تجفيف اموال القاعدة.. أقصر الطرق لمكافحة 'الارهاب'

واشنطن ـ من محمود عبده علي
تغير جذري في التمويل بعد 11 سبتمبر

أولت الولايات المتحدة، منذ وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ايلول 2001 أهمية كبيرة لتمويل التنظيمات الإرهابية كجزء من استراتيجيتها الشاملة لمكافحة "الإرهاب"، وذلك انطلاقًا من قناعة مفادها أن القضاء على تمويل هذه التنظيمات، أو على الأقل الحد منه، سيسهم دون شك في إضعاف قدرتها.
غير أن التغيير الذي أدخلته "القاعدة" على نهجها في الصراع ضد الولايات المتحدة، والمتمثل في إدارة الصراع لا مركزيًّا بالاعتماد على الجماعات والخلايا المحلية في مناطق مختلفة مثل شمال أفريقيا، قد فرض تحديات جديدة أمام الجهود الأميركية لتجفيف منابع ما يسمى بـ"تمويل الإرهاب".

ولعل هذه التحديات الجديدة هي التي دفعت معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى لإصدار دراسة تناولت قضية تمويل الجماعات الإرهابية، من جوانب عدة، أهمها حاجة الجماعات الإرهابية للتمويل، والتغيير الذي طرأ على تمويل الجماعات الإرهابية بعد أحداث 11 من سبتمبر 2001، علاوة على جهود الولايات لمكافحة تمويل الجماعات الإرهابية.

وحملت الدراسة عنوان: "تعقب النقود.. إيجاد وتعقب وتجميد أموال الإرهابيين"، وقد أعدها كل من ماثيو ليفيت، مدير برنامج شتاين لمكافحة الإرهاب والاستخبارات بالمعهد ومايكل جوكبسون، الأستاذ المشارك بالبرنامج ذاته.

التمويل شريان حياة لـ"التنظيمات الإرهابية"

أشارت الدراسة، في البداية، إلى الأهمية التي يحظى بها التمويل لدى الجماعات الإرهابية، فعلى الرغم من أن القيام بعمل إرهابي فردي هو أمر غير مكلف من الناحية النسبية، فإن إقامة بنية تحتية لممارسة الأنشطة الإرهابية يحتاج إلى تكلفة عالية.

فالشبكات الإرهابية تحتاج إلى المال للتدريب والتسليح والإنفاق على عملياتها وتأمين المواد اللازمة لهذه العمليات. كما تحتاج التنظيمات الإرهابية المال للتجنيد والتدريب، والتخطيط للعمليات ورشوة المسؤولين الفاسدين.
فعلى سبيل المثال، بلغت الميزانية السنوية للقاعدة، قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، حوالي 30 مليون دولار، وذلك طبقًا للجنة الحادي عشر من سبتمبر. بل إن أحد فروع القاعدة وهو، تنظيم القاعدة في العراق، قد بلغت نفقاته في أربعة شهور من عام 2007 ما يقرب من 175 ألف دولار، ذهب نصفها لشراء أسلحة.

ونظرًا لهذه الأهمية التي يحظى بها التمويل، فقد أولت القاعدة أهمية كبيرة للقضايا المرتبطة به حتى قبل الحادي عشر من سبتمبر، حيث كان لديها لجنة مالية، والتي كان يرأسها الشيخ "مصطفى أبو اليزيد"، الذي عرف بحرصه الشديد على أموال القاعدة، حتى إنه اعترض على تمويل رحلة أحد عناصر القاعدة من أفغانستان إلى السعودية للحصول على "فيزا" للولايات المتحدة كجزء من التجهيز لأحداث 11 من سبتمبر 2001، ما دفع بن لادن إلى تجاوز "أبي اليزيد" واعتماد المبلغ.
ويظهر هذا الحرص على الأموال حتى على المستوى العملياتي، فطبقًا للجنة 11 من سبتمبر، فإن مختطفي الطائرات قد أعادوا الأموال التي لم يستخدموها ثانية إلى التنظيم قبل أيام من الهجمات.

