ثقافة التسامح والتوافق في المجتمع العراقي

بقلم: جواد كاظم الخالصي

عندما يولد الإنسان تولد معه طبائعه وتصرفاته التي تظهر أحيانا وبشكل مُبكّر عليه عند أول تصرفاته حينما يقوم على اللعب مع الأطفال. ومع إنه طفل ولا يمكن أن نُحمّله ما يمكن تحميله للكبار لأن الإنسان في بداية حياته هو ليس خَيّرا وليس شرّيرا وهذا ما يعني أنه قد يحمل الصفتين في آن واحد ولربما يسلك واحدة منهما في إطار المجتمع الذي يتربى فيه أو العائلة أو الفكر والعقيدة التي يتربى عليها، ولكن في كل الأحوال يجب أن نُقرّ بأن الله سبحانه وتعالى قد زرع في النفس البشرية روح التسامح والرحمة ومهما حاول الإنسان انتزاعها فلن يستطيع اقتلاعها من الجذر ولكن يمكن أن يترك العمل بها جانبا ليتحول إلى وحش كاسر على الآخرين من أبناء جلدته أو لنقل نظرائه في الإنسانية. وهو ذات الشيء بالمقابل ما نجده عند الإنسان المتزن والقويم الذي يسلك طول طريقه في الخير ويتحاشى أن يعمل بنزعة الروح الشريرة ويبتعد عنها وهو كذلك لا يمكنه أن يقتلعها لأنها نزعة مخلوقة في روح الإنسان ولا يمكن أن نغيّر الخَلْق ولولا كذلك لما كان الإنسان مخيّرا غير مسيّر، وهذه هي الفطرة البشرية التي ينشأ عليها الإنسان.
ولذلك يجب الانطلاق من هذا التقييد الذي يصيب الإنسان ووضعه في المكان الصحيح وهو البناء الاجتماعي النقي الغير ملوّث والمنظّم بشكل صحيح عن طريق وضع كيان حكومي قادر على وضع الأسس الصحيحة الصالحة لهذا المجتمع في أن يتعامل بالشكل الصحيح حيث يقول الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسّو "إن الاجتماع قد أضحى ضروريا ومن العبث فضه والعودة إلى حالة الطبيعة وكل ما تستطيع صنعه هو أن تصلح مفاسده بأن تقيم الحكومة الصالحة وتهيئ لها بتربية المواطنين الصالحين". ولذلك لا بد للأمم أن تحكمها الحكومات الصالحة التي تحاول أن تضع الأسس الصالحة لبناء المجتمع ليكون منطلقا في التعايش الصحيح والسليم والابتعاد عن التمايز والتفضيل بين أبناء طبقات المجتمع كي يكون المجتمع صالحا وله قاعدة رصينة وقوية للتعامل بروح التسامح والتوافق الذي نريد لها أن تنهض وتتفاعل وسط مجتمعاتنا.
ما طرحته أعلاه أردت به منعطفا مهما على مجتمعنا العراقي الذي أبتلي بالكثير من النكبات والأزمات والتي تعثر بها على مرور الزمن حيث عاش المواطن العراقي حالة من الضياع والبحث عن الحقيقة وسط كل الذين حكموه خلال العقود الماضية. وقد كانت من أصعب المراحل التي مر بها المجتمع العراقي هي مرحلة حكومة حزب البعث التي طالت الكثير من عادات وتقاليد المجتمع العراقي مما حوّل بعض المفاهيم المجتمعية عن واقعها الصحيح وزرع في نفوس البعض الكثير من الريبة وعند البعض الكثير من الحقد والكراهية ورسّخ روح التناحر بين فئات المجتمع المختلفة وما أن سقط النظام السابق حتى دخل العراق في معترك آخر وسياق يختلف تماما عما كان يعيشه البلد في السابق حيث مظاهر الإرهاب والقتل على الهوية والتنازع الطائفي والسياسي والحزبي والقومي والديني، كلها تكالبت دفعة واحدة مما أثقل كاهل المواطن العراقي الذي لم يعتمد في حياته هكذا نموذج من العيش الصعب والمرعب في آن واحد مع أن الغريزة الإنسانية تعطينا الأمل بالاستمرار.
منذ العام 2003 عندما سقط نظام البعث وسقطت معه كل الأيديولوجيات التي اعتمدها في التضليل وتسخيف آراء الآخرين بدأنا نلحظ حالة من الثقافة الطارئة على الشعب العراقي وهي ثقافة الانتقام والقتل وتحييد الفئات المجتمعية وعزلها في أماكن معينة تابعة لكل انتماء، في الوقت الذي لم تشهد العقلية العراقية مثل هكذا نوع من الثقافة ولكنها عملت في المجتمع وتم التعامل بها دون أن تصمد وتستمر حيث عادت روح التلاحم العشائري والنسبي نوعا ما والتعايش السلمي الاجتماعي الذي تعود عليه الشعب العراقي مما دفعه للاستجابة إلى روح المصالحة الوطنية التي نفرت العنف والقتل والدماء وهذه الثقافة الغريبة على المجتمع العراقي فأثرت هذه المصالحة واقعه الصحيح بما تبقى من ماضيه الحقيقي وعادت روح التسامح والتوافق بين فئات المجتمع العراقي وإن كانت على خطى بطيئة. ولكننا يجب أن نستمر ونتواصل كي نحصل على مجتمع متسامح ومتفق على سبل العيش السليم خصوصا. ونحن نعيش اليوم حالة الحرية والديمقراطية وروح السيادة الوطنية الذي تحقق في الثلاثين من حزيران/يونيو هذا العام حيث الأجنبي يذهب والدخيل على ثقافتنا أيضا يذهب وجميع أصحاب الأجندات التي تعتمد الإرهاب تذهب وتزول وهي مسألة وقت. ولكن الذي لا يذهب هو ابن وطني وابن مدينتي وابن عشيرتي وهو في النهاية ابن العراق ولا يمكن لهذه التربة العراقية أن تتفكك وتذهب بعيدا عن بعضها البعض، ولذلك لا بد من الالتفاف حول من ينتخبه الشعب العراقي ويكون حاكما عليه بالإرادة الجماهيرية وليس مفروضا عليه كما كان،، ولم ولن تنفع كل الأفكار الدخيلة التي تحطم روح التسامح والتوافق بيننا كون العراق اليوم يقوده أبناءه الذين يخرجون من رحم هذا الشعب.
وعليه فإننا اليوم وبعد هذا المخاض العسير والظروف الصعبة والقاسية التي مر بها المجتمع العراقي لا بد لنا من تثبيت قواعد عامة راسخة في التسامح والاتفاق فيما بيننا والاستماع إلى روح العقل والفكر الذي يهدي للتي هي أقوم كي نُنشئ جيلا قادرا على النهوض في المستقبل ليواكب باقي شعوب العالم في الحضارة والتقدم في مجالات العلوم والتكنولوجيا. جواد كاظم الخالصي