تخطِّي الرأسمالية.. أما زال ممكناً؟

بقلم: جواد البشيتي

شرور كثيرة يمكن نسبها إلى النظام الرأسمالي، أو إلى الرأسمالية؛ ومئات الملايين من البشر يمكن وصفهم بأنَّهم "ضحايا الرأسمالية"؛ وكثيرٌ من أوجه "اللاعقلانية" في النمو الاقتصادي يمكن تفسيره على أنَّه عاقبة حتمية للنظام الرأسمالي؛ والمنادون، بالتالي، إلى تخطِّيه إلى نظام آخر، أقل سلبية، وأكثر إيجابية، يلبِّي أكثر حاجات البشر، لا يمكن إلاَّ أن يظلوا ملازمين للرأسمالية، وجوداً، وإنْ رأيْنا أعدادهم ونسبهم في مسار صاعدٍ تارةً، وفي مسارٍ هابطٍ طوراً.
الجوع اليوم هو وحش العولمة (الاقتصادية) الذي يفترس فقراء العالم، أي غالبية البشر، فهل مِنْ قِلَّة أم مِنْ كثرة في الغذاء شرع العالم يجوع؟ اليوم، حيث الرأسمالية، بنظامها الاقتصادي "المُعَوْلَم"، حرَّةٌ طليقة، لا رادع يردعها، ولا قوَّة مضادة تُوازِنها، فـ "تُؤنْسن" ما تيسَّر من "وحشيتها"، تُظْهِر لنا الرأسمالية تناقضها المنافي للعقل في وضوحه الأقصى، فَمِنْ فيض في الغذاء، يُنْتَج، ويُعاد إنتاج، الجوع الجماعي ـ العالمي، وكأنَّ العالم لا يُنْتِجُ من الغذاء ما يكفي لتلبية حاجة البشر كافَّة إليه إلاَّ ليجوع أكثر!
ويمكن تشبيه هذا العالم لجهة منافاته للعقل بمستودع من المواد الغذائية يكفي لتلبية حاجة 100 إنسان مثلاً إلى الطعام؛ ولكن الجزء الأكبر من هؤلاء ليس لهم من "حقٍّ قانوني" في الحصول على أيِّ غذاء من هذا المستودع؛ لأنْ ليس في أيديهم "أوراق نقدية" تَرْمُز إلى هذا "الحق"، أو أنَّ لديهم منها ما يسمح لهم بالحصول على سيئ النوعية من هذا الغذاء، وفي مقدار لا يُلبِّي حاجتهم إلى الطعام.
والبشر اليوم، حيث الرأسمالية المنفلتة، بـ "وحشيتها الجينية"، من عقالها هي التي تُمْسِك بقبضة من فلاذ (تُلْبِسها قُفازاً ناعماً من حرير هو "الديمقراطية") بخِناق العالم، انْتُزِعَت من أياديهم كل الوسائل التي بها يمكنهم "إنتاج شبعهم"، وفُرِض عليهم، بالتالي، أن يَسْتَنْفِدوا جُلَّ وقتهم وجهدهم في البحث عن "الرغيف"، وأشباهه، فشرعت "شمس الحضارة" تَغْرُب عن غالبية البشر، فكيف للحضارة أن تشقُّ لها طريقاً إلى حياة هؤلاء إذا ما انتفى من يومهم "وقت الفراغ"، الذي بوجوده واتِّساعه، تَحْضُر الحضارة، وإذا ما أصبح الجهاد اليومي، وعلى مدار الساعة، في سبيل الحصول على "الرغيف" هو الذي يستبدُّ بهم، تفكيراً وشعوراً وعملاً؟!

الأراضي الزراعية تُزْرَع بما يُطْعِم البشر إلى أن.. إلى أن يأمرهم "الربح" بغير ذلك؛ ولقد أمرهم الآن باستخدامها في "زراعة" الوقود، فشرعوا يمتثلون لأمره، ولو كانت العاقبة استفحال الجوع الجماعي ـ العالمي.

