فلسطين، وطننا الوحيد والأوحد

بقلم: د. صلاح عودة الله

"لكل انسان وطن يعيش فيه، الا الفلسطيني فان وطنه يعيش فيه". كثرت التصريحات الصهيونية العنصرية بعد تشكيل أوسع حكومة صهيونية متطرفة منذ انتصاب الكيان الصهيوني، ومن أخطر هذه التصريحات: "اعتبار الاردن دولة فلسطين". وتحت هذا العنوان اقترح عضو الكنيست أرييه الداد من حزب الاتحاد الوطني اعتبار الأردن دولة للفلسطينيين. وقال الداد انه يؤيد دولتين لشعبين على ضفتي نهر الاردن. واقترح الاعتراف بالأردن على انها فلسطين بحيث يكون دولة للفلسطينيين في الأردن، ومن يريد دولة فلسطينية عليه الانتقال الى هناك، اما من سيختار البقاء فسيكون مواطنا في دولة اسرائيل.. وادعى الداد إن هذا الطرح من شأنه ضمان أمن دولة إسرائيل والاستجابة لطلب المجتمع الدولي منح دولة للفلسطينيين.
وقد وافق الكنيست الصهيوني في قراءة أولى، على هذا الاقتراح الذي يتضمن ضم مناطق الكثافة السكانية في الضفة الغربية إلى"دولة فلسطينية" في الأردن.
ونال الاقتراح موافقة 53 نائباً، من بينهم ثلاثة وزراء من حزب العمل، ما يعني حصول إجماع إسرائيلي يشمل اليمين المتطرف واليمين وقسماً من الوسط واليسار على أطروحة "الدولة البديلة" التي كانت تعبر، لأشهر خلت، عن تيار هامشي في السياسة الصهيونية، تتزعمه أقلية "الاتحاد الوطني الإسرائيلي" القوي الصلة بالمحافظين الجدد في واشنطن وبالجمهوريين في الكونغرس الأميركي، ولكنها الآن أصبحت تتجذر كسياسة إجماع.
وقد تباينت ردود الفعل حول هذا الموضوع محليا واقليميا وعالميا. وسأتطرق الى بعض ردود الفعل على الصعيد الأردني.
ففي مقالته "تفكيك الأردن أم تفكيك إسرائيل"، يقول الكاتب ناهض حتر بأنه قد تبدو هذه الأطروحة، للوهلة الأولى، متناقضة مع السياسة الرسمية، الفلسطينية والأردنية. "ولكن، بالتدقيق، سوف نجد أن ذلك التناقض يكمن في الشكل والتفاصيل، وليس في الجوهر، ما يجعل التفاوض، بشأن حله، ممكنا".
وقد قام الكاتب جهاد أبو بيدر بالرد على الكاتب ناهض حتر بمقالة عنوانها:محنة ناهض حتر ما بين "الفوبيا الفلسطينية" و"الخيال السياسي المرعوب". وفيها يقول: "عاد ناهض حتر الكاتب اليميني حاليا، اليساري سابقا الى تكرار اطروحاته بشان القضية الفلسطينية والمتمثلة بضرورة" تطهير الاردن من الديمغرافيا الفلسطينية"، بغض النظر عن الابعاد التاريخية او القانونية او الحقوقية لهذه الديمغرافيا وممارسة عملية ترانسفير تدريجية لها لاعادتها الى الاراضي الفلسطينية تحت شعار الحرص القاتل "لممارسة حق العودة" في مقاربة تذكرنا باطروحات اليمين الاسرائيلي المتطرف حيث يرى الكثير من المراقبين ان طروحات "الانعزاليين" وحتر انموذجا لهم لا تتلاقي فقط مع الليكوديين الاسرائليين بل تخدم هذه الاطروحات بعضها البعض باتفاق مشترك على جثة "الديمغرافيا الفلسطينية" او مصير الشعب الفلسطيني ومستقبله). والى