مادوف الـ'بونزي'، أم بونزي الـ'مادوفي'؟!

بقلم: محمد كركوتي

("في عالم الأعمال ينبغي أن لا نخشى من المحتال، بل من الرجل الشريف الذي لا يعرف ماذا يفعل"، عازف التشيلو الإسباني الشهير بابلو كاسالاس)

وقف قائد ومنظم أكبر عملية نصب في التاريخ برنارد مادوف – المستثمر الوهمي المدلل، بسترته الإيطالية الأنيقة، أمام قاضي المحكمة في نيويورك، خافضا رأسه استعدادا لسماع الحكم الصادر بحقه. ربما كان يستحضر في تلك اللحظات المصيرية الصامتة، صورة ملهمه تشارلز بونزي – أشهر نصاب في التاريخ، أو ربما كان يشعر بندم حقيقي – لا إعلامي، أو ربما كان يأمل بظهور فرد واحد في هذا العالم يتعاطف معه، أو ربما كان أضعف من أن ينظر في وجوه حفنة من ضحاياه (الملايين) المنتشرين في كل القارات، أو ربما كان يراجع صورة النهاية الحقيقية له، أو ربما كان يضحك – بفم مغلق على أولئك الذين صدقوا على مدى عقدين من الزمن "قصته الجميلة".. أو ربما تفاعلت في داخله، كل هذه العوامل مع بعضها البعض، في لحظات الصمت وحبس الأنفاس التي كسرها النطق بالحكم عليه بالسجن 150 عاما، بعد أن اعترف بارتكاب مجموعة من الجرائم، من بينها: الاحتيال والحنث باليمين وتبييض الأموال والتضليل والسرقة، وبعد إقراره بأنه لم يستثمر حتى سنتا واحدا ( الدولار الأميركي مئة سنت) من الأموال التي جمعها!. ولو كنت مكان قاضي المحكمة، لأدنته بتهمة نشر الهموم والحسرات، وأضفت 100 عام آخر سجنا، على سرقته لأموال الجمعيات الخيرية والتعليمية. ولو كانت عقوبة الإعدام تطبق في القضايا المالية، لحكمت بإعدامه على هذه الإدانة لوحدها.
ولأن القضية باتت أكثر القضايا افتضاحا بفعل الأزمة الاقتصادية العالمية، بعدما كانت أشدها سرية.. فالمشهد كان متوقعا قبل أن تفتح الستارة. فرحة باهتة للضحايا الذين تمكنوا من حضور جلسة المحكمة. انهيار ضحايا آخرين بعد النطق بالحكم، الذين تحولوا –بسبب مادوف من مستثمرين إلى متلقين للمعونة الاجتماعية الحكومية. دموع غزيرة فاضت على وجه زوجة مادوف. استغراب محاميه من فرط عدد سنوات الحكم. اشمئزاز مرسوم على وجه القاضي. وسؤال كبير، أبقى على نهاية بشعة مفتوحة.. لقصة "جميلة"!. السؤال ببساطة هو: هل يمكن استعادة أموال الضحايا، أو جزءا منها؟.
دخل مادوف البالغ من العمر 17 عاما السجن ( الابن المدلل للأوساط المالية الأميركية على مدى ثلاثين عاما، ورئيس سابق لبورصة ناسداك الأميركية)، ولن يخرج منه إلا إلى القبر. بعد أن رسم هذا النصاب، أسوأ صورة لمستقبل مئات المؤسسات وآلاف الشركات والبنوك وعدد كبير من الجمعيات الخيرية والجامعات، وملايين الأفراد. وبعد أن قدم التوصيف الدقيق لـ"المحتال الذي يظهر مع قصة جميلة وطفرة". ومع وجود الجشع الإنساني إلى جانب "القصة الجميلة والطفرة"، وصل التوصيف إلى أعلى درجة من البلاغة. بين مادوف وملهمه بونزي (الذي ابتكر نظاما استثماريا تاريخيا وهميا يرتكز على إعطاء المستثمرين السابقين من أموال المستثمرين الجدد)، أكثر من ثمانين عاما. لكن هذه المسافة الزمنية الطويلة، لم تكن كافية لتجعل الجشعين –ومعهم المغفلين – مترددين في وضع أموالهم، وحتى " تحويشة العمر" في أيدي محتال، نشر محافظه الوهمية في كل الأرجاء على مدى عقدين من الزمن، جمع خلالهما أكثر من 65 مليار دولار أميركي. وبحساب بسيط، فقد اختلس "مادوف البونزي" 3,250,000,000 دولارا في السنة الواحدة، أو 267,123,288 في الشهر، أو 8,904,110 في اليوم، أو 371,005 في الساعة، أو 6,183 في الدقيقة، أو 103 في الثانية. ولو كان بونزي على قيد الحياة، لتحول إلى "مادوفي" من ضخامة الأموال المسروقة، على مبدأ "التلميذ الذي تفوق على أستاذه".
لرئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرتشل، أبلغ تعليق على المحتالين. فقد قال في إحدى المرات: " سنكون غير أخلاقيين لو سمحنا لهذا (المصاص) بالحفاظ على أمواله". ولا شك أن عنف التعبير، يعكس قباحة سلوك وأخلاقيات المحتال. ولكن أين أموال مادوف؟ وما هو حجمها؟ وهل يمكن أن تخفف أنين الضحايا؟ وإذا ما وجدت هذه الأموال، متى يمكن للمتضررين الحصول على تعويضات منها؟ هل هي على الأرض، أم في كوكب آخر؟! أسئلة كثيرة، لا يوجد من يستطيع الإجابة عليها. لماذا؟. لأن البحث عن الأموال التي يتركها المحتالون، يشبه إلى حد كبير، عمليات البحث عن المياه في كوكب المريخ! فلا المئة والخمسون عاما التي حكم بها مادوف، ولا دموع الضحايا وشتائمهم ستسرع عملية التعويضات. ولذلك، فالذي خسر "تحويشة العمر"، سيواصل الحصول على بطاقات الإعاشة الحكومية، والذي خسر جزءا من هذه "التحويشة"، سيعيد هيكلة حياته المالية والمعيشية أيضا.
بعد ستة أشهر من اتهام برنارد مادوف، بأكبر عملية احتيال، ووضعه تحت الإقامة الجبرية، ومن ثم احتجازه، لم يستطع المصفون العثور على أموال تذكر – مقارنة بالمبالغ المسروقة لوضع اليد عليها. فقد عثروا على 300 مليون دولار أميركي، من بينها 80 مليون دولار، هي عبارة عن حسابات وممتلكات لزوجته روث، التي لا تزال تقول إنها تعود لها شخصيا، ليست من ممتلكات زوجها!. وعلى الرغم من أن القاضي جردها هذه الأموال والممتلكات، وأبقى لها 2,5 مليون دولار كمبالغ نقدية لمواصلة حياتها، غير أن مجموع ما تم وضع اليد عليه، ليس سوى قطرة "جافة"، فيما لو قورنت بحجم الأموال السائلة التي سلبت. والواقع أن التاريخ لم يسجل، حصول ضحايا الاحتيال على أموالهم كاملة. وإن "فازوا" بشيء منها، لن تدخل جيوبهم قبل سنوات. فالضحايا سيظلون ضحايا إلى وقت طويل، بل ليس مضمونا أن تتلاشى هذه الصفة عنهم!. فهناك احتمال أن تقر المحكمة في نيويورك، بعد ثلاثة أشهر، استحالة إعادة الأموال إلى أصحابها، وهذه الفترة حددها القاضي، لجمع ما تيسر للمصفين من أموال النصاب التاريخي، بالرغم من أن المحكمة أصدرت مذكرة تسمح بمصادرة ممتلكات مادوف إلى حد 170 مليار دولار!. وحتى لو صدرت المذكرة بجلب 1000 مليار دولار.. فالكل يعرف، أن المحتالين لا يتركون مالا فوق الأرض، ولا يصدرون شيكات مصرفية – آنية أو مؤجلة بقيمة مسروقاتهم. ولذلك فإن الأمر يحتاج إلى "منقبين" لا مصفين، بل ربما يستدعي جهود محتالين "تائبين" – إن وجدوا – لكي ينبشون الأرض، ويحفرون الجحور، معتمدين على تجاربهم السابقة.
لقد قدم النظام القضائي الأميركي، أقصى ما يمكن أن يقدمه في هذه القضية التاريخية. ولم يتوقع أحد أن يكون الحكم على مادوف، أقل أو أكثر مما حكم عليه بالفعل. لكن السؤال الأكبر يبقى مطروحا على الساحة، لاسيما في ظل تداعيات الأزمة العالمية. هل وضع الاحتيال المالي وأسبابه وأساليبه، ضمن نطاق آليات تشكل النظام الاقتصادي العالمي الجديد؟ الواضح، أن هذه القضايا لا تزال خارج هذا النطاق، لأنها ليست سهلة، أو طيعة أو واضحة المعالم. بل هي أصعب من عملية إنقاذ المصارف والمؤسسات نفسها. لماذا؟ لأنه لو استطاع القائمون على رسم الخريطة الاقتصادية العالمية، وضع الضوابط والقيود والعقوبات على المحتالين ومؤسساتهم، لن يستطيعوا أن يضعوا أية ضوابط على الجشع الفردي. إنها مسألة تربية وسلوكيات.. وليست اقتصادا!
m@karkouti.com