الساكن الجديد

قصة: مصطفى نصر
ما الذي حدث؟

دله أحد بلدياته على هذا البيت ليسكنه، وقتها قابلته صاحبة البيت في ريبة، نظرت إلى ملابسه في دهشة، فهي تسكن عادة الذين يأتون من قراهم ليعملوا شهور الصيف في الإسكندرية، ويتركون أكواخ السطح في الشتاء، يعودون إلى قراهم يعملون في الزراعة. لكن هذا الوافد الجديد يرتدي القميص والبنطلون، ويضع نظارة طبية على عينيه. قالت:
- ماذا تعمل؟
- إنني طالب في كلية.
مصمصت شفتيها عجبا وقالت:
- وما الذي رماك علينا؟!
- لا أجد سكنا.
- ستسكن مع اثنين غيرك.
أحس بالخوف من التجربة، فصمت، كيف سينام مع آخرين لا يعرفهم؟! صاحت في حدة:
- قل لي، وافقت أم لا؟
أومأ برأسه مضطرا، فسارت وسار خلفها، صعدا درجات السلم، وصعدت السطح الكبير الممتلئ بالأكواخ.
فتحت قفل باب الكوخ المواجه للسلم، وأفسحت مكانا ليدخل قبلها، كانت هناك أشياء ملقاة على الأرض، وملابس معلقة على مسامير مثبتة على الأعمدة الخشبية.
رمى حقيبته، ففردت يدها أمامه، فأخرج الأجرة - قروش قليلة - وضعها في يدها، فحملت طرف ثوبها وهزت جسدها وسارت تتبختر.
فرد جسده على أرض السطح الأسمنتية، أحس بالراحة، ساعات طويلة وهو منتصب، يسير من مكان لآخر باحثا عن مكان ينام فيه في هذه المدينة التي يأتيها لأول مرة.
لم يحس بشيء، أيقظته الجلبة، شابان يرتديان الملابس البلدية، يقفان أمامه، أحدهما يحمل طبلة، مغطاة بقطعة قماش من العبك المتسخ.
قرفص على الأرض، فابتسما له:
- أنت الساكن الجديد؟
جاءت فتاة نحيفة وأمها من الكوخ المجاور يحملان الأطعمة، سألت الفتاة:
- ستتناولان الطعام هنا، أم في كوخنا؟
قال الشاب الذي مازال يحمل الطبلة:
- هنا، لكي يشاركنا الساكن الجديد طعامنا.
أراد أن يعتذر، أو أن يرفض بإصرار، لكن الفتاة النحيفة الطويلة انحنت على ركبتيها، ولامست ساقيه قائلة:
- لن نمد أيادينا إلا إذا أكلت قبلنا.
وضعوا الطبلية التي كانت مرتكنة على حافة الكوخ، ووضعوا أطعمة كثيرة. كانوا يضحكون ويسخرون من أشياء كثيرة طوال الوقت؛ مِن صاحبة البيت البدينة المتصابية، ومن رجال ونساء لا يعرفهم.
عرف أن المرأتين ترقصان، وأحد الشابين يدق على الطبلة، والآخر يرقص بالصاجات. إنهم لا يعملون في مكان محدد. يطوفون الشوارع، إذا ما وجدوا أنوارا تنبيء عن وجود حفل؛ يدخلون البيت ويدقون الطبلة والصاجات وترقص المرأتان، ويلحون على الموجودين في الحصول على "النقطة"، حتي يجنوا منهم مبالغ كبيرة.
جاءت أم الفتاة بالوابور من الكوخ الآخر، أشعلته وهي تضحك وتهز جسدها وعينيها، بُهرت الفتاة عندما علمت أنه طالب في كلية؛ فجلست بجواره، التصقت بجسده، والشابان الآخران يتابعنها في ابتسام. قالت الأم وهي تضع الماء على النار لتعد الشاي:
- تعرف الحساب.
- أعرفه.
- من الآن، ستحسب النقود التي نجمعها كل يوم، وتقوم بقسمتها بيننا بنفسك.
أخرج الشاب الطبلة من مكمنها، أمسكها في حرص، فنظروا إليها باهتمام، المرأة التي تعد الشاي لفت رقبتها ولم تعدلها إلا بعد أن وضع الشاب الطبلة بين ساقيه، إنها أغلى شيء يملكونه.
دق الشاب عليها، فهزت الفتاة جسدها فرحة، وهي تتابع الوافد الجديد.
إنهم يجمعون أموالا كثيرة، يدورون شوارع الإسكندرية بحثا عن الأفراح، أحيانا يعودون دون شيء. فلا يجدوا طعاما يأكلونه.
صبت المرأة الشاي في أكواب صغيرة، وركنت ظهرها على حافة الكوخ الصفيحي، ومدت ساقيها في تلذذ، ورشفت الشاي بصوت مسموع، وهي تتابع الشاي في الكوب خشية أن ينفد فجأة.
بعد وقت قصير أحست المرأة بالرغبة في النوم فشدت ابنتها لتدخل الكوخ معها، لكن الفتاة لم ترغب في ذلك، تريد أن تتحدث مع ذلك الطالب الفقير الذي اضطر أن يشاركهم طعامهم ونومهم.
عندما سارت نحو الباب، لوحت له بيدها.
**
مرت الأيام مسرعة، يذهب إلى كليته كل يوم، ويعود قبل العصر بقليل، يفتح القفل، ويدخل الكوخ، يضع ورق الجرائد على الطبلية ويستذكر، لا يتناول طعامه إلا بعد أن يعودوا مساءً، يشتري "الهريسة" للفتاة، يخفي الشيكولاتة التي قد يهديها له أحد أصدقاؤه، ويعطيها لها.
سمع صوت احتكاك أحذيتهم بدرجات السلم، لكنه لم يسمع صوت ضحكهم وغنائهم ككل ليلة، سمع صوت دخول المفتاح في قفل الكوخ المجاور، لم يأتوا إليه ككل ليلة، لم يرموا في قفطانه ما جمعوه من الناس ليعده ويقسمه بينهم، لم يسمع لهم صوتا. قام فزعا، كانت الفتاة باكية، والمرأة تربط رأسها بإيشاربها من شدة الألم والحزن، والشابان ينظران إلى الأرض في حزن.
- ما الذي حدث؟
لم يجب أحد، تابعهم في دهشة. رأي شكل الطبله متغيرا، قماشة العبك المتسخ ملقاة في إهمال فوق الحصير البلاستيكي، انحنى ومد يده ناحيتها، أمسكها بحرص. أخرج الطبلة من مكمنها، كانت مكسورة.
- من الذي كسرها؟
لم يجبه أحد، لكن الفتاة والمرأة انخرطتا في البكاء، والشاب الذي كان يدق عليها بكي في حرقة فتبعه الآخر.
قال هو: لماذا كل هذا الحزن؟
صاحت المرأة في صوت كالعديد: من أين لنا بثمنها؟
واكملت الفتاة:
- ما نجمعه من الناس ننفقه على أكلنا وشرابنا.
- والعمل؟!
خرج في الصباح إلى كليته، وترك الشابان نائمين كالعادة، لكنه عندما عاد ككل يوم، وجد صاحبة البيت أمام باب شقتها ممسكة بطرف ثوبها قائلة:
- جيرانك تركوا الكوخين، انتظر جيران آخرين خلال يوم أو يومين.
مصطفى نصر ـ الإسكندرية