كل من يؤيد فكرة اعتبار الأردن وطنا بديلا للفلسطينيين، أقول: فلسطين، أرض عربية الى أبد الآبدين؛ أرض الدموع والأحزان؛ أرض المعارك وصراع الارادات؛ الأرض المقدسة باتت اليوم تستغيث من ظلم ذوي القربى أكثر. فقد خبرت التعامل مع جلاديها وأدركت خفايا وخبايا سياساتهم، وأعلنت تحديها منذ البدايات، عاقدة العزم على أن لا تحيا الا في عالمها ووسطها العربي، مؤكدة على جذور انتمائها الكنعاني القحطاني. ناطقة بلغة الضاد، تنكسر على حدودها التاريخية كل مؤامرات الابادة وطمس هويتها الحضارية العربية. مصطلح "فلسطين التاريخية" قفز اليوم عنوة إلى سطح الأحداث واقتحم بخطى ثابتة مفردات الفضائيات العربية والعالمية رغما عنها، وأصبح حديث النخب السياسية والشعوب العربية. بعد أن جهد الإعلام الصهيوني لطمسه من قاموس اللغة، وبالمقابل طرح مفردات بديلة في "سوق العهر السياسي" يتم دراستها بدقة متناهية من قبل خبراء صهاينة متفرغين ومتخصصين في "حرب المصطلحات" تتماهى مع مصالح الكيان الصهيوني المصطنع ليصار إلى ترديدها عبر وكالات الأنباء الغربية التي تتلقفها ضمن مخططها الرامي إلى تزوير التاريخ وتبديد الحقوق ليعاد تصدير تلك المفردات ذات "المنشأ الصهيوني" وضخها في وسائل إعلامنا العربية التي تتناقلها بسذاجة دون التمحيص في آثارها الكارثية على حقوقنا وثوابتنا كأمة. وسائل الإعلام العربية عليها أن ترتقي إلى مستوى الحدث وتعلم أن المسؤوليات الملقاة على عاتقها جسام وأن دورها محوري، فبتمسكها بثوابت أمتها ستساهم بشكل مفصلي في ترسيخ حقوقنا، أما إذا استمر إعلامنا باتباع سياسة التلقي وترديد المصطلحات الغربية فلن تقوم لنا قائمة وسنبقى في ذيل الأمم وعبيدا لقوى الجبروت القاهرة. طرحنا للمصطلحات التي تتماهى مع مصالحنا كأمة عربية وإسلامية هو"فرض عين" على كل مؤسسة إعلامية عربية. وهو ذاته الذي سيعين قادتنا العرب على"الاستفاقة" من غفوتهم حين يستلهمون طاقتهم وقوتهم من ضمير شعوبهم. يدرك الجميع أن النظام الرسمي العربي قد أسقط من حساباته مفهوم فلسطين التاريخية، وذلك عقب ذهاب مصر السادات إلى كامب ديفيد، وتأكد الأمر بمؤتمر مدريد واتفاقيتي وادي عربة وأوسلو، وكان الإجماع العربي على شطب المصطلح في قمة بيروت 2002، من خلال ما عرف بالمبادرة العربية للسلام، التي أشارت لاعتبار "إسرائيل"حالة كيانيه سياسية طبيعية في المنطقة، وتم فيها إعادة تعريف فلسطين بذلك المقطع العرضي المسمى فلسطين 1967، ليوقّع العرب عندها على قرار التقسيم ويشرعوا القرارات الدولية المنحازة للصهاينة.
ما سبق يعتبر حالة طبيعية.
فالنظام الرسمي العربي فاقد للشرعية الشعبية، وهو في الذهنية الشعبية العربية حالة طارئة مستبدة، وعلى أحسن الأحوال، مكرهة لا تملك زمام أمرها وغير مؤهلة لاتخاذ قرارات تاريخية، بحجم التنازل عن فلسطين والمساومة عليها بأي حال من الأحوال.