ولكن، هل، أو هل ما زال، من "الواقعية السياسية ـ التاريخية" في شيء الدعوة إلى "إلغاء" الرأسمالية، بعد، وبسبب، ثبوت وتأكُّد إفلاس "تجربة النقيض"، أي ما سمِّي "النظام الشيوعي"، وبعدما وقف العالم مشدوهاً مذهولاً أمام مشهد "السقوط الحر" للاتحاد السوفياتي، ولِنُظُم الحكم (الشيوعية) الدائرة في فلكه في شرق أوروبا؛ وبعدما أكدَّت الرأسمالية، في "العولمة"، وبها، أنَّها لم تستنفد بعد حيويتها التاريخية، في الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا.. وفي كثيرٍ من أوجه ومناحي الحياة الديمقراطية والسياسية؟
إنَّ كثيراً من مجيبي هذا السؤال يتَّخِذون من إفلاس وفشل "التجربة السوفياتية" دليلاً (سلبياً) على أنَّ المناداة بـ "إلغاء" الرأسمالية، أو "القضاء عليها"، هي أقرب إلى "الطوباوية" منها إلى "الواقعية السياسية ـ التاريخية"، فتلك التجربة لم تُفْلِس وتَفْشَل إلاَّ لِتُظْهِر وتُؤكِّد، بقوَّة "المأساة"، أنَّ الرأسمالية ليست بـ "النظام العابر"، كالإقطاعية والرق، وأنَّها تملك من القوى والخواص التاريخية ما يجعلها، ويبقي عليها، نظاماً عابراً للتاريخ، يُوافِق تماماً ما يسمَّى "جوهر الإنسان" الذي لا يتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان؛ ولقد تطرَّف سدنتها من أهل الفكر والقلم في تمجيدهم لها حتى أنَّ بعضهم لم يتورَّع عن تصويرها على أنَّها النظام الذي أنهى التاريخ، بعدما أعْجَزَ التاريخ عن إنهائه، وكأنَّ البشرية امتلكت أخيراً "مدينتها الفاضلة"، التي فيها من "المستقبل" أكثر كثيراً ممَّا فيها من الماضي (على طوله).

الإخفاق التاريخي الكبير لـ "النظام السوفياتي" جعل كثيرين من المعارضين لشرور ومساوئ "النظام الرأسمالي"، الذي يملأ الدنيا، ويتخذ الولايات المتحدة، المتربعة، الآن، على عرش القوة العظمى في العالم، عاصمة مركزية له، أقل جرأة (فكرية) على القول، علانية، بالضرورة التاريخية والحضارية والإنسانية.. والأخلاقية لتخطي "الرأسمالية"، خشية أن يُتهموا بأنهم دعاة عودة إلى نظام باء بالفشل التاريخي المخزي، فقد ترسخ في أذهانهم، وأذهان الغالبية العظمى من البشر، اعتقاد لا أساس له من الصحة، وفق المقياس الموضوعي للحقيقية، هو أنَّ "النقيض التاريخي الطبيعي" للنظام الرأسمالي هو الذي مني بهزيمة تاريخية نكراء في الاتحاد السوفياتي؛ والمنطق لا يجيز، بالتالي، الدعوة إلى بعث هذا النظام المهزوم، تاريخيا، من أجل أن يخلف النظام الرأسمالي، الذي تشتد الحاجة الإنسانية التاريخية إلى تخطيه.

وعندنا في "العالم العربي ـ الإسلامي"، اتَّخذوا من "فشل الشيوعية"، ومن بقاء الرأسمالية على ما هي عليه من مثالب وشرور، دليلاً تاريخياً جديداً على أنَّ "الإسلام هو الحل"؛ لأنَّه، في جوهره الاجتماعي ـ الاقتصادي، يقوم على ما يشبه "المركَّب الهيجلي" الشهير، فهو يَسْتبقي كل ما هو إيجابي وجيِّد في الشيوعية والرأسمالية، وينفي ويلغي كل ما هو سلبي ورديء، مضيفاً مزيداً من الإيجابيات.

كان الماركسيون يقولون "الاشتراكية هي الحل"، فلمَّا انهار الاتحاد السوفياتي على نفسه، اشتدت وعَظُمت ثقة الليبراليين الجدد بالنظام الرأسمالي، فقالوا "الرأسمالية هي الحل"، فما كان من الإسلاميين إلاَّ أن جدَّدوا رفضهم للخيارين (المتضادين) معاً، قائلين "الإسلام هو الحل".

