هل يعدّ براون أيامه الاخيرة في السلطة؟

لندن
محللون: مصير براون السياسي سيتحدد خلال ايام قليلة

يواجه حزب العمال البريطاني أزمة سياسية حادة هي الأعمق، منذ وصوله الأخير إلى السلطة في أيار/مايو 1996. فالحزب الذي قاد البلاد لمدة قياسية على مدى ثلاثة عشر عاماً، يبدو اليوم مترنحاً داخل عاصفة سياسية قد تنتهي به خارج السلطة.

وقد بلغت هذ الأزمة ذروتها خلال الأيام القليلة الماضية، بعد أن اختار أكثر من عشرة مسؤولين حكوميين عماليين الاستقالة من مناصبهم، واضعين رئيس الحكومة غوردون براون في مأزق، يبدو أنهم يريدونه أن يتعمّق لدفع رئيس الحكومة للتنحي.

وتتفاعل الأزمة على الرغم من الردّ السريع الذي أبداه براون عندما أعلن عن إجراء تعديلات في حكومته، جاء من خلالها بشخصيات مقرّبة منه. وحدث ذلك بعد أن كان براون يبدي حرصاً على تشكيل حكومته من التيارات المختلفة التي تكاد تشقّ حزبه، لا سيما التيار الموالي له والتيار الموالي لرئيس الحكومة السابق توني بلير.
إلاّ أنّ الأنفاس لا تزال محبوسة في انتظار إعلان النتائج النهائية للانتخابات المحلية والأوروبية في البلاد، والتي تشير المعطيات الأولى إلى تراجع كبير لحزب العمال فيها، لصالح حزبي المحافظين والأحرار.

ويعتقد مراقبون للأوضاع السياسية البريطانية أنّ مستقبل براون سيتبيّن أكثر خلال أيام أو حتى ساعات، لا سيما مع وجود محاولات من قبل بعض النواب العماليين للترويج لعريضة تطالب براون بالتنحِّي عن زعامة الحزب وبالتالي الحكومة. وهي عريضة يعتبر كثيرون أنها لن تحقق غايتها، لعدم رغبة غالبية النواب العماليين باستعمال هذا الأسلوب لإبعاد زعيمهم.

سياسي محنك في الوقت الخطأ

ويرى مراقبون كثر أنّ هذا التدهور الذي يعانيه زعيم حزب العمال البريطاني غوردون براون يحمل مفارقة، ذلك أنه في الواقع كان حتى شغله منصب رئيس الحكومة من أهم الشخصيات السياسية في البلاد.
فبراون الذي سطع نجمه بقوة خلال العشرية الماضية بعد أن وصل بالاقتصاد البريطاني إلى مستوى من النمو غير مسبوق في تاريخ البلاد، واعتُبر أهم وزير اقتصاد في تاريخ الحكومات البريطانية، هو في الأصل حاصل على دكتوراه في التاريخ. كما أنه دخل الحياة السياسية منذ صغره، وهو عضو برلمان عن حزب العمال منذ العام 1983.

وشغل براون في بداية التسعينيات منصب وزير الاقتصاد في حكومة الظل، وقد كان يستعد لتسلم زعامة حزب العمال في العام 1994، إلا أنه خسر معركة الزعامة لصالح بلير في آخر لحظة.
وتولى براون منذ فوز العماليين في العام 1996 وزارة الاقتصاد، والتي شغلها حتى تسلّمه زعامة حزب العمال ورئاسة الحكومة في 27 حزيران/يونيو 2007، خلفاً لبلير الذي دفعه حزبه للتنحي لصالح براون.

ويرى كثير من المراقبين أنّ براون رغم ما شُهد له به من كفاءة في ما سبق؛ لكنه جاء في الوقت الخطأ. فقد سلّمه بلير الحكومة، في وقت بدأت فيه ملامح الأزمة الاقتصادية العالمية تطل برأسها.
كما جاء براون في وقت شهد فيه حزبه تراجعاً كبيراً في شعبيّته لصالح حزب المحافظين، وذلك بسبب قرار حكومة بلير المشاركة في الحرب على العراق، وما خلفه ذلك من تداعيات على البلاد، عبرت عن نفسها بقوة بسلسلة من الهجمات التفجيرية شهدتها بريطانيا، وفُسرت كلها باعتبارها تداعيات المشاركة في الحرب.
وفي كل الأحوال؛ فقد سُجِّل على براون آنذاك أنه لم يُبدِ اعتراضاً على حرب العراق، بل مضى مبرِّراً لها كما تقتضيه التزاماته الرسمية داخل الحكومة.

مع ذلك، فقد حاول براون ونجح في العديد من المناسبات لتجاوز أزمات كثيرة اعترضته خلال السنتين الأخيرتين، وبالأخص التعاطي مع الأزمة المالية والاقتصادية العالمية والبحث في سبل حلها، ما استقطب اهتماماً دولياً غير مسبوق، جلب لبراون الكثير من الإشادة في الخارج دون أن ينتشله من مأزقه في الداخل.

بيد أنّ استمرار تراجع حزب العمال في استطلاعات الرأي ورفض براون وعدم قدرته أحياناً على تغيير أسلوب تعاطيه السياسي لا سيما فيما يتعلّق بطريقة حضوره السياسي وتجنّبه أسلوب بلير المعتمد إلى حد كبير على الصورة والدعاية، جعل الكثير من قادة حزب العمال لا سيما جناح بلير ينتقدون أداءه بشدة.
بل وتعالت أصوات كثيرة تحذر من أنّ استمرار براون في زعامة حزب العمال يعني بالضرورة الخروج من الانتخابات القادمة المتوقع إجراؤها في أيار/مايو المقبل بهزيمة موجعة.

تفاعلات الفضائح

فوق ذلك، فإنّ فضيحة الفساد المالي وما كشفته وسائل الإعلام البريطانية من حصول النواب على تعويضات مالية ضخمة على أشياء لا وجود لها أصلاً كالمساكن وغيرها، قد عمّقت هذه من أزمة الحكومة رغم أنها فضيحة طالت نوّاباً من جميع الأحزاب السياسية.
غير أنّ الاتهامات الحادة واهتزاز ثقة الرأي العام، قد انصبّت في مجملها على الحكومة باعتبارها هي المسؤولة على الدوام.

وتأتي الانتخابات المحلية والأوروبية التي جرت في البلاد الخميس، الرابع من حزيران/يونيو، لتمثل منعطفاً في تاريخ حزب العمال. إذ يصر تيار داخل الحزب على ضرورة رحيل براون عقب إعلان هذه النتائج، التي تشير نتائجها الأولية إلى تراجع العماليين.
ويبرِّر هؤلاء، وبينهم الوزراء المستقيلون، أنه خير للحزب تنحِّي براون والمجيء بزعيم جديد يُعدّ الحزب لمرحلة جديدة، ويؤهله لخوض انتخابات العام المقبل باقتدار.

هذا وستكشف الأيام القليلة الماضية على مدى نجاح هذا التيار "التغييري" في الضغط على براون لدفعه للتنحي ومدى قدرة رئيس الحكومة العالق في مصاعبه، على احتواء هذه الأزمة وإطلاق مرحلة جديدة بوجوه حكومية جديدة.
وتبدو الظروف الاقتصادية هي المحكّ الجوهري، وهناك من يرون أنّ براون هو الرجل المناسب لمعالجتها وإخراج البلاد من حالة الركود التي تعانيها بما قد ينتشل الحزب في اللحظة الأخيرة من الانزياح إلى حافة الهاوية. (قدس برس)