الإرهاب اللغوي وأخوتنا الدكاترة

"فرق الموت" اختراع جلبه الغزاة الأميركيون الى العراق، وتبناه الصفويون من مليشيات آية الله متواطئي الذين يقودون السلطة في العراق بالتعاون مع الحرس الثوري الإيراني.
ونجحت هذه الفرق باغتيال عدد لا حصر له من الخبراء والعلماء والأطباء والمهندسين والضباط، فضلا عن كل من يشتبه بدعمه للمقاومة المسلحة ضد الإحتلال.
واعتقد، لسبب نحوي صرف، انه يمكن الاستفادة من هذه التجربة لاقناع الأخوة الذين يحملون شهادة الدكتوراه في عالمنا العربي، بأنهم إذا نصبوا الفاعل ورفعوا المفعول به، وإذا "دعسوا" بأقدامهم على الحاجة الماسة لبقاء المبتدأ والخبر مرفوعين، فإنهم يقدمون صورة سيئة للغاية لشهاداتهم، وان "فرق موت" نحوية يمكن أن تتوجه لاغتيالهم.
إذ ليس من المعقول أن يكون المرء دكتورا، ويتجشم عناء التورط بالكتابة، ليجد نفسه يدوس على بطن اللغة التي يكتب بها.
لا بأس. فكونك "دكتورا" قد يعني انك عالم في الفيزياء الذرية، أو "فلتة زمانك" في الهندسة الوراثية وانك تستطيع أن تحول القرد الى بقرة. أما أن تحول الجملة المفيدة الى نعجة من دون أرجل، فهذا كثير على اللغة.
ولعلك تستطيع أن تفهم لماذا لا ينافسك الكتاب والصحافيون في ميدان "علمك". والسبب الأول هو أنهم لا يستطيعون إعراب ما تقوم به. ولن تجد أديبا يتورط في أن يلقي عليك محاضرات في كيفية تحويل المعادن الرديئة، في مختبر الفنتازيا العلمية، الى ذهب. ولكن بما أنك ترغب في اقتحام عالم الكتابة، فان الواجب يقتضي أن تحترم قواعدها، قبل أن تحترم "الغلابة" الذين تنوي أن تجعل منهم ضحايا لأعمال الإرهاب التي تشنها ضد المفعول به.
نعم، كلنا يخطئ بطبيعة الحال، فاللهجات المحلية واللغة العامية المحكية تحول دون تقويم اللسان والقلم. والمرء عندما يكتب يسهو أحيانا، أو تقفز الفكرة فوق الفكرة فتتعثر الكتابة. ويمكن للأصابع أن تتزحلق على لوحة المفاتيح فتظهر الكلمة خطأ. ولكن هذا شيء، ونصب الفاعل، بثبات المجاهدين على خط النار، شيء آخر.
الأول، خطأ يحسن بـ"فرق الموت" النحوية أن تنظر اليه بعطف، وأن تغفر لصاحبه. ولكن الثاني جريمة أخلاقية لا فرق بينها وبين الاعتداء على المرأة، أو ممارسة العنف ضد الأطفال.
الكتابة من دون احترام قواعد اللغة جريمة لا تقل خطرا عن تهريب المخدرات، فكلاهما "يضرب الدماغ" ويعبث بآليات عمله. بل إن العنف ضد اللغة عمل إرهابي تحسن ملاحقته عن طريق القضاء، فإن لم تستطع فبإعداد لائحة سوداء، فان لم تستطع فبارسال "فرق موت" لاغتيال المتورطين، وذلك أضف الإيمان.
واللغة أداة كاشفة، على أي حال، لطبيعة العلم الذي جناه هؤلاء الأخوة الدكاترة. فهم قضوا نحو 20 سنة من حياتهم تحت رعاية الجهاز التعليمي ليتخرجوا، في النهاية، وهم على جهل تام باللغة التي تعلموا بها.
لا أريد القول إن شهاداتهم مزورة في الواقع، إلا أنها مزورة بالفعل. والتصرفات اللاأخلاقية التي يقومون بها ضد الفعل المضارع تكاد تجعل أبا الأسود الدؤلي ينوح في قبره.
ولا بد من سبيل لإقناع هؤلاء الأخوة بان حرف الجر سُمي كذلك لأنه يجر ما بعده، وهو لم يفشل في مهمته التاريخية هذه منذ أن نشأت اللغة العربية. أما أن لا يعود هناك فرق بينه وبين "أخوات كان"، فان شيئا من الانهيار لا بد وأن يكون قد حدث في نظامنا التعليمي بحيث يجعل دكاترتنا اجهل من راعي غنم بلغتهم العربية.
هذا الواقع، هو أحد وجوه العار الذي تجد الأمة العربية نفسها فيه اليوم. فمؤسساتها العلمية تخرج دكاترة يعلم الله كيف كتبوا اطروحاتهم، وكيف قرأها المشرفون على الرسائل الجامعية، وكيف قيمتها لجان المناقشة.