إنَّنا لم نعرِف بعد، بما يكفي من الوضوح والتعيين، ماهية (أو ما هي) المشكلات (التاريخية) التي يراد للاشتراكية، أو الرأسمالية، أو الإسلام، أن يكون حلاًّ نهائياً لها، فلو أنَّ الجواب عن تلك المشكلات، بصفة كونها سؤالاً، كان في منتهى الوضوح والتعيين لاختلف الجدال كثيراً، ولأصبح ممكناً أن ننظر إلى "المشكلات" و"حلولها" بعيون مختلفة.

والأمر لا يحتاج إلى كثيرٍ من التأمُّل والخيال، وكأنَّنا نعتزم الإتيان بمعجزات، فليس من مشكلة تظهر إلى حيِّز الوجود من غير أن يلازمها، وجوداً، الحلُّ، قوى ووسائل وأساليب، وإنْ استلزم نُضْج، أو إنضاج، الحل زمناً أكثر أو أقل.

وأحسب أنَّ الداعين إلى تخطِّي النظام الرأسمالي مدعوون إلى أن يشحنوا دعوتهم بكثيرٍ من المنطق إنْ هُمْ أرادوا لها أن تقع على أسماعٍ شعبية تشبه وتماثل أسماعهم، فالهروب من مواجهة هذا التحدِّي التاريخي الكبير يَحْكم عليها بـ "صفرية الوزن" ولو عَظُمت "كتلتهم".

إنَّهم، وفي المقام الأوَّل، مدعوون إلى تطليق "التجربة السوفياتية" ثلاثاً، وإلى إظهار فَهْمٍ لها على أنَّها تجربة لا تعود بالنفع والفائدة إلاَّ على دعاة "الرأسمالية الأبدية"، فمن شرورها ومآسيها وعِظَم سلبياتها استمدَّت الرأسمالية في الغرب، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص، مزيداً من القوَّة، ونجحت في تصوير نفسها على أنَّها النظام الذي لا يمكن تخطيه إلاَّ إذا قرَّرنا واخترنا العودة إلى الوراء بالمعنى التاريخي.

لقد كانت تجربة نُفِيَت فيها، وبها، الإيجابيات الاقتصادية والسياسية والثقافية للرأسمالية، وكأنَّ "الاشتراكية" تقوم على "النفي الخالص المطلق" للرأسمالية، أو يمكن أن تُخْلَق من "العدم الرأسمالي". وهذا النفي (الستاليني) والذي هو، في جوهره وأساسه ومنطقه، نفيٌ للماركسية ذاتها، ونفيٌ للأساس الفلسفي الذي تقوم عليه، اقترن (وما كان ممكناً إلاَّ أن يقترن) بكثيرٍ من الشرور والسلبيات الستالينية، فلم تعرف الشعوب والأمم والمجتمعات التي عرفت ما يسمَّى "النظام الاشتراكي" من "الاشتراكية" إلاَّ "التشريك"، أي "التعميم"، للبؤس والشقاء والفقر والاستبداد، ولم ترَ في ما سُمِّي "ملكية الشعب بأسره" إلاَّ نظاماً مُنْتِجاً ومعزِّزاً لامتيازات فئوية ضيِّقة، ولـ "توتاليتارية بيروقراطية"، اغتصبت، وأمعنت في اغتصاب، السلطة، وفي "تسييد" الحزب على الطبقة التي ادَّعى تمثيلها، والأمين العام على الحزب، فَعَرَف "النظام السوفياتي" من "عبادة الفرد" ما لم يعرفه التاريخ من قبل.

وكان يكفي أن "يُشرَّك" تكميم الأفواه، وأن يقترن هذا التكميم بمزيدٍ من العجز عن تلبية وإشباع الحاجات الأوَّلية والأساسية للناس، حتى يصبح "السقوط الحر" عاقبة حتمية، فالتاريخ، ولو كره القائلون بانتفاء علميته، وبعدم وجود قوانين موضوعية له، كالعالَم الفيزيائي، يُظْهِر دائماً ويؤكِّد أنَّ النُظُم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تكون، ويجب أن تكون، كامنةً في الحاجات الأوَّلية والأساسية للبشر، قبل، ومن أجل، أن تَظْهر إلى حيِّز الوجود، وتغدو حقيقية واقعة، وأنَّ أيَّ نظام يعجز عن تلبية تلك الحاجات، أو يَسْتَنْفِد قدرته على تلبيتها، لا يمكن أن يدوم ويستمر، ولو تسلَّح بترسانة نووية تَعْدِل، أو تفوق، الترسانة النووية السوفياتية، ولو حَكَم في طريقة تدلُّ على عدم أخذه بنصيحة نابليون لكل حاكِم، والتي جاء فيها "إنَّك تستطيع فِعْل أي شيء بالحراب عدا الجلوس عليها!".

