الحريري الإبن على أبواب تحديات واختبارات وأسئلة

لندن
خطوة مختلفة

سيتاح للانتصار الذي سجله تحالف 14 آذار في الانتخابات اللبنانية التي جرت الأحد، لا ان يعيد تشكيل "حكومة الأغلبية" فحسب، بل وأن يقدم رئيس وزراء جديدا أقدر من سلفه على إدارة شؤون هذه الحكومة أيضا.
وسعد الحريري هو المرشح الأوفر حظا لتولي هذا المنصب خلفا لفؤاد السنيورة. فبعد عدة سنوات من "التدريب" الاجباري على ألعاب السياسة اللبنانية وتقلباتها، يبدو الحريري مؤهلا لتولي منصب، فعل حسنا عندما تحاشاه عقب اغتيال والده رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري في فبراير/شباط 2005.
ولكن السؤال الأول الذي سيواجه الحريري الأبن هو ما إذا كان سيجلس على مقعد أبيه، أم على مقعده هو؟ بمعنى، هل سيتابع ما كان الحريري الأب يفعله، أم أنه سيشق لنفسه طريقا خاصا به، يلائم المتغيرات الجارية؟
بدايةً، ادلى الحريري بتصريحات عقب الإعلان عن فوز تحالفه في الانتخابات تدل على نضج وعقلانية وحكمة.
فهو قال "ان الرابح الكبير هو لبنان ولا رابح وخاسر في الانتخابات". وتوجه الى الخاسرين بالقول "واجبنا ان نسمع اصواتكم اولا، وان نسمع قبل كل شيء الارادة العميقة والصادقة لجميع اللبنانيين". ووعد "بان نمد الايدي وان نشبك الهمم لنعود جميعا ومعا الى العمل بجد وجدية من اجل لبنان".
وهذه بداية طيبة، ويمكنها ان تمتص الكثير من التوتر من اجواء ما يزال سلاح حزب الله يمثل تهديدا داخليا ملموسا لاستقرارها.
ولكن البداية لا تقدم وعدا نهائيا بحسن المجرى الذي قد تمضي فيه الحكومة اللبنانية الجديدة.
هناك حاجة أولا، لتجريد حزب الله من سلاحه السياسي قبل تجريده من سلاحه العسكري. فحزب الله يبرر سلاحه بوطنية لا يوجد ما يدل عليها. ويجدر بأي حكومة لبنانية أن تسحب هذا البساط من تحت قدم حزب إيراني الهوى والهوية.
يجدر بسعد الحريري، في هذا الإطار، ان يقدم لتحالفه مشروعا وطنيا، ومستقلا، ينأى بلبنان، كما بكل اطرافه، عن التورط في تحالفات إقليمية تشوه الصورة الوطنية الجامعة لتلك الأطراف.
هذا الخيار سيدفع حزب الله الى أحد خيارين، أما التسليم بوطنية الدولة اللبنانية وبالتالي أهليتها لتكون القوة الوحيدة الحاملة للسلاح. أو التصعيد على أسس مكشوفة لخدمة المشاريع الإيرانية.
ارتباط حزب الله بإيران لا يمكن التغلب عليه بارتباط أطراف التحالفات المضادة بقوى إقليمية أخرى.
فهذا خيار فاشل، وجربه اللبنانيون طويلا وكان بمثابة وصفة دائمة لاستمرار التنازع الدموي فيما بينهم.
وجود دولة قوية، وحكومة تحمل مشروعا وطنيا، تدافع عن إستقلال وسيادة وتحرر كل شبر من أراضي لبنان، هو وحده الذي يمكنه أن يُبطل مشروع حزب الله، ويكشف طبيعته الإيرانية غير الوطنية.
ولكن هناك تحديات أخرى أيضا.
فلدى الحريري الفرصه لكي يصبح زعيما وطنيا بمعطياته الذاتية، وليس بوصفه خليفة لوالده.
لقد تولى الحريري الأب السلطة في بيئة سياسية مختلفة تماما. وفي ظل خريطة مختلفة أيضا.
يجدر بالحريري الأبن أن يدرك إن أباه تحول الى زعيم وطني لأنه قدم مشروعا اجتماعيا تنمويا قبل أن يقدم مشاريع استثمارات لدعم السلطة.
الظروف الراهنة تتطلب من الحريري الإبن أن يبدأ من السياسية أكثر مما يبدأ من الاستثمارات والتنمية. وأول المداخل الضرورية هي أن يظهر كزعيم توحيدي، من ناحية، ووطني من ناحية أخرى.
ثم إن عليه أن يعيد تنظيم تحالفاته لتجري في هذا السياق. وهو ما يعني أن يدفع القيادات الدرزية والمارونية الى أن تتبنى خطابا توحيديا ووطنيا أيضا، ويدفعها في الوقت نفسه الى أن تتخلى عن مشاغبات الصخب ولغة الشطط التي سادت أجواء السنوات الأربع الماضية.
لقد دخل لبنان منعطفا خطيرا باغتيال الحريري الأب، إلا أن لبنان خرج سالما نسبيا من هذا المنعطف، بل وأكثر ميلا الى الإستقرار وأكثر قبولا لمتطلبات التعايش مع أوضاعه الخاصة.
اما الحريري الأب، فقد رحل. وهو لن يعود، ويحسن طي صفحة التوترات المتعلقة بجريمة الاغتيال وتركها لما تقرره المحكمة الدولية الخاصة.
يجدر بالحريري الإبن ان يدرك أيضا إن دعم السعودية ضروري. إلا انه ليس كافيا. فالسعودية تدعم النجاح الذي يتوجب أن يحققه هو. وبناء على هذا النجاح فقط يمكن تصور بقاء ذلك الدعم.
سوريا قد تمثل اختبارا مهما لرئيس الوزراء المقبل. فالحريري لا يستطيع ان يخطو بنجاح أي خطوة الى الأمام إذا لم يظهر استعدادا للتعاون مع دمشق. وأن يتقدم الى ذلك التعاون بروحية وبلغة إيجابية.
فحتى وإن كان التعاون يثير في نفسه غصة، فانه قد يستطيع أن يبلعها، إلا انه لا يستطيع أن يجعل منها عائقا. فربّ العوائق الدمشقي سيظل قادرا على أن يملأ طريقه بالأشواك إذا شاء. وهذا وضع لا أحد بحاجة اليه.
التحدي الآخر، يبدو شخصيا وعائليا ولكنه ليس قليل الأهمية. فالحريري الأبن، إذا اختار أن يكون رئيسا للوزراء فان واحدة من أهم البدايات الضرورية لنجاحه هي أن يترك المال والثروة لمن يقدر على إدارتها في أسرته، لينشغل هو بعالم السياسة.
الجمع بين المال والسياسة ربما كان موهبة عظمى من مواهب الحريري الراحل. وهو ربما دفع حياته ثمنا لذلك الجمع المتفجر. ولكن إذا افترضنا أن الحريري الإبن هو حريري آخر، مستقل، ويمشى بقدميه الخاصتين، فان رئيس الوزراء المقبل سيكون واحدا من انجح ما عرف لبنان إذا تفرغ لهذه المهمة. فهي معقدة بما يكفي. ويتطلب النجاح فيها تركيزا خاصا. ومع النجاح يمكن للمال أن ينمو. وليس العكس.