ولم يقتصر الحرص على الأموال على تنظيم القاعدة الأم، حسبما تشير الدراسة، بل انتقل إلى فروعه المختلفة، فقد وضع تنظيم القاعدة في العراق عددًا من الضوابط الإدارية للتأكد من أن أموال التنظيم تنفق بعناية وفي المكان المناسب. وكان على منفذي العمليات تقديم استمارات موقعة توضح أنهم قد تلقوا الأموال وتشرح كيف أنفقوها.

تغير في طبيعة التمويل

نتيجة للضغوط التي تعرضت لها الجماعات الإرهابية بعد أحداث 11 من سبتمبر 2001، فقد عملت على إدخال تغييرات على طريقة جمعها ونقلها للأموال. وتشير الدراسة إلى أن فهم التغيرات التي طرأت على تمويل الجماعات الإرهابية خلال السبع سنوات الماضية، يتطلب ابتداء فهم طبيعة التطور الذي لحق بالتهديدات التي تمثلها الجماعات "الإرهابية" ذاتها، حسبما تشير الدراسة. فالتهديدات عبر القومية التي تواجه العالم اليوم تختلف كثيرًا عن تلك التي كانت تواجهه في 11 من سبتمبر 2001.

ففي 11 من سبتمبر 2001 كانت القاعدة هي التهديد الرئيس للولايات المتحدة، وكانت منظمة هيراركية مركزية، توجه العمليات الإرهابية حول العالم من خلال قاعدتها في أفغانستان. أما الآن فإن الولايات المتحدة تواجه تهديدًا مختلفًا وربما أكثر تعقيدًا مما كان عليه في خريف 2001، وهو تهديد آخذ في النمو رغم الضغط الأميركي والدولي.

فتنظيم القاعدة الأم، والذي استعاد توازنه مرة أخرى رغم الضربات التي تلقاها في الفترة بين عامي 2004 و2007، ما زال يمثل تهديدًا كبيرًا للولايات المتحدة. وهناك أسباب عديدة تفسر ذلك، يلخصها دونالد كير، نائب مدير الاستخبارات القومية، بالقول "إن القاعدة استعادت أو أعادت توليد عناصر أساسية من قدراتها، بما فيها قيادتها العليا، ومنفذي عملياتها، والملاذ الآمن في منطقة القبائل الباكستانية لتدريب ونشر العمليات في الغرب". بل إن التنظيم قد مد من سطوته خلال شراكات مع منظمات أخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وإلى جانب القاعدة هناك عديد من الجماعات "الإرهابية" المحلية التي ترتبط بصورة غير مباشرة مع القاعدة. وطبقًا للمركز القومي لمكافحة الإرهاب فإن هناك ما يقرب من 300 جماعة إرهابية نفذت هجمات في عام 2006، غالبيتها سنية. وطبقًا لوزارة الخارجية فقد تحول التهديد الإرهابي إلى نوع من التمرد العالمي. كما أشارت بعض الكتابات إلى وجود نحو 40 منظمة من بين المنظمات التي نشأت وأعلنت ولائها للقاعدة في الفترة من يناير/كانون الثاني 2005 إلى أبريل/نيسان 2007. وتقع هذا الجماعات في كل من سوريا والعراق ولبنان وأفغانستان والسعودية واليمن ومصر وعبر أوروبا وفي أماكن أخرى.

وترجع الدراسة التحول في التهديد الإرهابي إلى الجهود الأميركية والدولية بعد أحداث 11 من سبتمبر. فتزايد الضغط الدولي أجبر القاعدة على تغيير نهجها العملياتي. حيث اقتنعت القاعدة أنها ستكون أكثر فاعلية إذا بدأت في الاعتماد على الجماعات المحلية. ومن ثم أصبحت أقل مركزية مما كانت عليه في 11 من سبتمبر 2001.