"المثاليون" في تفسير وفهم التاريخ، يضربون صفحاً عن تلك الحقيقة الأساسية والجوهرية؛ إنَّهم ينأون بأبصارهم وبصائرهم عن حاجات ومصالح العامة من الناس، وعن أهميتها في خَلْق وإفناء النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فيصوُّرون كل نظام جديد على أنَّه انتصار جديد للعقل (الذي في معتقدهم يَحْكُم، أي يجب أن يَحْكُم، العالم) وللعقلانية، فما يوافِق العقل ينشأ ويدوم، وما يخالفه يزول ويندثر، ضاربين صفحاً عن حقيقة تاريخية أخرى لا تقل أهمية هي أنَّ كل نظام جديد لا يمكن أن يَظْهَر إلاَّ بصفة كونه نظاماً عقلانياً، موافِقاً للعقل، متصالحاً مع المنطق؛ لأنَّ "عقلانيته" هي الوجه الآخر لقدرته (الكامنة والظاهرة) على تلبية وإشباع الحاجات الأوَّلية والأساسية للناس؛ ولكنَّ هذا النظام، الذي يأتي إلى الدنيا وهو يقطر عقلانيةً من رأسه حتى أخمص قدمه، لا يمكنه أن يؤكِّد وجوده، وأن ينمو، من غير أن يَسْتَنْفِد مخزونه من العقلانية، ومن غير أن يتحوَّل، بَعْد، وبفضل، كل ما أنجز، وما جاء به من أعمال جليلة، من نظام يفيض عقلانيةً إلى نظام لم يبقَ فيه من العقلانية إلاَّ ما يجعله كظِلٍّ فَقَدَ جسمه، فيصبح واجب السقوط، فيَسْقُط.

لقد سعيتُ إلى إظهار وتأكيد أهمية وضرورة أنْ تُعْرَف، وتُعيَّن، على خير وجه الحاجات والمصالح الأساسية والحقيقية للناس، أي للغالبية العظمى من البشر، فمن غير ذلك يصبح كل كلامٍ عن تخطِّي الرأسمالية، وعن البديل التاريخي منها، كصلوات كاهن في مواجهة صاعقة انقضت عليه من السماء، فالنظام الجديد يجب أن يشبه تلك الحاجات والمصالح، وأن يكون مُقْنِعاً لأصحابها بقدرته على تلبيتها وخدمتها، فليس من مُعلِّمٍ حقيقي للبشر إلاَّ الحاجات والضرورات والمصالح.

والجادون في سعيهم إلى تخطِّي النظام الرأسمالي (ليس لأنَّهم يرغبون في تخطيه، وإنَّما لكون التاريخ قد اسْتَجْمَع الأسباب لانتفاء الحاجة إليه) إلى نظامٍ جديد، يَسْتَبْقي إيجابياته، ويضيف إليها، عليهم أن يتمثَّلوا أسباب فشل وإخفاق "التجربة السوفياتية"، والتي من أهمها وأبرزها، جَعْلِها "الدين السلبي"، أي "الإلحاد"، ديانةً رسمية للدولة، فـ "الدولة اللادينية" لا يمكن أن تكون على مثال "الدولة السوفياتية"؛ ذلك لأنَّها تقوم على ركنين متلازمين: الأوَّل هو أن لا دين لها، والثاني هو أنَّها يجب ألاَّ تكون حرباً على معتقدات الناس الدينية، فأنتَ يكفي أن تَشْحَن البديل التاريخي من الرأسمالية بما يستفز ويعادي المشاعر الدينية للناس حتى تمدَّ الرأسمالية بمزيدٍ من أسباب الحياة والبقاء.

