خزانة الحكايات

قصة: وسيمة الخطيب
كم أنت بديع

أعتادت نساء عائلتي أن تحيك كل منهن ثوباً لحكايتها تضعنه في خزانة كبيرة عتيقة قابعة في بهو منزل العائلة القديم شاهدة على تاريخ حافل بنساء مختلفات متشابهات فهذا تقليد العائلة.
منزل العائلة هو الأقدم بين منازل القرية تحيطه الأشجار من كل جانب مقسمة أن تحرسه ما بقيت واقفة.
ترددت كثيراً في الذهاب للقرية حتى أتم حياكة ثوبي الذي لم يكتمل خاصة وأني لا أحب سكون القرية، فضجيج المدينة يمتعني وصخب أبنائها يؤنس وحدتي لكن لابد وأن أنهي ثوبي فقد تزوجت لتوي وهذا تقليد العائلة.
الفتاة في عائلتي لا تزل تحيك ثوب حكايتها منذ بلوغها وحتى زواجها عندئذ لا يمكنها إضافة أي لمسات على ثوبها بعد إنجابها لأول مولود وهذا تقليد العائلة.
وهن مختلفات كأثوابهن حتى ينجبن يصبحن متشابهات محبات لأولادهن مطيعات لأزواجهن وفنانات في تعليم بناتهن حياكة أثوابهن، وقد علمتني أمي كيف أحيك ثوبي وحذرتني كثيرا من أن يفتق مني فنساء العائلة لا يرحمن من يفتق منها ثوبها ينلن منها أما بنظرات لائمة أو همسات لئيمة بكلمات مؤلمة أو حسرات أليمة وقد علمتها أمها كيف تحيك ثوبها جيدا وأمها قد تعلمت بدورها من أمها التي كانت تحذرها من أن يصاب ثوب حكايتها فهذا تقليد العائلة.
والرجال في عائلتنا لا يرون ما بداخل حزانة الحكايات أبداً غير أنهم يحافظون عليها كحفاظهم على رجولتهم فالخزانة هي سر الأسرار.
دخلت من المدخل الرئيسي للمنزل القديم والذي تحيطه أشجار الحديقة دائمة الخضرة صامدة حارسة للمنزل الكائن في منتصف القرية لأجد خزانة الحكايات وقد خطفت بصري إليها تملؤني رغبة شديدة وفضول أشد لأشاهد ثياب حكايات نساء عائلتي لعلي أرى فتقاً في ثوب إحداهن لم تستطع أخفاءه، أو لم تأخذ حذرها وهي تحيكه واندهشت كثيرا لهذا الفضول المتمكن مني والذى طالما استنكرته في نساء عائلتي وتذكرت أني ماعدت مختلفة بل أنا الآن أشبههن.
فتحت الخزانة فلم أجد رائحة أمي الذكية التي كانت تملأ أنفي وتملك فؤادي وهي تضمني إلى صدرها هامسة في أذني يوم زواجي بسر لا يعلمه إلا نساء العائلة وهو أنهن لسن متشابهات كما يتصور أهل القرية فلكل واحدة منهن عطر مختلف كاختلاف أثواب حكاياتهن بل ويظل كل ثوب محتفظا بعطر صاحبته المميزة شاهداً على حكايتها ومفشيا السر.
لم أصدقها أبدا فهي مثل أمها التي تبدو تماماً كأمها التقطت ثوب حكايات أمي القرمزي ذا الجيوب الواسعة.
كم أنت جميل أيها الثوب. تشممته فوجدت رائحة أمي. نعم أعرفها جيدا وهذا ثوب أمي فلكل واحدة من نساء عائلتي ثوب يحمل لونا مختلفاً ولابد وأن تحمل الثياب جميعا عطر أمي.
التقطت ثوب جدتي ذا اللون الزهري. أصدقت أمي؟! تناولت ثوب خالتي .. إنه عطر جميل لكنه ليس لأمي. أكانت لأمي نفس الرائحة قبل زواجها ولم تتشابه مع الأخريات بعد زواجها؟! بقيت رائحة أمي كما بقي الثوب في خزانة الحكايات.
التقطت ثوبي – ثوب حكايتي - الذي بدأت حياكته مع إشراقة شمسي. كم عشقت هذ الثوب الأحمر ذا الوردة السوداء الكائنة يسار صدري فقد وضعتها لأخفي فتقا صغيرا أصابه وأنا أحيك حكايتي كما علمتني أمي التي علمتها أمها أسرار حياكة أثواب الحكايات فهذا تقليد العائلة.
اليوم فقط أدركت السر الذي تعرفه كل نسائنا والذي لا يعلمه سواهن فهن لسن متشابهات كما يصورن، فلكل منهن رائحتها الباقية منذ إشراقة شمسها حتى المغيب فلا أحد له أن يرى ثياب حكاياتهن أو يعلم بعيوب صنعها ولا يعلم أحد سر الأسرار إلاهن.
كم أنت بديع أيها الثوب الأحمر ذو الوردة السوداء الكائنة يسار صدرك. كم تمنيت أن أحتفظ بك أو ارتديك لتقص حكايتي فلذلك خلقت لا أن أخبئك في هذه الخزانة القابعة في جوف الدنيا ولكن هذا تقليد العائلة.
تحسست بطني المنتفخة وأخذت ثوبي لأحتفظ به وسأعلم ابنتي كيف تحيك ثوب حكايتها وأحذرها أن يفتق منها وأن تجعله أحلى الثياب كما علمتني أمي لعلها تستطيع أن ترتديه يوماً ولا تخجل عندما يحكي حكايتها. وسيمة الخطيب ـ القاهرة