واقترن تطور التهديد الإرهابي، بتطور وسائل جمع وحفظ وتحريك الأموال بشكل أعاق جهود الحكومة الأميركية لإيقاف تقدمها. وتشير الدراسة إلى عدة تطورات شهدها تمويل الجماعات الإرهابية، يتمثل أهمها في:

العولمة والتغير التكنولوجي. والتي كان لها تأثير كبير على التمويل الإرهابي. فبسبب العولمة تزايد حجم الأموال المتدفقة عالميا بصورة دراماتيكية. ففي عام 2000 كانت تحويلات العاملين حوالي 113 مليار، لكن بحلول عام 2006، تضاعف الرقم إلى نحو 225 مليار دولار.
ونتيجة للتحول الكبير في استخدام التكنولوجيا في التجارة الدولية، فقد حدثت تحولات في طريقة نقل الأموال، من قبيل استخدام تكنولوجيا "إم – بايمنت"، حيث تستخدم الهواتف الجوالة لنقل الأموال إلكترونيًّا، علاوة على زيادة أهمية نقل وتخزين الأموال عبر كيانات إلكترونية مثل "كاش يو" و"إي-غولد". وفي الدول التي لا يوجد فيها قطاع مالي صارم، كدول كثيرة في أفريقيا، يصبح استخدام الهواتف الجوالة أكثر جاذبية لنقل الأموال.

وبصورة عامة فقد كان للإنترنت تأثير كبير على التمويل الإرهابي، حيث وفر وسائل رخيصة وسريعة وذات كفاءة وأكثر أمانًا من الناحية النسبية، وهو الأمر الذي أوضحه تقرير للحكومة الأميركية عام 2006، حيث أشار إلى أن "الجماعات الإرهابية من جميع الأنواع ستعتمد على الإنترنت بصورة متزايدة للحصول على الدعم المالي واللوجستي".
وأشار أيضًا إلى أن التكنولوجيا والعولمة قد مكنتا الجماعات الصغيرة، ليس فقط من الاتصال ببعضها بعضًا، ولكن أيضًا لتوفير الموارد اللازمة للهجمات دون الحاجة إلى تكوين منظمة إرهابية.

التحول من السيطرة المركزية. كان التحول الأبرز في "التمويل الإرهابي"، طبقًا للدراسة، مرتبطًا بالتغير الواسع في طبيعة التهديد الإرهابي ذاته، فقبل أحداث 11 من سبتمبر 2001، كانت القاعدة تمول وتسيطر على العمليات مباشرة من قاعدتها في أفغانستان، مثل تمويل تفجيرات السفارتين الأميركتين في شرق أفريقيا عام 1998، وتمويل أحداث سبتمبر ذاتها.
وحتى بعد هجمات سبتمبر استمرت القاعدة في تمويل عملياتها بنفسها، مثل تخصيصها لمبلغ 20 ألف دولار لتفجيرات بالي في إندونيسيا. أما في الوقت الحاضر فلا تمول القاعدة عملياتها بالشكل الذي كان في السابق، فالخلايا "الإرهابية" الناشئة تمول نفسها، من خلال "النشاط الإجرامي" أو من خلال الأفراد. وتفجيرات لندن أوضح مثال على ذلك إذ أكدت التحقيقات أن العملية التي بلغت تكلفتها حوالي 8 آلاف يورو تم تمويلها ذاتيًّا دون أي مصادر تمويل خارجية.

المخدرات. تشير الدراسة إلى أن الارتباط بين الإرهاب والمخدرات مهم لعديدٍ من الأسباب، فطبقًا لإدارة تطويق المخدرات (دي إي أيه)، فإن حوالي 19 من أصل 43 منظمة إرهابية أجنبية مرتبطة بتجارة المخدرات العالمية، وما يزيد على 60% من التنظيمات الإرهابية مرتبطة بشكل ما بتجارة الأفيون غير الشرعية.
وتُشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن تجارة المخدرات الدولية تولد نحو 322 مليار دولار، ما يجعلها أكثر نشاطٍ غير شرعي مربح في العالم. ولتوضيح الربح المحتمل من تجارة المخدرات فإن المنطقة الحدودية بين كل من الأرجنتين والبرازيل وباراغواي، تجني أرباحًا من تجارة المخدرات تبلغ مليونًا من مبيعات أربعين أو خمسين كلغم من المخدرات، وهي كمية يمكن نقلها في حقيبة سفر صغيرة.