وطالما سمعنا الناس في العالم العربي ـ الإسلامي يرفضون "النظام الاشتراكي"، على إيجابياته الاقتصادية والاجتماعية، لكون الداعين إليه لم يتوفَّروا على تطويره فكرياً بما يسمح بإنهاء وتقويض تلك الصلة (التي ليست بصلة سببية على ما أرى) بينه وبين الكفر والإلحاد. ونحن حتى الآن لم نؤسِّس لفكر جديد يُحلُّ فيه ويسوِّى التناقض بين "الدين" والعلمانية"، فالمنادون بـ "العلمانية" لم يُظْهِروا من الفهم لها إلاَّ ما يمسخها، مفهوماً وممارَسةً، فـ "تحرير الدولة من قبضة رجال الدين" لا يستقيم معنىً ومنطقاً إلاَّ بتحريرٍ آخر، هو "تحرير الدين نفسه من قبضة رجال الدولة"، فـ "العلمانية"، أو "الدولة اللادينية"، تفقد معناها، وتنتفي ضرورتها، إذا لم تَكُن، من حيث "الحقوق" و"الواقع" و"الممارَسة"، فيضاً من الحرِّية الدينية، فـ "الإكراه الديني" و"الإكراه اللاديني" يجب أن يختفيا تماماً من "الدولة اللادينية".

إنَّ البديل التاريخي من الرأسمالية يجب أن ينجح في إقناع العامة من الناس بأنَّه "محايد دينياً"؛ ولكن حياداً ينطوي على كثير من الانحياز إلى حق المؤمنين جميعاً في أن يحيوا الحياة الدينية التي يريدون، فلا تسييس للدين، ولا تديين للسياسة.

لقد تحدَّثنا عن الأهمية التاريخية القصوى لمعرفة وتعيين الحاجات والضرورات والمصالح الشعبية العامة، ولإبتناء "البديل التاريخي من الرأسمالية" من حجارتها ولبناتها؛ ولكنَّ كل هذا الذي كان مدار حديثنا يفقد أهميته العملية إذا لم نُتَرْجِم تلك الحاجات والضرورات والمصالح بنظام جديد وجيِّد من الحوافز والدوافع الاقتصادية (في المقام الأوَّل) فالتجربة السوفياتية أثبتت إذ فشلت أنَّ كل "ملكية عامة"، مهما كانت تسميتها أو صفتها، لن تأتي بما يُظْهِر ويؤكِّد تفوُّقها على "الملكية الرأسمالية" إذا لم يكن لـ "الفرد" مصلحة شخصية حقيقة في وجودها وبقائها وتطوُّرها، فـ "العام" من الممتلكات يصبح شيئاً لا يخصُّ أحداً، وعُرْضةً، بالتالي، إلى الخراب والتخريب والفساد والإهمال، إذا لم يَقْطُف كل فرد شيئاً من ثماره، وإذا لم يُتَرْجَم تطور الإنتاج والإنتاجية بما يحفز ويدفع المُنْتِج، في استمرار، إلى زيادة وتحسين أدائه الاقتصادي، فـ "الملكية العامة" التي لا تُشْعِر كل فرد (من ذوي الصلة المباشِرة بها) بأنَّها في منزلة "ملكيته الشخصية"، لا يمكنها أن تُظْهِر وتؤكِّد تفوُّقها على "الملكية الرأسمالية".

وكلَّما ضاقت "الفجوة التاريخية" بين "الشخصي" و"العام" من التملُّك نجحنا في تقويم (ورفع) التناقض التاريخي المزمن بين "الملكية العامة" و"الملكية الشخصية"؛ ولكنَّ هذا لا يعني، ويجب ألاَّ يعني، الأخذ بمبدأ "المساواة المطلقة"؛ فهذا المبدأ لا يمكن أن يؤول بالممارَسة إلاَّ إلى "الظلم المطلق"، فالمساواة القابلة للحياة، والتي تستمد شرعيتها من التاريخ نفسه، هي التي تساوي في "الحقوق" بين أناس غير متساوين واقعياً، أي غير متساوين في أعمالهم، كمَّاً ونوعاً، وفي مواهبهم وكفاءاتهم وقدراتهم، فالظلم بعينه، والخراب بعينه من ثمَّ، أن تساوي في الأجر والراتب والدخل بين ذوي الأعمال جميعاً.

أمَّا الاختبار الحاسم لأهمية وجدوى "ملكية عامة لا رأسمالية"، تقوم على هذا النظام من الحوافز والدوافع الاقتصادية الشخصية، فهو "الإنتاج" و"الإنتاجية"، فزيادة وتحسين "الإنتاج" و"الإنتاجية" هما المقياس الذي به نقيس درجة تفوَّق نظام على نظام. وهذا إنَّما يعني، على وجه الخصوص، أنْ لا بديل حقيقي من الرأسمالية إذا لم يؤكِّد تفوُّقه عليها في "الإنتاج" و"الإنتاجية"، وفي روافدهما من العلوم والتكنولوجيا.

