دكتور.. واحدة من عقد النقص

كتب - بنكي حاجو
دكتور=تلفزيون

الذي يشاهد الفضائيات في الشرق الأوسط يظن ان جميع الدكاترة هناك يظهرون على هذه الشاشات حيث لا يخلو برنامج واحد، حتى لو كان برنامجاً للرقص الشرقي إلا وفيه "دكتور".
يبدو أن الألقاب هي أهم بكثير من أصحابها في تلك البقعة من العالم بالرغم من أن الشخص هو الذي سعى وجاهد حتى نال تلك المرتبة العلمية واللقب المرافق له. ونلاحظ أن اسم الشخص يتبخر وهو في ريعان الشباب بينما اللقب يستمر في ركوب صاحبه الى آخر نفس في حياته.
في تلك البرامج النقاشية يبدأ مقدم البرنامج بتقديم المشاركين بأسمائهم للمشاهدين كالعادة. بعد ذلك تغيب الأسماء ويخاطب الضيوف بعضهم بـ"دكتور" حتى يشمل ذلك مقدم البرنامج بل أحياناً المشاركين بالهاتف. ويضيع المشاهد المسكين بين هؤلاء "الدكاترة’".... نعم دكتور.... لا لا يا دكتور.... أرجوك دكتور... يا دكتور على مهلك..الخ. كأنك في عالم الجن... لا أسماء.... في اليوم التالي عندما يلتقي الأصدقاء ويأتي الحديث الى إحدى تلك البرامج، حيث لا يعرف الكثيرون أسماء المشاركين فيقولون: ذاك الدكتور أبو الصلعة، أو الدكتور الذي كان يشتم، أو ذلك الدكتور البليد أو ذلك الذي كان يزعق ....الخ.
المصيبة أنك لا تعرف مجال إختصاص "الدكتور". هل هو دكتور في علم الرقص؟ أم في الفول والفاصوليا أو في علم التهريج؟ المهم هو "دكتور"، وكفى. أما الإسم والإختصاص فهما تفاصيل لا تستحق الذكر.
الكثير من مقدمي البرامج يعتقدون أن مناداة الضيوف بالدكتور، يضفي على البرنامج هالة من التبجيل والإحترام والجدية غير عابئين بالمستوى الثقافي والعلمي للمشاركين. هناك الكثير من الضيوف يظهرون ضحالة في الفكر والطروحات والمستوى المعلوماتي تؤذي المشاهد والذوق العام..... ولكن ما شاء الله "دكاترة".
بالمقابل هناك آخرون يبرزون بأخلاقهم العالية وعلو شأنهم في المستوى الفكري والعلمي والمعلوماتي، هؤلاء يحظون بالإحترام والتقدير حتى لو أسبغت عليهم لقب "راقصة" بدلاً من دكتور.
عندما إنتقلت الى دمشق للدراسة في كلية العلوم 1968 تفاجأت بحادثة لا أنساها مدى الحياة. نحن الطلاب كنا مبتدئين في الجامعة. وكما هو معروف كنا نخاطب كل من يلقي علينا الدروس بـ أستاذ، وهي عادة إكتسبناها لمدة 12 عاماً في مراحل الدراسة السابقة.وفي أحد الأيام سأل أحد الطلاب الأستاذ الجامعي حضرة "الدكتور" بـ "أستاذ". رد "الدكتور العظيم": أستاذ براسك يا غبي، هل تظن أنك لا تزال على مقعد الثانوية؟ [تصوروا مدى إحتقاره لأساتذة الثانوي، وهؤلاء كانوا أساتذته قبل عدة سنوات خلت، قبل أن يصير دكـ"توراً"، اللهم إذا كان يعتقد أنه آت من المريخ. أما اليوم فيخاطبه أي بعثي نكرة بـ"يا كلب" وهو مضطر للرد عليه بإبتسامة يملئ شدقيه خوفاً على الوظيفة وعلى لقبه "دكتور"] وإستطرد قائلاً.... يجب عليكم من الآن فصاعداً أن تنسوا كلمة أستاذ وإستعمال "دكتور" عوضاً عنها، أنتم جامعيون منذ الآن. طبعاً قال كلاماً أقسى وبالعامية لذلك الطالب المفجوع أمام كل زملائه.. من بطيخ فصاعداً الى حم.
