ملاحظات حول استحقاق الانتخابات الإيرانية والمرشح الرئاسي الفائز

بقلم: عياد البطنيجي

يصوت الإيرانيون اليوم الجمعة 12 يونيو/حزيران 2009 في انتخابات رئاسية يشارك فيها محمود أحمدي نجاد إلى جانب ثلاثة منافسين أبرزهم رئيس الوزراء السابق مير حسين موسوي، إضافة إلى رئيس البرلمان السابق مهدي كروبي والقائد السابق للحرس الثوري محسن رضائي.
في البداية رشح 475 شخصا أنفسهم لمنصب رئيس الجمهورية، بينهم 42 امرأة. ولكن مجلس صيانة الدستور المكلف بالتحقق من توافر شروط وملاءمات الترشيح في المتقدمين أجاز أربعة أشخاص فقط اثنان حُسبا على المحافظين، وهما محمود أحمدي نجاد، ومحسن رضائي. وآخران من الإصلاحيين، وهما الشيخ مهدي كروبي رئيس مجلس الشورى السابق، والمهندس مير حسين موسوي.
وتأتي اللحظة الانتخابية كلحظة كاشفة لأبعاد وحدود الصراعات السياسية، حيث تعكس الانتخابات في إيران التغير في خريطة التوازنات السياسية في داخل النظام السياسي، وتبرز نسبياً أبعاد الاتفاق والاختلاف بين التيارات المختلفة ونطاق تحالفاتها وطبيعة العلاقات بينها.
ومن هنا نقدم ملاحظات بشأن استحقاق الرئاسة.

1. إن المرشحين هم من أبناء النظام، وبالتالي لم يتعهد ولن يستطيع أي منهما بالخروج عن الخطوط العريضة التي حددها المرشد الأعلى خامنئي ومجلس الأمن القومي.
بالرغم أن الرئيس هو الوجه الإنساني الذي يجسد ويمثل النظام الإسلامي الحاكم بإيران، فإنه ليس صانع القرار الأول، ولا القائد الأعلى للقوات المسلحة. فضلا عن ذلك، ليس هو من يتخذ قرارات الحرب والسلم. بل إن سلطته تنفيذية فقط وتكمن في السياسات المحلية، وخاصة إدارة الاقتصاد وتأطير النقاش الأخلاقي، وتمثيل إيران في الساحة الدولية. وبالتالي فقرار إجراء محادثات مع الولايات المتحدة هو من مسؤوليات خامنئي ومجلس الأمن القومي. وبالتالي فالقضايا الإستراتيجية أو الكبرى هي من اختصاص المرشد الأعلى وليست من اختصاص مؤسسة الرئاسة.
2. لا وجود لأي فرق بين مواقف المرشحين، وبخاصة المرشحين الرئيسيين (محمود أحمدي نجاد، مير حسين موسوي) بشأن البرنامج النووي.
3. إن الإيرانيين متفقون على أن بلادهم ينبغي أن يسمح لها بتطوير التكنولوجيا النووية والحصول على المعرفة العلمية اللازمة لتحقيق مزيد من التقدم. وهو ما يعكس الإجماع الوطني في دعم البرنامج النووي. ومن هنا، لا يرجح أن تكون لدى الرئيس الإيراني القادم الإرادة ولا الرغبة في الإذعان لمطالب القوى الغربية بوقف تخصيب اليورانيوم. لأن المرشد الأعلى للثورة ومجلس الأمن القومي مصممون على المضي قدما في البرنامج النووي للبلاد مهما كلف الثمن، مشددين في الوقت ذاته على أن تخصيب بلادهم اليورانيوم هو لإغراض سلمية وليس لتطوير أسلحة نووية. لذا، فإيران لن تتخلى عن أنشطتها النووية، ولن تعلق النشاطات النووية الحساسة مهما كلفها هذا، وترفض بشكل مطلق تخصيب اليورانيوم على أراضي غيرها، فهي لا تقبل بذلك إلا على أرضها، وسوف تستمر في تطوير تكنولوجيا نووية إيرانية لخدمة أغراض التنمية في المجتمع الإيراني، وهو ما تعتبره إيران احد الثوابت الهامة في سياستها الخارجية، وهذا الأمر متفق عليه من قِبل المرشحين الأربعة.