يمكننا، وينبغي لنا، الاحتفاظ بكل ما هو "إيجابي"، بالمعنى التاريخي، في "الرأسمالية"؛ ذلك لأنه مُلك شرعي للبشرية جمعاء؛ ولكن مع تخطي "الرأسمالية" إلى نظام اجتماعي أرقى، إنسانيا.. نظام اجتماعي لا يكون البحث عنه في مؤلفات ماركس؛ وإنما في "الكتاب الواقعي" للرأسمالية ذاتها. ففي هذا الكتاب، وفيه وحده، تكمن ملامح وخواص "النظام الجديد"، الذي يكون، وفق هذا الفهم، "النقيض التاريخي الطبيعي والحتمي" للنظام الرأسمالي.

فليتجه البحث إلى "الداخل" من "الحاجات التاريخية الواقعية الضاغطة" للغالبية العظمى من البشر؛ وليتجه، بعد تحديدها في دقة، إلى "الوسائل".. وسائل تلبية تلك الحاجات، فليس من المجدي توجيه البحث إلى حاجات لا يمكن تلبيتها، واقعيا، أي لأسباب موضوعية.

الوقوف على هذه الحاجات، وعلى وسائل تلبيتها، الممكنة واقعيا وتاريخيا، هو، وحده، الذي سيخلق للغالبية العظمى من البشر مصلحة واقعية كبرى في "التغيير"؛ وعندما يبدأ "الواقع التاريخي" بلفظ نظام اجتماعي استنفد حيويته التاريخية نرى العلامة الأولى والكبرى على ذلك في "المرآة البشرية"، فهذا النظام يجد له صدَّا متزايدا في نفوس البشر.. في عواطفهم ومشاعرهم ووجدانهم؛ ثم في عقولهم؛ ثم تتحرر أياديهم من القيود لتشرع في "العمل التاريخي"، في الهدم، فالبناء. ومن "بعض" حجارة ما هدموه يبتنون لأنفسهم، وبأنفسهم، صرح نظام اجتماعي جديد؛ نظام لا يلتهم فيه الفرد الجماعة، ولا تلتهم الجماعة الفرد.. يعظم فيه الفرد فتعظم الجماعة، وتعظم الجماعة فيعظم الفرد!

نظام لا قيد فيه على العقائد والأفكار ولا على تنوعها وتعددها.. عقائد وأفكار منزوعة "السيوف"، فلا إكراه بالعقيدة والفكر، بعدما أقمنا مجتمعا يحكمه، في علاقة أفراده وجماعاته بالعقائد والأفكار، قانون "الانتخاب الطبيعي"، الذي بفعله الحر يمنح البقاء للأصلح منها.

نظام تُلغى فيه الحاجة إلى ذلك "الحافز المزدوج" لتطوير "الإنتاج"، كمَّا ونوعا.. حافز الرغبة في مزيد من الثراء لدى "الأقلية"، وحافز الرغبة في عدم الوقوع في "فخ البطالة" لدى "الأكثرية".. نظام لا محور له سوى "الإنسان الحر"، الذي يعيش كما يريد، وكما يحب، من دون أن تكون عاقبة ذلك هي موت غيره، بالرصاص والسجون، أو بوسائل الموت غير الفيزيائي.

ليس الرأسماليون أنفسهم، وإنَّما من يتولُّون إدارة منشآتهم ومؤسساتهم هم الذين يُنْسَب إليهم الفضل الآن في "النجاح الاقتصادي"، فالرأسماليون الآن هم فئة طفيلية، مغتربة تماماً عن الإنتاج والإدارة، يحيون حياةً اقتصادية تشبه "حياة البداوة"، فهم ينتقلون من مكان إلى مكان في الاقتصاد القومي، وفي الاقتصاد العالمي، بحثاً عن العشب والكلأ، اللذين هما كناية عن "التملُّك بالأسهم".

وهذا إنَّما يعني أنَّ الحاجة الاقتصادية ـ التاريخية إليهم قد انتفت، وأصبحت أثراً بعد عين، ويمكن، بالتالي، الاستغناء عنهم، وإحالتهم على التقاعد التاريخي، كما يعني أنَّ "الإدارة" يمكن أن "توظَّف" بما ينزع عنها الصفة الطبقية الرأسمالية.