وطبقًا للمنظمة السابقة فقد أصبحت المنظمات "الإرهابية" الأجنبية أكثر انخراطًا في تجارة المخدرات. ومن ثم ظهرت المنظمات "الهجينية"، والتي تجمع بين تجارة المخدرات والقيام بعمليات إرهابية، وتقسم هذه المنظمات "الإرهابية الهجينية" وقتها بين الانخراط في النشاط الإرهابي والعمل ككارتل لتجارة المخدرات العالمية.

دوافع مكافحة تمويل "الجماعات الإرهابية"

بعد استعراضها لأهمية التمويل لدى الجماعات الإرهابية، والتغير الذي طرأ عليها خلال السنوات الماضية، تُشير الدراسة إلى أن هناك عديدًا من الدوافع التي تقف وراء مكافحة تمويل الجماعات، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
ومن ثم فإن القضاء على وسائل هذه الخلايا لجني ونقل الأموال، أو على الأقل الحد منها، يقلل بشكل كبير من قدراتها على شن الهجمات "الإرهابية". بالإضافة إلى ذلك فإن إجبار هذه الخلايا على هجر القنوات الشرعية لنقل الأموال، واللجوء إلى القنوات غير الشرعية من شأنه أن يحدث تأثيرًا تراكميًّا، يتمثل في جعل عملية نقل الأموال أكثر بطئًا، وبالتالي يصبح من الصعب الاعتماد عليها.

لكن ما يجب أخذه في الاعتبار، طبقًا للدراسة، هو أن مكافحة تمويل "التهديدات عبر القومية" لا يعني القضاء على هذه التهديدات، بل هو لا يهدف إلى تحقيق ذلك. وبالتالي ينبغي أن تكون جهود مكافحة تمويل الإرهاب جزء من إستراتيجية أوسع تجمع كل عناصر القوة الوطنية لتواجه وتقضي على تهديدات الأمن العالمي.
وتعدد الدراسة عدة فوائد أخرى لمكافحة تمويل الجماعات الإرهابية، بجانب الأسباب السابقة، والتي تتمثل في:

عامل الردع

فمكافحة تمويل الجماعات الإرهابية يدفع الجهات المانحة الرئيسة التي تميل لتمويل المتطرفين، والتي غالبًا ما تكون منخرطة بشدة في النشاط المالي والتجاري في جميع أنحاء العالم، إلى التفكير مليًّا قبل وضع ثرواتها الشخصية وسمعتها في خطر.

الاستخبارات الوقائية

فخلافًا للمعلومات المستمدة من الجواسيس أو الناتجة عن اعتراض الأقمار الصناعية، والتي تحتاج إلى فحص لتحديد مدى صحتها، فإن المعلومات الخاصة بمكافحة تمويل الإرهاب يمكن التحقق منها، فانتقال الأموال هو أمر واقع، حيث إن نقل وتخزين الأموال يترك أثرًا ماليًّا يمكن تتبعه من خلال المحققين.
كما أن ربط الأشخاص بحسابات ومصارف محددة يعتبر أداة وقائية فعالة، ويقود ايضا السلطات إلى الربط بين التنظيمات الإرهابية والخلايا الفردية.

أداة معطلة

طبقًا للجماعات "الإرهابية" ذاتها، فإنه على الرغم من أن تتبع أنشطتها المالية لن يوقف كل نشاطاتها، فإنه يعطل ويدمر بعض هذه الأنشطة. وعلى الأقل فإن تعقب معاملات "الإرهابيين" المالية سوف يجعل من الصعب عليهم القيام بعمليات مثل السفر وشراء المواد وتوفير المال لعائلاتهم وتجنيد مزيد من "الراديكاليين". ومن ثم فإن الحيلولة دون وصول "الإرهابيين" بسهولة إلى الأدوات المالية يجبرهم على استخدام وسائل أخرى للتمويل أكثر تكلفة وأقل كفاءة.