4. وفي ضوء عدم وجود اختلافات جوهرية تذكر بين المتنافسين على منصب الرئيس بخصوص قضايا السياسة الخارجية وبخاصة السياسة النووية، سوى التغيير في اللهجة والأسلوب، أي أن التغيير فقط في التكتيك وليست الإستراتيجية، لذا فإن الموضوع الذي يحظى بأكبر قدر من الجدل هو الوضع الاقتصادي. ومن المرجح أن لا تكون الشؤون الخارجية في قائمة الأولويات لدى الناخب الإيراني، بل سيكون الوضع الاقتصادي، لأن اقتصاد البلاد يعاني من ارتفاع معدلات التضخم ومن معدل بطالة يصل إلى 30% (حسب بيانات غير رسمية) مما يعد أحد أعلى معدلات البطالة في منطقة ما يسمى بالشرق الأوسط، وذلك على الرغم من صادرات البلاد النفطية الضخمة. وهذا قد يكون معيارا أو يحدد المرشح الفائز، فالمرشح الذي يمتلك برنامجا اقتصاديا ويكون قادرا على أقناع الجماهير، قد يكون هو المرشح الفائز. وهنا قد يكون مير حسين موسوي هو المرشح الذي سيفوز في انتخابات الرئاسة، بالرغم أن استطلاعات الرأي تقول بفوز محمود أحمدي نجاد، وبالرغم أن الشعب الإيراني تعود على انتخاب مرشح الرئاسة لدورتين انتخابيتين، وهو ما يعني انه سوف ينتخب نجاد لدورة ثانية، إلا أنني أرى أن مير حسين موسوي لدية فرصة أكبر من نجاد ودليلنا على ذلك، هو التالي:
أ‌- كل المرشحون متفقون على أن نجاد هو سبب الأزمة الاقتصادية التي تعانيها إيران بسبب سوء إدارته، بما فيهم المرشح المحافظ الذي ينتمي لنفس التوجه الفكري للنجاد، وهذه نقطة ضعف موجه إلى نجاد. لذا فالمرشحون الثلاثة وجهوا سهامهم ضد نجاد.
ب‌- خلال عمله كرئيس للوزراء‏،‏ أبلي مير حسين موسوي بلاءً حسنا في إدارة البلاد والحفاظ علي اقتصاد إيران أثناء حربه مع العراق عام‏1980،‏ وحال دون وقوع أزمة اقتصادية أو سياسية بالدولة‏.‏ وبالتالي هناك تجربة اقتصادية ناجحة، وقد استغلها موسوي لمصلحته في إقناع الناخبين.
ج- إن مجلس صيانة الدستور المكلف بالتحقق من توافر شروط وملاءمات الترشيح في المتقدمين معنى بإسقاط محمود أحمدي نجاد وعدم ضمان نجاحه لدورة ثانية. فالمجلس رشح اثنين عن كل تيار.
والملاحظة هنا أن المجلس رشح محسن رضائي المحسوب على التيار المحافظ، والقائد الأسبق للحرس الثوري أبان الحرب العراقية – الإيرانية، هو يعلم أن رضائي له شعبية ليست قليلة في أوساط القطاعات الشعبية العامة، المحافظة والإصلاحية، وله الشعبية ذاتها في أوساط المؤسسة العسكرية، وبالتالي فإن وجوده مرشحا للرئاسة سيسهم في تشتيت عدد من أصوات القاعدة الشعبية المحافظة التي يمكن أن تذهب لمصلحة أحمدي نجاد لو لم يكن رضائي مرشحا. وهذا لن يكون في مصلحة احمدي نجاد، بل سيكون في مصلحة منافسة الإصلاحي مير حسين موسوي.