مسكين ذلك الدكتور حينها، وحالياً بعض ضيوف البرامج الفضائية ومقدميها، ذلك أنهم لا يعلمون أن كلمة أستاذ أعلى مرتبة بكثير من لقب دكتور.
بعدها درست الطب في جامعة استانبول.هناك دهشت عندما وجدت أن الجميع ينادون البروفسور بلقب "خوجة" أي أستاذ بالتركية، وهو نفس اللقب المستعمل في جميع مراحل الدراسة، من الإبتدائية فصاعداً. وكلمة خوجة كان لقب أئمة الجوامع ورجال الدين منذ العهد العثماني ولا يزال، وكذلك تطلق على جميع أساتذة التعليم ويشير بإختصار الى "الذي يعلم الآخرين". حالياً أقيم في السويد حيث لا ألقاب بتاتاً من رئيس الوزراء وصولاً الى أصغر عامل نظافة.
لنعود الى فضائياتنا مرة أخرى، ففي إحد البرامج كان بين الضيوف المشاركين "دكتور". حدث وأن ناداه مقدم البرنامج بـ "أستاذ" وليس دكتور.هاج "الدكتور" وماج ونسي موضوع النقاش موجهاً كلامه الى المضيف: لماذا لا تناديني بـ"دكتور" [أسوة بفلان وفلان ذاكراً الأسماء] قائلاً أن الدكتوراه التي يحملها هي أعلى مرتبة من دكتورات الآخرين. وذكر إسم الجامعات... والله أعلم. نسي أن القاصي والداني بات يعرف أسواق الشهادات، والتي كانت تباع سابقاً بآلاف الدولارات أما الآن فنزلت الى فئة المئات أي صارت، "أرخص من الفجل" كما يقال بالعامية السورية.إن برنامجاً حول سوق الشهادات هذه سوف يكون شيقاً.
السيد كيسينجر هو في الواقع أستاذ جامعي ويحمل لقب بروفسور دكتور. هل سمعتم في يوم من الأيام من خلال أجهزة الإعلام هذا اللقب؟ طبعاً لا. لماذا؟ لأن إسمه وطول باعه في السياسة (وليس في الأخلاق) أشهر بكثير من بروفسور ودكتور...الخ وإسمه يطغى على كل ألقابه.
في الحياة اليومية والعادية يكون إستعمال اللقب لأجل معرفة المهنة هو أمر إعتيادي طبعاً، وعموماً يلقى لقب دكتور على الأطباء وهو في حد ذاته لقب فخري ولا يعني أنه حائز على شهادة الدكتوراه في الواقع. أما في البرامج التلفزيونية وغيرها في أجزاء أخرى في العالم فيتم تقديم المشاركين بالألقاب والأسماء لمرة واحدة، وبعدها يستعمل الأسم أو الكنية فقط، على الأقل لكسب ذلك الوقت الذي يضيع في تكرار الألقاب.
وإذا سألتموني عن أحب و أرفع لقب إلي، فإن جوابي، وبعد ستين عاماً من العمر هو "أستاذ" ولكن أستاذ في الحقيقة أي من أستاذ المرحلة الإبتدائية حتى الثانوية.
وإذا ساءلتم عن سبب تأخرنا عن ركب الحضارة والتقدم عن الآخرين وسيرنا في "الاتجاه المعاكس" فسببها عقد كثيرة وقد حاولت تقديم واحدة منها. بنكي حاجو
طبيب كردي ــ السويد bengi.hajo@comhem.se