وبالأحرى، فهؤلاء كلهم إرهابيون، ويستحقون ملاحقتهم قضائيا، أولا، لأنهم فضيحة لأنفسهم وللمؤسسة التعليمية التي خرّجتهم. وثانيا، لأنهم يهينون اللغة التي "يتنطعون" للكتابة بها. وثالثا، لأنهم من أهم مصادر التلوث اللغوي السائد في بيئتنا العربية.
وهذا التلوث أسوأ، في الواقع، من أي تلوث بيئي. وتحسن مكافحته بإنشاء فرق موت تتولى ملاحقة المتسببين به.
ولا أعرف، بمؤهلهم العلمي، أي تلامذة يتخرجون من تحت أيدي أولئك الذين لا يشعرون بتأنيب الضمير عندما يجعلون "إن وأخواتها" ينتفن شعورهن حزنا على ما آل إليه حال الجملة العربية المكتوبة؟
نشر العلم والمعرفة هو الرسالة الأهم للمؤسسة التعليمية. وأول العلم لغة.
وخير ما يمكن أن تفعله المؤسسات العلمية هو أن ترسل تحذيرا لهؤلاء الدكاترة بعدم الاقتراب من أي مدرسة أو جامعة في حدود دائرة قطرها 5 كيلومترات على الأقل، لكي لا يشم الطلاب رائحة طريقتهم في تفعيص الكتابة و"لغوصتها" بجمل تبدأ بشرط ولا تجد جوابه، إلا بعد عشرين جملة. والكثير منهم يكتب شرطا، ويواصل الهذيان وينسى جواب الشرط، تاركا حبل البحث عنه على الغارب.
ليس كافيا أبدا أن يتم تشكيل منظمات نحوية للتنديد بسوء الأخلاق اللغوي الذي يمارسه أناس ينزلون عليك من أعلى السلم الأكاديمي ليمارسوا أعمال تخريب لا يفعلها تلاميذ مدرسة متوسطة. فهذه المنظمات لن تقطع دابر الصفة التي لم تتبع الموصوف.
والخطر الحقيقي هو أن أصحاب الشهادات العليا سيظلون يقدمون دليلا يوميا لإسرائيل بأننا أمة جهلة.
حقيقةً، يجب النظر الى القضية الفلسطينية من جهة النحو والصرف أيضا. فأمة دكاترتها يرفعون المنصوب ويجرون المرفوع لا بد وأن ترفع أرجلها (قبل أيديها) للاستسلام.
وهذا ما نفعله، على أي حال، بسبب التلوث اللغوي الذي تعانيه منظومتنا العقلية منذ أن تم احتلال فلسطين حتى الآن.
لغويا، نحن أمة مضطربة عقليا، ونحتاج الى حبوب مهدئات لتخفيف الأوجاع التي يتسبب بها دكاترة، هم بالأحرى، مرضى.
اللغة قواعد، نعم، ولكنها منطق أيضا. والمرء لا "يطعج" و"يفعص" لغته إلا لان هناك خللا عميقا في آليات المنطق الذي يفكر به.
والمنطق عندما يكون أعوج لغويا، فلا بد انه يسفر في النهاية لا عن مفعول به مرفوع فحسب، بل وعن قضية تحرر لا يمكنها أن تحرر شيئا.
وكنت أوشك على أن أوجه نقدا لحركات ومنظمات المقاومة التي لم تبرهن على أنها حركات جادة في مسعاها لرفع الفاعل، إلا أنني آثرت التريث قائلا أن هذه المنظمات قلما تستعين بدكاترة أو تثق بمؤهلاتهم في النصب.
ويمكن للمرء أن يرجو كل المنظمات المناهضة للتطبيع أن تمنح هؤلاء الأخوة ترخيصا استثنائيا بالذهاب الى إسرائيل، لعلهم ينقلون جزءا من التلوث البيئي الذي يتسببون به عندنا الى عدونا الصهيوني.
ولن تمضي 60 سنة حتى يتفسخ المجتمع الإسرائيلي. وساعتها لن نعود بحاجة الى مقاومة. فالخراب الذي سيتكفل به هؤلاء الأخوة سيكون كافيا ليشعر الإسرائيليون أن عقولهم خربت.
ليس صحيحا التذرع بحقوق الإنسان لحماية "حق" هؤلاء الناس بالتعبير عن آرائهم بالكتابة. فمثلما انك لا تذهب الى طبيب بيطري ليصلح أسنانك المعطوبة، فانك لا تستطيع أن تدع كل واحد يقول انه "دكتور" أن يواصل تعسفه النحوي ضد لغتك.
الكتابة شيء، وحفر الأسنان شيء آخر. ولكل منهما قواعده. وآخر شيء يمكن للمرء أن يفعله هو أن يكتب مقالا مستعينا بقواعد حفر الأسنان، أو يحفر الأسنان بقواعد نحو اللغة. لا الأسنان ستصلح، ولا الكتابة ستؤدي غرضها، وكلانا سيظل يصرخ من فرط الألم.