طقوس الشيطان

بقلم: سعيد الوائلي

حين تنتشر الاقاويل كالنار في الهشيم، وينسلخ الانسان من آدميته تلتهب الاشجار المورقة حينها بعلوّ جبل شاهق. ذاك هو المشهد في مملكة العوران "كورة" دبابير الارهاب وهي تلسع في كل مكان، لتقيم مقبرة للجثث، وتترك بصمة العار والشنار على رؤوس الاشهاد.
وحين يكتشف المسؤولون الامنيون تلك الوسائل الاجرامية في بلد تتفتح ازهاره للتوّ، تلك الوسائل الاجرامية الخبيثة، يتعامى المسؤولون السياسيون مهما سلطت عليها وسائل الاعلام عيونها تحت ذرائع لممارسة الهيبة والمبالغة في الخنوع، ويكاد المرء ان يعتقد ان هناك من هو مرتاح للذعر غير المبرر في تدابير الامن، فيما تؤكد الوقائع التي تستند الى الحقائق ان هذه الاجراءات ما زالت هزيلة لكف شرور الاشرار والمتربصين والحاقدين وقاطعي رؤوس الشبان اليافعين بسيف الخبث والحقد الاعمى في مملكة يقودها ابالسة وشيطاين، عوران ومتخلفين.

توالت الايام والسنين مثّخنة بالمسيرات والتظاهرات وهي تجسد صورة الشيطان الرجيم في مشهد تراجيدي عنيف، مرة على هيئة اسامة بن لادن ومرة على شكل طالبان ومرة اخرى على شكل الوهابية والسلفية واخرى على شكل صنم الفردوس والحزب الاوحد، وتعددت الارادات والعناوين والمسميات في القتل والارهاب تحت شعارات الله اكبر ومن قتل شيعيا دخل الجنة بدون حساب! يا لها من مفارقة وكأنهم قدر شيطاني يملك زمام المكافئة او العقاب، وحددت سلفا مواعيد الآجال لخصومها، تبحث عن موطئ قدم في كل مكان، تتنصت على الهمسات وكأنها مندوبة لصياغة حياة البشر من البعد التوراتي القديم وكل ابالسة الارض وشياطينها.

