سوسيولوجيا المسرح الشعري

الأساطير السياسية والمؤلف في الإطار

الإسكندرية ـ يتناول كتاب "سوسيولوجيا المسرح الشعري" للشاعر مهدي بندق إشكالية غياب الدراما الشعرية في مصر عبر العصور، أو حضورها حضوراً باهتاً، غالباً ما كان يجهض وهو بعدُ جنين في الرحم، أو يولد ميتاً، أو إذا عاش لا يلبث إلا قليلاً حتى تتناوشه الأمراض والأوصاب، فلا يقدر على أداء وظيفته الاجتماعية والجمالية.
ولأن الدراما الشعرية – من وجهة نظر الكاتب – ليست مجرد حاصل جمع بين لونين أدبيين هما الشعر والدراما، بل هي لون متفرد بذاته، لا يقبل القسمة أو التجزئة، فلقد عمد هذا البحثُ إلى استقصاء ومناقشة آراء النقاد المعاصرين فيما أصدروه من دراسات حول هذا الموضوع. ومن ثم فقد خصص الباحث الفصل الأول من هذا الكتاب لنقد النقد المسرحي الشعري في ضوء النظريات والمذاهب الأدبية التي يتبناها أصحاب هذه الدراسات، مثل النيو كلاسيكية، والبنيوية، ومدرسة النقد الجديد، والشعرية (تيودورف) والشكلانية (شكلوفسكى).
وعليه فقد كان على الباحث أن يوضح أوجه المغايرة بين مناهج أصحاب هذه الدراسات، وبين المنهج الذي اختاره (= المنهج السوسيولوجي) باعتقاد منه أن هذا المنهج الذي يجمع بين تحليل الوضع السياسي والأحوال الاقتصادية، والقيم الثقافية، وبين الشروط الموضوعية لإبداع الفن والأدب، إنما هو المنهج الأكثر حرصاً على أن يرى منابع وحدود الإشكالية بشكل بانورامى، لا يغفل الشروط الموضوعية جنباً إلى جنب عدم إغفال الشرط الذاتي للإبداع.
وبما أن اتخاذ مثل هذه المناهج، إنما يحتاج إلى تأسيس نظري، وإلى تحديد لمفاهيم حداثية، تفضى بدورها إلى نحت مصطلحات جديدة، فقد حرص الباحث على أن يبدأ كتابه بما أسماه "قبل المفتتح" مخصصاً إياه لشرح المصطلحات الواردة في تضاعيف الكتاب.
أما المفتتح ذاته فكان مناسباً أن يخصص لتوضيح نظرية الكاتب، أطلق على الأولى عنوان: مقدمة مقترحة لكل فكر وفن، وعلى الثانية عنوان: مقدمة منهجية .. الطريق إلى المسرح الشعري.
فأما المقدمة الأولى فتقرر أن الفكر والفن لا يمكن أن ينعزلا بحال من الأحوال عن حركة التاريخ، ولا يجوز لهما إطلاقاً أن يتجاهلا المواضعات المعاصرة من أنماط إنتاج ومذاهب، سياسية، وقيم ثقافية موروثة، بعضها جائز تطويره، وبعضها ضروري نقده ونقضه وتفكيكه.
وأما المقدمة الثانية فتجادل في أن الطريق القويم الوحيد الذي لا غش فيه، والمفضي إلى إبداع مسرح، ومسرح شعري بخاصة، ليس طريقاً صنعته الطبيعة الصامتة، بل هو الطريق الذي يمهد له، ويعبِّده الفاعلون الاجتماعيون في سياق نضالهم لصنع حياة كريمة، حرة.
وبالنسبة للشعر العربي، فلقد أبانت هذه المقدمة الكيفية التي تحجر بها تطور هذا الشعر بالتوازي مع قمع الثقافة المناهضة لثقافة نظم الدولة الثيوقراطية سواء كانت هذه الدولة راشدية أم أموية، أم عباسية، أم عثمانية… الخ. وكان المثال الأنصع على ذلك محاصرة جهود المعتزلة في تأسيس علم كلام (= لاهوت) علماني يوظف الدين لخدمة الإنسان وليس العكس.
