزين

بيروت - من جورج جحا
ملامح الأحلام القديمة

يوكل محمود شريح الى عنوان كتابه الاخير ان يقول الكثير وان يترك لمخيلة القارىء ان تشترك بما عندها في خلق ذلك الجو الدافىء غالبا الذي ينتج عن قراءة الكتاب.
عنوان كتاب محمود شريح عنوان مركب يشير إلى زاويتين جغرافيتين مختلفتين الى حد ما هما الزمن الافل وبصماته الباقية والتشرد الفلسطيني المفجع وقد التقيا في بيروت واماكن لبنانية اخرى.
عنوان الكتاب الذي صدر عن دار نلسن في نحو 150 صفحة متوسطة القطع هو "ياسمينة جان دارك او منقل الحنين من عكا الى جزين .. قصص وآراء ومشاهد".
الياسمينة هنا هي شجرة الياسمين اما "جان دارك" فهو احد شوارع رأس بيروت ولعله اكثر تلك الشوارع اثارة لذكريات كثير من رجال الفكر والفن والعلم والصحافة والفكر السياسي ومحبي الحياة الطيبة "النظيفة" التي تبدو لهم كأنها ذكريات فرح صارت الان تثير الدمع وتدمي القلب. انه شارع يتفرع من شارع بلس فينطلق مباشرة من امام المدخل الرئيسي للجامعة الامريكية مخلفا وراءه والى جهة اليسار اماكن كانت تعرف قبل سنوات باسماء شهيرة نيرة هي "مطعم فيصل" و "الانكل سام" ثم "الايجلز نست" صعدا في الطريق الى اللقاء بشارع الحمراء الرئيسي.
انه الزمن العربي "الخالد" في بكائه على الاطلال. صحيح ان اطلالنا الحديثة هنا ليست اماكن خربة وانما هي الان اماكن للوجبات السريعة الاميركية والوطنية واحدها تحول الى مكان تصوير فوتوغرافي. بعض المطاعم والمقاهي الاخرى اختفى فعلا وقامت مكانه مبان شاهقة وصارت الشوارع اكثر اكتظاظا بالناس والسيارات. ويشعر بعض المخضرمين من السكان ورواد المكان كما قال واحد منهم كأنه يفتش عن ملامح احلامه القديمة وعن تقاسيم وجهه الشاب.
مقاهي ومطاعم رأس بيروت خاصة تلك المحيطة بعالم الجامعة الاميركية - الا النادر جدا منها- لم تعد تعرف بما يسمى القهوة العربية التي يطلق عليها اسم القهوة التركية وهي التي نتج حول فناجينها الشهيرة قسم كبير من اعظم نتاج عصر لبنان الثقافي الذهبي كما في كل مركز ثقافي مماثل في العالم العربي من مقهى الفيشاوي القاهري وغيره. انها منطقة مزدحمة بكبار راحلين واحياء ما زالوا يسكنون الذاكرة والوعي الحديثين. هناك من لم يغادر المنطقة ولا يبدو انه سيغادرها: انطون سعادة - قسطنطين زريق - جورج حبش - وديع حداد - سعيد تقي الدين - خليل حاوي - ادونيس - يوسف الخال - محمد الماغوط - فؤاد رفقة - زكي ناصيف - منح الصلح وشلة المهتمين بالشؤون الفكرية حوله.. واخرون.
اما منقل الحنين فقصة مؤثرة عن منقل يتقى به برد الشتاء والغربة تنقل بين عكا الفلسطينية وجزين اللبنانية الجنوبية وغامرت صاحبته بنفسها لتعود من لبنان الى عكا لتأتي به بعد ان نسته هناك ليرافقها في رحلة التشرد والعذاب الفلسطيني الطويلة.
محمود شريح الذي يقوم الان بالتدريس في الجامعة الاميركية في بيروت ولد سنة 1952 في برج البراجنة في ضاحية بيروت الجنونبية لابوين فلسطينيين من قرية ترشيحا في قضاء عكا. درس في الجامعة الاميركية في بيروت وتخصص في الفلسفة في بريطانيا واحترف الترجمة والتعليم في ابوظبي وبيروت وفيينا والشارقة والريف الفرنسي. وهو يصدر مع قيصر عفيف مجلة "الحركة الشعرية".
معظم ما ورد في الكتاب كان قد نشر قبلا في صحيفة "النهار".
لغة محمود شريح سهلة مشبعة بمشاعر واحاسيس وبعيدة عن التكلف فهي تخاطب القارىء دون تزيين وتزويق. وكتابته هنا تستحضر كلاما هو استشهادات من شعراء ونقاد وادباء حيث تقضي الحاجة.
يتحدث الكاتب عن ياسمينة جان دارك التي الفها في زمن جميل مضى.. ثم عاد بعد تحولات كئيبة عديدة فوجدها ما زالت هناك. وشكلت له رفيقا دائما يلتقيه ويتمتع به في روحاته وغدواته. يقول "فليس اشق على النفس في غربتها من نأي حبيب.. لكن لا يستوعر من وجد في الدرب رفيقا ولا يتبرم من فاز بصحبة في جواره.. فكل غريب للغريب نسيب كما افصح ذو القروح ( الشاعر الجاهلي امرؤ القيس)... وثبتت الياسمينة دهرا كما ثبت بيت امريء القيس دهرا فالحياة في ضوعها تخلد كما الفن في صوغه يصمد وبقيت الياسمينة البيضاء تشع ليلا على جان دارك..."
وتحت عنوان "لم نسمع قبله بكل ذلك" يتحدث عن انطون سعادة فيقول "لم نسمع بعد ان زعيما كان سريره عتيقا ومنحرفا عند احد زواياه الاربع وان سريره كان يهتز كلما تنفس.. ولم نسمع ان زعيما كان يتغطى بمعطفه ويهب حرامه (بطانيته) لحارسه.. ولم نسمع بعد ان زعيما اعلن في 1-6-1949 وهو على مقربة من مخيم برج البراجنة (للاجئين الفسطينيين) بعد اقل من سنة على نصب شوادره ان مقررات الامم المتحدة لا تحمل الا الظلم والعدوان على الامة.. ولم نسمع بعد ان زعيما ادرك في نفاذ بصيرة ان الحكومات العربية القزمة هي التي خلقت اسرائيل.. ولم نسمع بعد ان زعيما لما عصبت عيناه قبل اطلاق الرصاص عليه قال "شكرا".. قبل ان تنهمر عليه احدى عشرة رصاصة مزقت صدره وراسه ثم رصاصة رحمة فاغتالهم الى الابد قبل ان يغتالوه للحظة وسقطت المنطقة منذ فجر 8 يوليو تموز 1949 في اتون التعصب الديني ... كان انطون سعادة الذي امضى خمسة واربعين على ظهر هذه الفانية... وكان قرينه فيها ان الحياة وقفة عز فقط..."