ويمكن القول إن إجبار "الإرهابيين" على الانتباه لمعاملاتهم المالية والبحث عن بدائل لها، يعتبر وسيلة فعالة لمكافحة الإرهاب. حيث إن إبقاء الممولين في موقف الدفاع من خلال تعقب أنشطتهم وحرمانهم من ترف الوقت والمكان يضعهم تحت ضغط ويردع هؤلاء المانحين ويحد من تدفق الأموال، ويساعد على وضع قيود على البيئة التي تعمل فيها.

جهود مكافحة تمويل الإرهاب

وبعد استعراض أهمية التمويل لدى التنظيمات "الإرهابية"، وطبيعة التغيرات التي طرأت على هذا التمويل خلال السنوات التي أعقبت أحداث 11 من سبتمبر 2001، علاوة على الدوافع وراء محاربة هذا التمويل، تتعرض الدراسة إلى الجهود التي قامت بها الولايات المتحدة لمكافحة تمويل التنظيمات الإرهابية، ثم تختم بمجموعة من التوصيات للحكومة الأميركية للعمل بها لضمان استمرار نجاح جهودها لتجفيف منابع تمويل الإرهاب.

لم تكن مكافحة تمويل الجماعات "الإرهابية" يحظى بأولوية كبيرة لدى الحكومة الأميركية والمجتمع الدولي قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، فلم يولِ صناع القرار الأميركيون اهتمامًا كبيرًا بالقضايا المرتبطة بتمويل الجماعات الإرهابية. علاوة على أنه لم يكن لدى الاستخبارات الأميركية معلومات عن الوضع المالي للقاعدة، كما كان هناك قليل من الموارد المخصصة لجمع المعلومات عن هذا الأمر.
ورغم أن مكتب التحقيقات الفيدرالية قد جمع عددًا لا بأس به من المعلومات عن الممولين المحتملين للجماعات الإرهابية، فإن هذه التحقيقات كانت أولية، كما أنها أسفرت عن عدد قليل من الملاحقات القضائية.

وتضرب الدراسة مثالاً على ذلك بمؤسسة "الأرض المقدسة" التي تعمل في ولاية تكساس، والتي اتهمت بعد ذلك بروابطها مع حماس. فقد بدأ المكتب التحقيق في الأمر في بداية التسعينيات، وبحلول سبتمبر 2001 كان قد تمكن من جمع كثيرٍ من المعلومات عنها. لكنه لم يتخذ أي إجراء تجاهها، إلا بعد وقوع هجمات سبتمبر عندما تم تصنيفها من قبل وزارة الخزانة كـ"كيان إرهابي" وتمت ملاحقتها قضائيا بواسطة وزارة العدل.

وبالإضافة إلى ما سبق، فقد كانت الولايات المتحدة قبل 11 من سبتمبر مترددة في استخدام كافة الأدوات التي بحوزتها لمكافحة التمويل الإرهابي، وأحد أهم هذه الأدوات ما يسمى بـ"بند الدعم المادي" في "قانون مكافحة الإرهاب وتنفيذ عقوبة الإعدام"، والذي يعتبر تقديم الدعم للإرهابيين جريمة جنائية. علاوة أن وزارة الخزانة، المعنية بتحديد وتجميد أصول "الإرهابيين"، لم تكن تلعب دورًا فاعلاً، وذلك بسبب عدم قدرتها على الحصول على المعلومات الاستخباراتية، وأيضًا عدم الاهتمام من قبل قياداتها.

ورغم هذه السلبيات في جهود مكافحة تمويل الجماعات الإرهابية، فإن الدراسة تشير إلى حدوث بعض الطفرات في هذه الجهود، خاصة بعد تفجيرات السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998، حيث صدر قرار من مجلس الأمن برقم 1267، يعتبر القاعدة وطالبان منظمتين إرهابيتين.
وطالب القرار الدول الأعضاء بتجميد أصول وتقييد سفر أشخاص وكيانات محددة مرتبطة بالقاعدة أو طالبان. ورغم هذا الاهتمام فإن الجهود قد أصابها بعض الفتور قبل أحداث 11 من سبتمبر، حيث وصفت ذلك لجنة 11 من سبتمبر بالقول "إن التدفق المالي للقاعدة قبيل 11 من سبتمبر كان يمضي بثبات وأمان".

