سوق المتعة في ليل دمشق

بقلم: ميس نايف الكريدي
وقودها نساء وضحاياها أطفال

كانت كلماته المفتاحية قد دلت عليه: سيل من الشتائم تمتم بها وهو يجهز أوراق التاكسي بعد أن أوقفه شرطي المرور.
توقعت الأسوأ لكن السائق عاد نافشا ريشه وشغل من جديد سيارته وانطلق بنا. كان الفضول قد فاق عندي الرغبة في التحفظ مع هذا النوع من البشر الذين ما إن يتكلمون حتى ينفتح في وجهك مقلب قمامة.
وبادرت بالسؤال عن سبب إيقاف الشرطي له فبين لي ان سيارته مخالفة وهو دائما عرضة لكل شرطي لكن ما إن يخبرهم أنه يعمل سائقا عند اللواء فلان، يتركوه. وأكد انه لهذا لا يحب العمل بالنهار ويفضله ليلا.
كانت هذه الكلمة تأكيدا للصورة التي رسمتها له، فشدني الأمر لمجازفة بتصعيد حديث مع هكذا نوع من الأشخاص.
وسألته إذا كان مردود عمل الليل كافيا ومناسبا طالما غالبا يكتفي به. وهنا أخذ يستطرد في الكلام عن أمور أسوأ ما فيها أنه يتحدث عنها بفخر وإعجاب كالديك الذي ينفش ريشه في خم الدجاج.
روى أنه يكتفي حاليا بتوصيل المطربة فلانة التي تغني في عدة ملاهي وحسب الميسور تدفع له، وذكر أنه كان من قبل يقوم بتوصيل أربع فتيات يعملن في الاستعراض، ولكن كثرة مشاويرهن وتعارض وقتهن مع بعضهن منعه من المتابعة.
وإمعانا في حثه على المتابعة تجاوبت ببعض عبارات الاستفهام المحرضة. وتابع بلسان "الخبير الواعي" رغم أن سنه لا يتجاوز الثانية أو الثالثة والعشرين "إن البنات في هذه المهنة عدة أنواع فبالنسبة لفتيات الاستعراض لا يخرجن جميعا مع الزبائن وليس دائما لأن الأمر يتبع للفتاة نفسها، أما فتيات الديسكو فإنهن يخرجن يوميا مع الزبائن لأنهن لا يتقاضين أجرا عن تواجدهن في الديسكو وعليهن تحريك المكان وبالنهاية عمل البيزنس الخاص بهن".
وتابع قائلا ان إحدى صديقاته كانت ترقص في الديسكو لكنها لا تخرج مع الزبون بأقل من عشرة آلاف ليرة مقابل بقائها معه ليلة واحدة.
كان سؤالا واحدا محشورا في سقف فمي لكني فضلت أن لا أخرجه. كنت أريد أن أعرف إن كان يؤدي خدمات غير التوصيل من منزل لمنزل ومن كباريه لملهى لديسكو، لكني فضلت أن لا أسأل رغم إيماني بالدور القيادي الذي يقوم به سائقو سيارات الأجرة في هذا المجال.
لم يعد الحديث في تجارة النساء والدعارة جديدا، فقد صار جزءا من موسمنا السياحي الانفتاحي.
واشتهرت في هذا المجال عبارات يختص بها بعض سماسرة الشقق المفروشة حيث يسألون زبونهم الدفيع تريدها مع خادمة أو بدون؟ فارغة أو مليانة؟
إمعانا في الغوص بالعالم السفلي تعمدت أن أزور جارتي التي تعمل كوافيرة نسائية في صالونها بعد الساعة الثامنة مساء وهناك التقيت بفتاة تعمل في هذا المجال. لم يتطلب الأمر كثيرا من الذكاء للاستدلال عليها فهي أصلا لم تكن خجلة في إعلان أنها تعمل راقصة في أحد الملاهي وكان التاتو المرسوم على خاصرتها ظاهرا من تحت الكنزة القصيرة.