وقد يقول أحد بأن المجلس رشح أصلاحي آخر بجانب الإصلاحي مير حسين موسوي، وهذا سوف يشتت الأصوات وبالتالي يضعف التيار الإصلاحي الممثل بموسوي من الفوز، وهو نفس الشيء مع التيار المحافظ. نقول هنا تكمن المؤامرة على نجاد، وهي أن المرشح الإصلاحي مهدي كروبي كبير في العمر (72عاما)، وهو لذلك غير مرغوب فيه، فإيران تحتاج إلى قيادات شابة. فضلا عن ذلك إن شعبية كروبي قليلة جدا، لذلك فقد طالبه التيار المحافظ بالانسحاب من المنافسة الانتخابية لأنه شعبيته لا تتجاوز 3 ملايين من أصل 46 مليون ناخب إيراني لهم حق الانتخاب. وبالتالي لا يمكن مساواة ذلك مع التيار المحافظ. الخلاصة ان مجلس صيانة الدستور معني بتشتيت الأصوات المحافظة، لتقليل من فرص فوز نجاد، وذلك لحساب التيار الإصلاحي وبخاصة مير حسن موسوي.
هذا فضلا عن، أن المرشحين الثلاثة احتشدوا ضد نجاد ووجهوا سهامهم ضده، ولم ينافسوا بعضهم بعضا بقدر ما أنهم صوبوا سهامهم طوال الوقت ضد أحمدي نجاد، بالرغم أن المنافسة الانتخابية هي منافسة صفرية، إلا إنهم اتفقوا الثلاثة على نجاد ولم ينافسوا بعضهم بعضا. لذا فالمراقب للمشد الانتخابي الإيراني لا يستبعد أن هناك لعبةً سياسيةً هادف إلى كسر شعبية أحمدي نجاد، من خلال التحالف بين المرشحين الثلاثة الآخرين (موسوي، ورضائي، وكروبي، بالإضافة إلى مجلس صيانة الدستور)، لأن مجلس صيانة الدستور بالتأكيد كان مطلعا وعلى معرفة كاملة بالمرشحين ومدى اتفاقهم واختلافهم، ومطلعا أيضا على رؤيتهم. ومن هنا لا استبعد بوجد اتفاق بينهم على إفشال احمدي نجاد.
5.إن التحدي الأكبر للرئيس القادم على صعيد السياسة الخارجية، هو مواجهة التحدي الأميركي، وبخاصة مع العقلية الجديدة التي يدخل بها الرئيس الأميركي الجديد إزاء التعامل مع طهران: عقلية الحوار والتشاور بدون شروط مسبقة. فاوباما يسعى بهذه اللغة الدبلوماسية إلى كسب رأي عالمي ودولي إلى جانبه من خلال تشكيل تحالف دولي مؤيد لسياسته، وبخاصة محاولته في مغازلة وخطب ود روسيا لمنعها من مساعدة إيران في برنامجها النووي. وهذا بالتحديد ما يشكل تحديا كبيرا لطهران، أي أن المكاسب الدولية التي سوف يحققها اوباما سوف تكون على حساب المكاسب الإيرانية، وهو ما يعني إحراج إيران وخسارتها للدعم الدولي. ومع عدم التعاطي الإيراني بمقاربة جديدة للتحدي هذا، سوف تدفع النظام الدولي نحو المواجهة معها. لذا فالتحدي الرئيسي على صعيد السياسية الخارجية، هو إيجاد مقاربة جديدة للتعاطي مع مبادرة اوباما، حتى لا تخسر إيران دعم الدول التي تقف بجانبها بخاصة روسيا والصين، وذلك للحيلولة دون تشكيل جبهة دولية حازمة وموحدة بقيادة اوباما ضد طهران. عياد البطنيجي