ورغم تناقض هذه المفاهيم بامتياز مع الدلالات الدينية والانسانية ورسائل الانبياء ورغم تطرفها الفاقع ورسالة التوحيد التي تؤكد ان القيامة وحدها من تصنف البشر اهل جنة ونار وان الشيطان نفسه من اهل النار الا انهم ركبوا البحر الهائج وجذفوا ضد التيار.
لنتخيل فقط ان اجيالا قد انجرفت سابحة في هذا التيار، لنتخيل رجال دين لا يجيدون لغة غير التكفير وارهاب الآخر للتعبيرعن مآزقهم التي لا سبيل لحلها وان كان بالدم المراق يوميا في كل مكان، وخاصة في بلاد المسلمين، كما هو مشهد اليوم، وحين نتابع الخيوط الدقيقة، زلة من هنا، شطحة من هناك، فتوة شيخ إرهاب أجوف، تصريح مسؤول حكومي، تحقيق قناة فضائية، بمجرد ان يفتح عينيه المرء في الماء الصافي بعض الشيء حتى يشاهد المشهد بكل وضوح الى ان لمملكة العوران اليد الطولى فيه، نهج يتبادله الابناء ويتلقفه الاحفاد، عروة وثقى بين الملوك والامراء والمنهج السلفي الوهابي الذي يكفر المذاهب الاسلامية الاخرى جميعا، مما اوقع العائلة الحاكمة التي ليس لها دين على الاطلاق بين ناريين، إما ان تسلك النهج الوهابي علانية لكي تبقى على سدة الحكم، وإما ان تفك الارتباط بشيوخ الارهاب وبذلك تفقد صلاحيتها للبقاء والاستمرار وتصبح كما يقول الغرب المتمدن "منتهية الصلاحية" تتحول حينها ارض نجد والحجاز علانية الى حركة مشابهة لطالبان ويفقد الغرب امتيازات الـ (10 ملايين) برميل نفط يوميا في وقت هم بأمس الحاجة اليها اكثر من اي وقت مضى، بعد ان تساقطت الاقتصاديات العالمية كأوراق الخريف.
ولعل الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس اوباما لمصر والخطاب المجلجل الذي لم يترك شاردة او واردة الا وتطرق اليها بكل وضوح وشفافية، فاتحا الابواب على مصراعيها لمن يريد السلام ويترك العنف والارهاب، ولكنه شدد بنفس الوقت بأنه سيظرب بيد من حديد لكل من يتخلف عن الركب العالمي الذي سيتوج نهج المصالحة بين الشعوب ونبذ الارهاب، ليس على طريقة من لم يكن معنا فهو ضدنا، بل لانه واجب وطني مقدس للدفاع عن الحقوق المشروعة للشعوب ستفتح بابا له الف باب، ولمن يتخلف هذه المرة "حكاما" سيرتكب حماقة ستطيح حتما بعرشه مهما بلغ جبروته علوّا، ومن تمعن في خطاب الرئيس اوباما وقرأ ما خلف السطور لأدرك ذلك بكل وضوح وقد تمر الايام ولم ينتبه البعض الى الهوة السحيقة التي تنتظره هذه المرة، لاسباب تتعلق بالتوجه الدولي الذي بدا من منطقة الشرق الاوسط الساخنة والصيحة التي انطلقت من ارض الكنانة مصر، على لسان الدولة العظمى الاولى، وبطريقة الرجاء والود، والنخوة العربية والاسلامية التي اجاد صياغة فصولها الرئيس ذو الاصول الاسلامية الافريقية، حيث سيقول العالم كله لاحقا يا عرب ومسلمون لقد بحُت حناجرنا في اكثر الاماكن عندكم قداسة، وعراقة، وتاريخا، واحتراما، ورغم معارضة البعض من شعبنا لنا، لهذه الخطوة الجريئة والتاريخية ولكنكم خذلتمونا وعليكم ان تتحملوا وزر افعالكم، انها العاصفة التي ستحدث فعلا لو استمر الحكام العرب على نهجهم التكفيري والدكتاتوري وحرق الارض والنسل من اجل البقاء في سدة الحكم، هذه المرة ليست اميركا فقط من ينتفض بل العالم المتمدن كله واوربا خاصة، تمعنوا في قراءة الخطاب مرات ومرات وستجدون جلّ ما جاء فيه مستوحى من القرآن الكريم لكي يقول لكم يا عروش الفراعنة واصنام مكة اسمعوا صيحاتنا من منابركم ندعوكم الى نبذ الارهاب وكفوا اذاكم عن شعوبكم وهذه ايادينا ممدودة لكم نعترف بأخطائنا وجئنا نطلب الصفح لما بدر منا ليس لخوف او وجل منكم بل لاننا شعوب متمدنة ديمقراطية تقود هذا العالم، ليس بقوتها فقط بل تحسبا وتوجسا لما يؤول له البطش المستمر للشعوب من قبل حكامها وارتفاع جرائم حقوق الانسان.
وفي هذا الاطار ارَ ان العرب لم يفتحوا قفل الاسلام الحقيقي بعد حيث لا مجال اطلاقا على تحررهم من عنجهية الارهاب، فهم يواصلون الانحدار ويتلقون الهزائم، ويخرجون من كل هزيمة اكثر استعدادا لغيرها! من غير التفكير بسياسة أكثر رشدا، ودون الالتفات الى المصالح الوطنية العليا.
ولعله بات جليا، اليوم، اكثر من اي وقت مضى، ان السؤال الأبرز في المرحلة المقبلة عربيا واسلامياً، هو: ما هو السرّ الذي تغافلنا عنه وكان سبباَ لكل الانهيارات التي عشناها، وما السبب الحقيقي لتعثرنا كأمة في المجالات كافة، وما مدى الهول الذي يشدنا الى الاسفل يوما بعد يوم.
نحن نعيش منذ عقود انفصاماً بين المبالغات في التطرف الاسلامي وامتشاق الحلول المبالغ فيها سياسياَ وثقافياَ وعقائديا ودينيا، وما لم يتوفر البديل، فسنبقى مشروع امة تتلقى الطعنات باسم دين لا نفقهه، يعاني من تخلفنا بدلا من جعله لنا خير امة اخرجت للناس. سعيد الوائلي