لكن مفهوم فلسطين التاريخية، وحدودها من البحر إلى النهر ظل حاضراً الى حد ما في أجندة بعض الأحزاب العربية ذات الانحياز الشعبي، وشكلت الأحزاب الإسلامية الى حد ما وعلى اختلاف مشاربها ومواقفها وخطابها السياسي حاضناً وحافظاً لهذا المفهوم والتعريف والمصطلح. ربما من الصعب الآن أو ربما مفقود منهجية العمل السياسي العربي والفلسطيني على قاعدة فلسطين التاريخية، ولقد أتى ذلك من الإنهيارات السياسية وعملية الجزر في المد القومي العربي التي أعقبت وفاة زعيم القومية العربية جمال عبد الناصر، فلقد انهارت كل أسس الطرح القومي على قاعدة الإنقلابات السياسية التي حدثت وأهمها في مصر وتصدر أوراق كامب ديفيد على واجهة العمل الإقليمي والدولي لأكبر دولة مؤثرة تاريخا وحضارة وعملا في المنطقة وأعقب ذلك انهيار المد القومي ما طرحته بعض الفصائل الفلسطينية بضرورة تبني الحل المرحلي وخاصة منذ عام 1974 حينما طرحت النقاط العشر، والمدهش في الحل المرحلي أنه كان تبويبا لإحداث انهيارات سلوكية وفكرية وسياسية وأمنية في العمل الوطني الفلسطيني بصفة عامة، وبصفة خاصة انعكس على أداء الثورة الفلسطينية التي كانت قاعدتها الأساسية في دمشق- بيروت وكانت اتجاه الرياح السياسية تقول أن الثورة الفلسطينية في طريقها لتجميد العمل أو اعطاء هلامية للعمل العسكري على حساب خطوط ردود الفعل التي مارسها زعماء الثورة الفلسطينية في اتصالات مباشرة أو غير مباشرة مع قوى مختلفة وأحزاب مختلفة اسرائيلية بدءا من يوري أفنيري وغيره، هذا بخلاف المبعوثين إلى فرنسا وبريطانيا والنمسا لفتح قنوات خلفية للحوار مع"إسرائيل" في حين أن الثورة الفلسطينية إذا اعتبرنا أنها ثورة شعبية لم تحقق أي انجاز ميداني بغير ما حققه أطفال" الآر. بي. جي" في الجنوب اللبناني وسمي "فتح لاند"، والتي تم استغلالها وبدون نضوج في مرحلية عمل الثورة لإحداث مزيد من الإنفتاح من القنوات السياسية مع"إسرائيل".
حكاية سليمان والسيدتين المدعيتين بأمومتهما لطفل واحد حكاية شهيرة والأشهر منها ما اعتمد عليه سليمان في حكمه بين السيدتين حين اقترح عليهما أن يقوم بقسمة الصبي بينهما مناصفة فرفضت ألأم الحقيقية فكرة تقاسم ابنها مع الأخرى بينما وافقت المدعية فأعطى الطفل لمن رفضت لأنها الأحق، طوال عمري وأنا أعيش حالة من التشكيك في تلك الرواية وسؤال عجيب يراودني ماذا لو كانت الأخرى هي ألام الحقيقية وأنها فضلت لابنها الموت على العيش في كنف الغرباء أو أنها اعتقدت أن تلك الاجابة قد تعيد لها ابنها وأنها حاولت مجاراة سليمان في فكرته فقد تكون بساطتها قادتها للاعتقاد بأنه لا يجوز مناقشة مقترحات من بحكمته، وان السيدة الأخرى كانت من الوقاحة لدرجة ناقشت سليمان ورفضت فكرته فتنازل أمام إصرارها، مثل هذا النقاش يتبادر إلى ذهني متلازما مع المواقف المتناقضة من بلادنا فلسطين وموقفنا نحن الفلسطينيون من ذلك وموقف الإسرائيليين الذين يصرون على أن فلسطين واحدة بينما نحن المالكين الشرعيين لها نوافق علنا على تقاسمها قسمة غير عادلة أبدا، فنحن نعطيهم الجزء الأكبر والأفضل ونكتفي بما تبقى من جزر مفتتة تحت سيطرتهم، فلو كان سليمان حيا هذه الأيام لكان اتخذ قراره لصالح الإسرائيليين على قاعدة أن الأم لا يمكن أن تقبل قسمة طفلها مع الغرباء، ذلك يؤكد أن السذاجة غير مقبولة بالقضايا ألمصيريه ومن غير المعقول أن يبدأ صاحب الحق بالتنازل عن حقه علنا وبدون ثمن وحتى دون أن يطلب منه أحد إظهار كرمه بما هو حق له وان التنازل ليس كرما حين يتعلق الأمر بالقضايا المصيرية، فالوطن ليس حصان حاتم الطائي أبدا فقد تلد فرسا أخرى حصانا بديلا للحصان الذي أطعم للضيوف لكن القدر لن يلد أوطانا بديلة لمن يسلمون بتقسيم أوطانهم.
