أحمد هو الحاج احمد: ايران.. ماذا لو فاز موسوي؟

بقلم: علاء الدين حمدي

ماذا لو كان الفائز في انتخابات الرئاسة الايرانية من الجولة الأولي هو موسوي؟ في رأيي لم يكن ليحدث شيء، لا مظاهرات ولا احتجاجات، والأهم ولا تغيير في الاطار السياسي الايراني على المستوي الاقليمي أو الدولي، لسبب بسيط أن الجميع يتنافس تحت عباءة "الولي الفقيه" حيث لا وجود لوعود أو برامج انتخابية متباينة الجوهر بين المرشحين تختلف عن رؤيته ورؤية مؤسسته، أو بمعني آخر يمكننا القول أن الرئيس الايراني، وطبقا للدستور، عبارة عن آداة تنفيذية لرؤية الفقيه الولي لا أكثر.
الفرق الوحيد، في رأيي، بين الجناح الاصلاحي وجناح المحافظين المتشدد، كما يحلو للبعض تصنيف اللاعبين على الساحة السياسية الايرانية، يكمن فقط في لهجة الخطاب التي يسمح لرئيس الجمهورية "الاسلامية" أن يستخدم فيها ما يشاء من ألفاظ ونبرات تعلو نغمتها أو تهبط وفقا لصيحات الاستحسان أو الاستهجان من جمهور الحضور والهتيفة، كما يفعل مطربو الأفراح الشعبية في الأرياف!
وسأكتفي بتوضيح ذلك بمثال واحد هو الموقف الايراني من المحرقة اليهودية على سبيل المثال:
أولا: جناح المحافظين، عبرت عنه تصريحات الرئيس "المحافظي نجاد" النافية للمحرقة ودعوته لازالة اسرائيل من على الخريطة ورعايته لعقد مؤتمر في ايران في ديسمبر 2006 للباحثين عن حقيقة المحرقة.
ثانيا: جناح الاصلاحيين، عبرت عنه تصريحات الرئيس السابق "الاصلاحي خاتمي" أثناء زيارته للولايات المتحدة الأميركية في سبتمبر 2006 التي قال فيها "أن الهلوكست حقيقة وأن منفذيها لن يدخلوا الجنة!، حتى إذا تم استغلالها وتم فرض ضغوط هائلة على الشعب الفلسطيني! وينبغي ألا نسكت حتى إذا قتل يهودي واحد"، ثم وفي حديث نادر مع صحيفة "يدعوت أحرونوت" الإسرائيلية، يناير 2007، قال "ان المحرقة ضد الشعب اليهودي مثلت أشد الجرائم التي ارتكبت ضد الإنسانية في عصرنا، ولا يوجد أدنى شك في أنها حدثت".
ثالثا: مؤسسة الفقيه الولي، عبرت عنها تصريحات علي أكبر ولايتي المستشار الدبلوماسي للمرشد الأعلى علي خامئني في حديثه لصحيفــة "لاريبوبليكا" الإيطالية فبراير 2007 التي قال فيها "أن محرقة اليهود خلال الحرب العالمية الثانية حدثت وأنها حقيقة تاريخية."
فالاختلاف اذا كما نرى يكمن كما قلت في لهجة الخطاب وتوقيته وأهدافه بعيدا عن المساس أو الخوض في الثوابت المؤسسية للدولة، فانكار المحرقة أو اثباتها لن يمس مؤسسة الولي الفقيه، ولم يعد بنفع يذكر على الشأن الداخلي الايراني حتى يعتبره الشعب الباحث عن لقمة العيش سببا لتفضيل مرشح على آخر سلبا أو ايجابا.