ولكن ما أرعبني أنها لم تتجاوز العشرين وتعمل منذ أكثر من سبع سنوات في هذا العمل، تلك الفتاة التي تزوجت في الثالثة عشرة من عمرها من رجل عجوز لم تحتمل معاملته السيئة لها وبخوف الطفلة هربت لكن إلى الشوارع لأن الأهل لا يعترفون بإمرأة مطلقة ولا يقبلون حتى مجرد الفكرة.
وفي شوارع الانفتاح والسياحة والبطالة والليل الذي ينضح بكل ما في العالم من عهر لم يكن لها ملاذ إلا حضن إحدى القوادات المخضرمات التي أخذت تمارس دور النخاس القذر لتبيعها لكل من يدفع أبخس ثمن فانتهى الأمر بها بحمل مجهول المصدر وأسفر عن طفلة بلا أب.
حين قابلت الفتاة منذ شهرين كانت الطفلة قد بلغت السادسة، وهذا ما دفعها للكلام معي لأنها كانت تريد أن تجد طريقة لإدخال الطفلة المدرسة وهي لحد الآن بلا قيد مدني. وبدون حرج أخبرتني أنها تعرف أحد القوادين وهي تحاول أن تؤثر عليه ليكتب الفتاة باسمه.
لم أعرف أي نوع من النصح يمكن أن نقدمه لامرأة مارست عليها الشوارع كل هذا الشذوذ.. شذوذ لا يمكن أن نتوقع لأي حد خرب في إنسانية تلك المرأة وأي نوع من المجتمع هذا الذي يمكن أن يقبل في صفوفه طفلة بلا نسب، أمها بعرف البلاد عاهرة ووالدها المحتمل قواد.
وإذا كانت العاهرة تريد لطفلتها ثوبا نظيفا وتريد لها مقعدا في مدرسة ربما يغير حياتها فأي وطن سيقبل أن يحتضن عيونا بريئة جاءت إلى الدنيا بدون أن تعرف أنها نتاج خليط غير منته من الخطايا في بلد كل من فيه ينصب نفسه سياف شرف، يقطع رؤوسا ويمزق أوردة.
فتحت عيني في إحدى الليالي على صراخ طفلين وعندما خرجت لاستطلاع الأمر وجدت جارنا العجوز مستاءا على نافذته. سألته عن مصدر الصوت فأشار إلى الشقة التي تسكنها فتاتان متزوجتان من سائق تاكسي يقوم بتأمين الزبائن لهما ويمارس دوره بكل حنكة فقد تزوجهما ليعطي لنفسه ولهن غطاء قانونيا بهذا الزواج.
إحداهما أم لطفلين ويبدو ان العمل حكم على الفتاتين والزوج المثالي فاضطروا للخروج والصغيرين اللذين لم يتجاوز الأكبر فيهما سن الرابعة، استيقظا ولم يجدا إلا الباب الموصد وأخذا بالصراخ والبكاء بلا أمل.
طلبت من الجار وهو المقابل لهما بالسكن أن يحاول التصرف فأخبرني أنه سبق أن هرب أحد الطفلين ودخل بيته. ومنذ ذلك اليوم يقفلون الباب بالمفتاح حتى لا يتكرر الأمر.
استمر البكاء ساعتين وأكثر وبدأت أخشى على الطفلين من استمرار القهر.. تألمت كثيرا بلا حول ولا قوة.. تمنيت أن أنتشل الصغيرين. كان بكاؤهما يعذبني لآخر قطرة حاولت أن أكلمهما من وراء الباب ولكن بلا أمل.
تملكني العجز وأوصلني لذلك الشعور القاهر بالإحباط، ولكن البكاء استمر والأم تجري على رزقهما بطريقتها. لم تعد تعنيني محاكمات المجتمع لأني احتقرت هذا المجتمع الذي يمكن أن يموت فيه طفل من القهر دون أن يتدخل أحد.

ميس نايف الكريدي
دمشق