ليست البروليتاريا، التي أسند إليها ماركس المهمة التاريخية العظمى، وهي حفر القبر للرأسمالية، ودفنها فيه، وإنما "طبقة المودعين" هي التي شرعت تنفث في روع الرئيس أوباما وإدارته الفكرة المرعبة، فكرة التأميم للقطاع المصرفي، أو للإمبراطوريات من المصارف، فهؤلاء ما عادوا يثقون بـ "الحضارة المالية"، ويشتد لديهم الميل إلى "البدائية المالية"، فـ "الورقة الخضراء" إمَّا أن تُذهَّب، أي يحوِّلونها إلى "المعدن الأصفر"، وإمَّا أن توضع تحت البلاطة، وكفى الله المودعين شر المصارف، وأسواق المال والأسهم والسندات، والنظام الربوي بنسخته الليبرالية الجديدة على وجه الخصوص.

إنهم الآن، أو من الآن وصاعدا، يصطفون في صفوف وطوابير طويلة أمام المصارف الخائنة الغادرة الخادعة.. الواقفة على شفير جهنم، لينقذوا من هاوية ما يمكنهم إنقاذه من ودائعهم ومدَّخراتهم.

والعبثية بعينها الآن هي أن يحاول أباطرة المال المفلسون، الذي أفلسوا وتسببوا بإفلاس غيرهم، استجماع "أسهم الإنقاذ" من سوق أخلوها هم من الشراة، فأسهمهم ما عاد لها من مشترٍ؛ وعليهم أن يقبلوا، على مضض، آخر العلاج، وهو الكي، أي البيع لـ "الشاري الأكبر"، وهو الدولة، التي أثبتت لهم، مذ عقدوا قرانهم معها، أن "الخيانة الزوجية" ليست من طبعها، وأنها إن قست فلا تقسو عليهم إلا لتريهم، بعد حين، من رحمتها ما ينسيهم قسوتها.

وعليهم، إذا ما أرادوا النأي بمصالحهم عن أنفسهم الأمارة بالسوء، أن يفهموا، ويحسنوا فهم، "النموذج السويدي" الذي ولَّت، على ما يبدو، إدارة أوباما لـ "التغيير"، وجهها شطره، لطلعته المشرقة البهية، ففي بداية التسعينات قامت السويد بتأميم قطاعها المصرفي، فلمَّا تعافى وتحسَّن أداؤه عادت إلى خصخصته، أي باعته للأفراد بالمزاد العلني، فالدولة في النظام الرأسمالي رُبِّيت على الزهد في تملُّك أملاك القطاع الخاص، ولا تلجأ إلى التأميم إلا إذا جعلته الأزمات، كالأزمة الاقتصادية العالمية الحالية، شرا لا بد منه، وجسرا ينتقل عبره الاقتصاد من خصخصة إلى أخرى.

إنهم يُفْسِدون، فتتجشم الدولة إصلاح ما يُفْسِدون، فإذا تكللت مهمتها بالنجاح، أعادت إليهم المُصْلَح ليعاودوا إفساده.. ولكن، إلى متى؟!

إلى أن يعجز هذا العطار، وقد أوشك أن يعجز، وتضطره كثرة المصائب والكوارث إلى أن يعلن على رؤوس الأشهاد أنْ لا عطار في وسعه إصلاح ما أفسده الدهر!

ومع هذا التغيير، الممكن واقعياً وتاريخياً، في جوهر النظام الاقتصادي، بوجهيه القومي والعالمي، يصبح ممكناً أن تمتد الديمقراطية إلى "البناء (الاقتصادي) التحتي" بعدما ظلَّت زمناً طويلاً حبيسة "البناء الفوقي"، وأنْ يتأكَّد، بالتالي، قولاً وفعلاً وممارَسةً، أنَّ البديل التاريخي من الرأسمالية لا يقوم على إلغاء ونفي الديمقراطية التي جاءت بها الرأسمالية، وإنَّما على الاحتفاظ بها، وزيادتها وتوسيعها، والارتقاء بها إلى درجتها العليا، حيث تنتفي الحاجة التاريخية إليها، فلا حاجة إليها حيث تزدهر "الحرِّية"، التي هي خير وأبقى، وحيث يبتني البشر لهم مجتمعاً يقوم على مبدأ "الكل للفرد، والفرد للكل!". جواد البشيتي