لذلك، فان فوز أي من الجناحين لم يكن ليغير شيئا من طبيعة الأمور على الأرض، أو ليبدل من طريقة تسيير الشأن الايراني وعلاقاته الخارجية خاصة نحو العرب أو المسلمين السنة، فالجناحان لا يملك أحدهما حرية فرض رؤية خاصة به تختلف عن رؤية الفقيه الولي ومرجعيته، والمسألة لا تعدو عن كونها شكليات وأسماء وضعوها للإيحاء بوجود تيارين متنافسين لاظهار الجمهورية "الاسلامية" أمام العالم بمظهر ديموقراطي يحتمل الرأي والرأي الآخر، بينما تبقي مقاليد الأمور في النهاية مترسخة في مؤسسة الفقيه الولي حيث لا وجود لصقور أو حمائم كما يتوقع العرب.
فالديموقراطية الإيرانية يمكن وصفها بالديموقراطية "المحددة" التي يضع أطرها مجموعة من رجال الدين يطلق عليهم "مجلس صيانة الدستور" الذي يحصرها، وفقا لدستور الدولة الذي قبله الشعب عن اقتناع كامل، في الالتزام بالإسلام على المذهب الشيعي، ان جاز التعبير، والحكم من خلال حتمية وجود سلطة أعلي للدولة هي "الولي الفقيه العادل المتقي البصير بأمور العصر والشجاع القادر على الإدارة والتدبير ممن أقرت له أكثر الأمة وقبلته قائدا لها... الذي له حق ولاية الأمر وإمامة الأمة... المرتبط بالسماء في زمن غيبة الإمام المهدي" كما جاء في متن الدستور، وبالتالي أصبح الولي الفقيه، المتصل بالسماء بتفويض الهي! هو صاحب الكلمة الأولي والأخيرة في إدارة الدولة وعلاقاتها الخارجية وشئون التسليح والجيش والمخابرات والسياسات الداخلية ومناصب القضاء وبقية المواقع المهمة، بينما يترك للرئيس، داخل نفس الحدود وتحت هذه الهيمنة، طريقة إدارة شئون البلاد العادية الروتينية وسياستها الاقتصادية والقاء التصريحات التي لا تتعارض مع ثوابت النظام كما كان يفعل الرئيس نجاد في ولايته الأولي، مع منح القرار الأخير في تصرفاته، أي الرئيس، ورفض أو قبول أي تشريعات مدنية أو سياسية يري تطبيقها الى "مجلس صيانة الدستور"، الذي يملك حق الاعتراض بداية على أي مرشح يرغب في خوض انتخابات رئاسة الجمهورية، وهو ما جعل منصب الرئيس وسلطاته تأتي خاضعة لهذا المجلس المؤسسي، وفي مرحلة تالية لسلطة الفقيه الولي، بمعني أن أي رئيس من أي جناح ليس في مقدوره تغيير شيء من الخطوط العريضة للسياسة الداخلية أو الخارجية للدولة .
إذا، فأحمد هو الحاج أحمد، ولا فرق يذكر بين رئيس اصلاحي أو محافظي طالما أن الأمور تترسخ على إطلاقها بين يدي الولي الفقيه ووفقا للسياسة التي يري وجوب اتباعها داخليا وخارجيا، وهنا يجب التأكيد مرة أخري على أن هذه السلطة منحها له الشعب عن طيب خاطر وعن معتقد ديني ولم تفرض عليه قسرا.
اذا لماذا حدثت ثورة الاحتجاج التي لم تخمد جذوتها حتى الآن عقب اعلان فوز أحمدي نجاد ؟ أظن أن الأمر لا يعدو عن كونه مسألة "كرامة" شعر الناخبون أنها أهينت دون مبرر، وغضب سببه تزوير ارادتهم بدون داع، ولم يكن رغبة في التغيير أو دفاعا عن وعود محددة وعدهم بها موسوي الذي لم يكن له برنامج واعد يختلف عن رؤية الفقيه الولي كما ذكرت آنفا، أيضا لم تكن لدي أغلبية المحتجين الرغبة في الخروج على نظام البلاد أو تغيير الوضع الخاضع لهيمنة مؤسسة الفقيه الولي، بدليل أن مظاهرات الاحتجاج لم تتعرض بالهجوم أو المساس بشخص المرشد الأعلي للثورة من قريب أو بعيد، وكان من الملفت جدا أن المحتجين لم يرفعوا شعارات تطالب بسقوط النظام كما حدث من قبل في الصين أو أوكرانيا، فقط كانوا يتسائلون "أين صوتي"؟
بمعنى أن الأمر أشبه باحتجاج الأبناء لدى الأب رغم ما يحملونه له من حب وتقدير واحترام، اذا لمسوا منه محاباة لأحدهم دون سبب مفهوم، مجرد احتجاج لا يصل الى درجة العقوق، بينما يري الأب أنه يعلم ما لا يعلمون، وأن محاباته هذا الواحد من أبنائه سيصب في مصلحة الأسرة كلها بما يغيب عن بقية الأبناء، لذلك فهو يطالبهم بالرضوخ لرغبته دون ابداء أسباب ويواجه المتجاوز منهم بما يراه من عقاب أيضا.
اما العرب، فقد راهن بعضهم على أن مجيء رئيس جديد مما يسمى "بالجناح الاصلاحي" من شأنه تحسين العلاقات ودرء الخطر الذي تشكله إيران عليهم عسكريا أو مذهبيا ومنع تدخلها لإثارة القلاقل في بلادهم بعد أن عجزوا، أو تقاعسوا، عن مواجهة ذلك الخطر بأنفسهم سياسيا أو اقتصاديا !، لذلك كان وقع الصدمة شديدا على نفوسهم بعد اعلان فوز نجاد بولاية جديدة سيستمر معها الخوف والتهديد لمحيطه الاقليمي مما سيواجه عربيا، في أغلب الظن، باستجلاب المزيد من القواعد العسكرية الغربية في الخليج الذي سيحمل قريبا اسم "الخليج الدولي" من كثرة ما أصبح يضمه من الأمم، لا العربي ولا حتى الفارسي كما تدعي إيران .
ولكن غاب عن العرب أن إيران بطريق أو بآخر، ومع اختلافي الكامل حول طريقتها وتوجهاتها، أصبحت دولة مؤسسات لها ثوابت محددة ارتضاها الشعب الايراني ولم تفرض عليه قهرا أو قمعا، أعني مؤسسة الولي الفقيه التي أصبحت مرجعية ذات صلة بالعقيدة الدينية لا تتغير بتغير الحكام والإدارات، وهو ما لم يستطع العرب استيعابه أو فهمه حتى الان، وربما لن يمكنهم ذلك لأجيال عديدة ولفترة طويلة قادمة، أقصد ادراك معنى دولة المؤسسات بصرف النظر عن الإطار الذي تتمحور داخله، لذلك لم يكن غريبا أن تكون الدول القوية المؤثرة في نطاقنا الاقليمي حاليا هي تلك التي تمتلك المفهوم المؤسسي عن أصول إدارة الدولة القوية ذات المرجعية الدستورية التي ارتضاها الشعب عن يقين، سواء إيران أو تركيا أو حتى إسرائيل، بينما فشلنا نحن العرب في صنع نموذج واحد لهذه الدولة بأي إطار وأي مرجعية من أي نوع، وللحديث بقية ان أراد الله تعالى.
ـ ضمير مستتر:
يقول تعالي {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ الى هَـؤُلاء وَلاَ الى هَـؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} النساء143 علاء الدين حمدي a4hamdy@yahoo.com