اليوم، يوجد ما يزيد عن الـ10 ملايين فلسطيني في العالم، نصفهم يعيشون تحت الاحتلال في فلسطين التاريخية، فيما يعيش الآخرون في المنفى على حدود نفس المنطقة. وحيث انهم محرومون من حقوقهم الاساسية، فانهم يطورون مقاومتهم ضد"دولة اسرائيل"التي لم تحد عن رغبتها في سحق اي شكل من اشكال المقاومة وبكل الوسائل المتاحة، سواء من خلال المواجهة المباشرة او من خلال افتعال حرب بين الفلسطينيين.
ان الشعب الفلسطيني يرفض "التسوية التاريخية"، كما يرفض تسليم جزء من ارضه، والدليل على ذلك تمسك اللاجئين بحق عودتهم الى اراضيهم الاصلية التي احتلت من قبل"اسرائيل": يافا، حيفا، عكا، وطبريا وغيرها.
ومن هنا نقول ان الغاء وتعديل بعض بنود الميثاق الوطني الفلسطيني عام 1994 في غزة أمر مرفوض جملة ونفصيلا لأن هذا الأمر يعني التنازل عن أكثر من ثلثي أراضينا التاريخية والاعتراف بالكيان الصهيوني والغاء حق العودة.
ان التنازل عن هذه الحقوق يعني التنازل عن الهوية الوطنية..وتبقى مسألة شرعية "اسرائيل" هي لب الصراع، ويجيب عنها الفلسطينيون يوميا من خلال مقاومتهم في المناطق المحتلة عام 1948 وعام 1967 على حد سواء.
ان التنازل عن هذه المطالب الفلسطينية وعن تاريخها من قبل البعض في حركة "التضامن" هي في واقع الامر حماية لاستمرارية دولة "اسرائيل" الاستعمارية تحت ذريعة أمن اليهود "المضطهدين" بما يسمى "اللاسامية" والذين يحتاجون الى "وطن قومي".
ان الحل القائم على دولتين يلعب هذا الدور الحمائي ايضا، ولكنه مجرد طعم، انه حل غير قابل للحياة بسبب النظام الاستيطاني الذي يقف عقبة امام حقوق الفلسطينيين.
اننا لن نتنازل عن فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر ومن رفح جنوبا حتى رأس الناقورة في الشمال.. مؤكدين أن أرض فلسطين ارض عربية لا يمكن لأي فلسطيني او عربي او مسلم أن يتنازل عنها مهما طال الزمن. نحن لا نفهم سوى ان فلسطين فلسطين وان السيادة تعني سيادة عربية فلسطينية على كل شبر من اراضي فلسطين التاريخية. ففلسطين لا تقبل القسمة على اثنين هنا، فاما ان تكون محتلة واما ان تكون تحت السيادة العربية الفلسطينية. ونحن لسنا في عجلة من أمرنا وتحرير فلسطين إذا لم يحققه هذا الجيل يمكن أن يحققه الجيل القادم.
ومن هنا نقول ثانية ان الصهاينة بتصريحاتهم وقوانينهم العنصرية وخاصة ما طرحه العنصري الحاقد الداد يحاولون حرف النقاش، بنقل المشكلة إلى الأردن وكأن الأردن أرضاً بلا شعب، حتى يمنحوه لشعب بلا وطن. ونقول بأن الداد وليبرمان وزعيمهم نتنياهو وغيرهم من الصهاينة غير قادرين على وقف عجلة الحياة، أو منع الفلسطينيين من استرداد حقوقهم، المسألة مسألة وقت وإنضاج الظروف والعوامل المواتية التي تحيط بالإسرائيليين وتطبق خناقها عليهم حتى يرحلوا، كما رحل كل الغزاة من قبلهم. وعلى الشعب الفلسطيني بكل قواه أن يلتف حول مقاومته الفلسطينية لأن المقاومة هي الخيار الوحيد والأوحد لتحرير كامل التراب الفلسطيني.
سيبقى الأردن للأردنيين، وفلسطين للفلسطينيين، وأما الغزاة فالى الجحيم. د. صلاح عودة الله، القدس المحتلة