وأشارت الدراسة إلى أن أحداث 11 من سبتمبر قد أدت إلى حدوث تغير دراماتيكي في بيئة مكافحة الإرهاب بعد تلك الأحداث، وكانت الاستجابة الأميركية على عدة جبهات من بينها النشاط الدبلوماسي المتعدد الجوانب لمكافحة تمويل الإرهاب، واتخاذ إجراءات ضد عديدٍ من المنظمات والأفراد الذين كانت تراقبهم منذ سنوات، وتجميد وزارة الخزانة أصول عديدٍ من شبكات التمويل والدعم، بلغت مع نهاية 2007 حوالي 460 شبكة. بل وبدأت في تفعيل بند "الدعم المادي" الذي سبقت الإشارة إليه لمقاضاة الكيانات والأفراد لجمعها تمويلاً للمنظمات الإرهابية.

تغيرات هيكلية في مكافحة الإرهاب

وأشارت الدراسة إلى عدة تغيرات طرأت على جهود مكافحة الإرهاب، تمثل أهمها في التغيرات القانونية والهيكلية التي أدخلتها الحكومة الأميركية على منظومة مكافحة تمويل الإرهاب.
فبالإضافة إلى استخدام الأدوات الموجودة بالفعل، فقد استغلت الوزارات والمؤسسات الأميركية السلطات التي منحت لها عقب أحداث 11 من سبتمبر، وزادت قدرة وزارة الخزانة على استهداف القاعدة والمنتمين إليها من خلال الأمر التنفيذي رقم 13224 الذي أصدره الرئيس الأميركي في 23 سبتمبر 2001، والذي يسمح للحكومة الأميركية بوضع قوائم سوداء وتجميد أصول هؤلاء المرتبطين بالمنظمات "الإرهابية" الدولية.

وبالإضافة لذلك فقد استفادت وزارة العدل من العمل ببند الدعم المادي لاستهداف الإرهابيين المشتبه بهم، خاصة مع التغير الملحوظ الذي أدخل على بند الدعم المادي بجعل تلقي تدريب عسكري من منظمة إرهابية محددة بمثابة جريمة. حيث كان حضور تدريبات في أحد معسكرات القاعدة، في السابق، لا يعتبر فعلاً غير قانوني. كما ساعد قانون "باتريوت" الحكومة الأميركية على مقاضاة هؤلاء المشتبهين بدعم الإرهابيين ماليًّا.

وفي الإطار ذاته اتخذت الولايات المتحدة خطوات لتحسين قدراتها على مراقبة الصادرات وهو عنصر هام لمكافحة تمويل النشاط الإرهابي وأسلحة الدمار الشامل. ففي عام 2007 استحدثت وزارة العدل منصب "منسق التحكم في الصادرات القومية" بهدف الكشف عن صادرات السلاح والتكنولوجيا الحساسة غير الشرعية.
وأدخلت الولايات المتحدة أيضًا تغيرات هيكلية وتنظيمية لتحسين القدرات على مكافحة الإرهاب. فقد أنشأ مكتب التحقيقات الفيدرالية قسمًا خاصًّا بهذه العمليات تحت اسم "قسم عمليات تمويل الإرهاب". كما أنشأت وزارة العدل أيضًا ضمن قسمها لمكافحة الإرهاب قسمًا خاصًّا بقضايا تمويل الإرهاب.
وبدأت وزارة الخزانة، والتي فقدت كثيرًا من صلاحياتها مع إنشاء وزارة الأمن القومي، تستعيد جزءًا كبيرًا من دورها في مكافحة تمويل الإرهاب. فقد أنشأت "مكتب الإرهاب والاستخبارات المالية"، وهو ما ساعد على التغلب على عقبتين كانتا تعترضان الوزارة قبل أحداث 11 من سبتمبر وهما عدم قدرتها على النفاذ إلى المعلومات الاستخباراتية، وقلة اهتمام صانعي القرار على المستوى القيادي.