ولكن، لما كانت مصر سابقة في الوجود (كدولة، وكمجتمع متحضر) للأمة العربية؛ فقد كان ضرورياً أن يكرس الباحث فصلين كاملين لدراسة هذا المجتمع (الفرعوني / اليوناني / الروماني / القبطي) لمحاولة فهم الأسباب التي أدت إلى تغييب فن المسرح، سواء في ظل نمط الإنتاج الآسيوي (مؤسسة الفرعون) أو تحت رياح التغيير التي هبت على البلاد بدخول الثقافة الهيلينية (لماذا أحجم شعراء الإغريق المتمصرين أمثال أبولونيوس، وثيوكريتس، وكاليماخوس عن غرس بذور الدراما الشعرية في موطنهم الجديد؟!)؟ وكذلك لمحاولة فهم الأسباب التي دعت الرومان لبناء مسرح كامل بالإسكندرية مع خنق كل مشروع لتأليف دراما شعرية!
ولعل الوعي بأن الدراما ليست إلا تجلياً من تجليات الحياة الديمقراطية سياسياً واجتماعياً، أن يفضى بنا إلى نتيجة ذات أهمية قصوى، تلك التي تقول أن بلداً محتلاً يستحيل على أهله أن يشاركوا فى إدارته، فضلا عن الإبداع الحر فيه على مستوى الفن والأدب.
نفس هذه النتيجة تمتد إلى مصر القبطية، إذ بالرغم من أن المسيحية، وإن استخدمت من قبل الآباء الرهبان كوسيلة لمقاومة الإمبراطورية الرومانية (مثلاً مؤتمر خلق دونيا 325 ميلادي) إلا أنها – أي المسيحية المصرية – لم تنج من الأثر المدمر، الموروث من سلطة الدولة المركزية، والذي يمكن أن نسميه بالطغيان الشرقي سواء كان فلسفة دولة قائمة، أو كان فلسفة دولة قادمة، فكان حصاد هذا الطغيان انتشار التعصب الديني (ويتبدى ذلك فى اغتيال الفيلسوفة اليونانية المصرية هيباتثيا عام 415 ميلادي) الأمر الذي قضى على فلسفة الحوار فى المجتمع المصري، وما من شك فى أن غياب الحوار – كأداة أساسية للعمران – لا بد مؤدٍ إلى غياب الدراما الشعرية.
يعود الباحث إلى الشعر العربي، مجادلاً حول قدرته الهيكلية على بناء الدراما، بينما هو نتاج ثقافة بدوية بالأساس، لم يغير منها دخول العرب الفاتحين إلى بلاد ذات حضارات مدنية كفارس وبلاد الشام، وبلاد النهرين و… مصر، لاعتماد العرب الفاتحين لسياسة نزح خراج البلاد المفتوحة لصالح المركز اليثربي، أو الدمشقي، أو البغدادي.
وفيما يتعلق بمصر فلقد بات واضحاً أن القطيعة الثقافية التي كان الكهنة المصريون سببا فيها (بعزلهم العلم والمعرفة عن جموع الشعب) كانت قد تجذرت فى بنية المجتمع، إلى الدرجة التي حرضت المصريين على قبول ثقافة الوافد الفاتح، دون مقاومة حقيقية، ولولا بعض الانتفاضات الفلاحية القليلة، لكان جائزاً القول بأن (مصر لمن غلب) حسب المأثور الشائع عن عمرو بن العاص.
وعلى أية حال فإن غياب المسرح الشعري عن مصر طوال العصور السابقة على الفتح العربي، إنما كان طبيعياً أن يستمر وأن يمتد خلال العصور التالية، لا سيما وأن ثقافة العرب الفاتحين لم تكن تحمل فى بنيتها أية مؤشرات على إمكانية الحوار بين الحاكم والمحكوم.
وبانعدام المؤسسات السياسية الشعبية، لم يعد متاحاً أمام الشعراء إلا تبنى أغراض الشعر الغنائي، بيد أن الأمر سوف يختلف قليلاً في العصر المملوكي، حيث تضطر الدولة إلى بيع بعض الأراضي الزراعية للناس، ولأولاد الناس (= أبناء الجواري) للخروج من أزماتها المالية المتكررة، والناجمة عن فقدان ممتلكات الدولة، وتحويل طرق التجارة الدولية، ومن قبل ضياع البحر المتوسط والبحار الشرقية، وخروجها عن سيطرة العرب المسلمين.
في هذا العصر ظهر جنين للمسرح الشعري ممثلاً فى بابات ابن دانيال وغيره. لكن ذلك لم يكن كافياً بالطبع لتأسيس مسرح شعري بمعنى الكلمة.
كان على مصر أن تنتظر قروناً، قبل أن تبدأ حركة التحديث بمقدم الحملة الفرنسية أولاً، وثانياً بالمشروع الذي أسس له محمد على باشا الكبير (= التصنيع) فذلك المشروع أدى فيما لا يزيد على خمسين عاماً إلى تغييرات جذرية فى علاقة الإنسان بالأرض، وتالياً بالدولة، إذ بزغت طبقة ملاك الأرض الزراعية فى عهد سعيد، وإسماعيل، وما لبثت حتى طالبت بالمشاركة في السلطة، فانفجرت الثورة المسماة بالعرابية، وتأسست المجالس الشعبية والنيابية (حتى في ظل الاحتلال، الذي ووجه بمقاومة حقيقية مبعثها المصالح المحددة في أطر سياسية وتنظيمية) فكان طبيعياً أن يولد المسرح والدراما الشعرية جنباً إلى جنب، خاصة مع قيام الثورة الشعبية الأولى (ثورة 1919) بقيادة البورجوازية المصرية.
إن التحليل السوسيولوجي لمولد ونشأة هذه الطبقة، المنزلقة من بطن الإقطاع، والوارثة لأيدلوجيته التراتبية؛ ليوضح كيفية ظهور المسرح الشعري، تقليداً للغرب من ناحية، وصداماً ذاتياً مع الثقافة القومية المعادية بطبيعتها لمبادئ المساواة، وقبول الآخر (= الطبقات الكادحة) الأمر الذي حاصر هذا الفن الوليد، ومنعه من النمو الحر، وهكذا رأينا شوقي وحافظ إبراهيم وعلى أحمد باكثير يخضعون "حبكات" أعمالهم للرقابة الداخلية، مما طبع هذه الحبكات بالطابع الاصطناعي بما يساوى حكم الإعدام على أعمالهم ذاتها.
قد يختلف الحال قليلاً مع عبدالرحمن الشرقاوي، لارتباط فكر الرجل بالنزعات اليسارية التي وجدت سبيلها إلى عقول الصفوة، خاصة بعد هزيمة الفاشية فى الحرب، وصعود الاتحاد السوفييتي ومنظومة شرق أوروبا، وتزايد المد الثوري لحركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا.
ومع نجاح القوى الوطنية في الإطاحة بالنظام الملكي في مصر فإن مسرح الشرقاوي وجد أرضاً ممهدة لتناول قضايا الحرية، والمساواة، والدعوة إلى الاشتراكية ، فانطلق يركض فيها، وكاد أن يحقق مراده، لولا ارتباطه العضوي بالقيادة ذات الطابع العسكرتاري ممثلة في ناصر، ثم السادات.
أما صلاح عبدالصبور فقد تجاوز موقف الشرقاوي إلى موقف المعارضة "الشعرية" للنظام السياسي، ومن ثم نجح فى تقديم أعمال رائدة بحق، نجاحاً لم يعكر عليه سوى مشاعر الإحباط التي يتغذى عليها المثقف ذي الانتماءات الاجتماعية والثقافية "المحافظة" فكان أن اخترمته الأساطير السياسية وعلى رأسها أسطورة "المخلص"، المهدي المنتظر، أو المسيح الذي سيأتي ليقاتل لا مع الناس، وإنما بديلاً عنهم!