دور جديد لوزارة الخزانة

وبالإضافة إلى التغيرات الهيكلية، فقد بدأت وزارة الخزانة في لعب دور مركزي في قضايا الأمن القومي ليس فقط في محاربة تمويل الإرهاب ولكن أيضًا في مواجهة الدول "المارقة"، مثل إيران وكوريا الشمالية.
ومع الدور المتزايد لوزارة الخزانة، تمكنت الولايات المتحدة من استغلال كونها المركز المالي الرئيس في العالم لتدعيم أنشطة مكافحة تمويل الإرهاب، حيث إن خسارة امتياز الدخول إلى السوق الأميركية مقابل الاحتفاظ بروابط مالية مع الإرهابيين يعتبر تهديدًا يقام له وزن من قبل معظم البنوك. ومن ثم أصبحت البنوك من شتى أنحاء العالم تراعي القوائم التي تصدرها وزارة الخزانة ليس فقط فيما يتعلق بالإرهاب ولكن أيضًا تجارة المخدرات وغيرها من القضايا.

ولم تكن الولايات المتحدة الوحيدة في إعادة هيكلة وزارة الخزانة الخاصة بها فبريطانيا كانت هي الأخرى قائدة في هذا المجال. ففي عام 2007 كشفت الحكومة البريطانية عن استراتيجية لمكافحة تمويل الإرهاب وغسيل الأموال، تحت عنوان "التهديد المالي للجريمة والإرهاب".

وبجانب الولايات المتحدة وبريطانيا فقد تزايدت مسؤوليات وزارات مالية أخرى على مستوى العالم فيما يتعلق بقضايا الأمن القومي. فوزراء مجموعة العشرين ومحافظي البنوك المركزية وضعوا خططهم المصممة لمنع وصول الإرهابيين أو استخدامهم للأنظمة المالية وإيقاف إساءة استخدام شبكات المعلومات البنكية.

كيفية مواجهة تمويل "الجماعات الإرهابية"

وفي الختام تقدم الدراسة مجموعة من التوصيات، انطلاقًا من وجود عديدٍ من التحديات التي تهدد جهود مكافحة تمويل الإرهاب، فزيادة أعداد الخلايا والتنظيمات الإرهابية مكنها من إيجاد طرائق ووسائل جديدة لجمع وحفظ ونقل الأموال. وتتمثل أبرز هذه التوصيات في:

أولا: تفسير طبيعة تهديد تمويل الجماعات الإرهابية: حيث إن هناك فهمًا غير مدركٍ بدرجة كافية لخطورة تمويل الجماعات الإرهابية خاصة في بلدان الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية. ومن ثم فإن تقوية نظم فعالة لمكافحة تمويل الجماعات الإرهابية يتطلب فهمًا لكيفية جمع هذه الجماعات الأموال وحفظها وتحريكها. وفي هذا الإطار ينبغي على الولايات المتحدة القيام بالآتي:

وضع تقييمات منتظمة وشاملة تركز تحديدًا على تمويل الإرهاب. وينبغي تقاسم، أو على الأقل نسخ معدلة منها، مع البلدان الرئيسة، والتي تعتبر مساعدتها رئيسية في الجهد العالمي لمكافحة تمويل الإرهاب.

التأكد من أن الدول تتبنى المعايير التي وضعتها مجموعة العمل المعنية بالإجراءات المالية المتعلقة بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، وأيضًا من أنها تركز على المشكلة المحددة التي تواجهها.

حاجة مجموعة العمل المعنية بالإجراءات المالية إلى وضع تقييمات أوسع تشمل ليس فقط ما إذا كانت الدول لديها نظم مناسبة لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، ولكن أيضا ما إذا كانت تقوم بالخطوات اللازمة للتصدي إلى تهديد تمويل الإرهاب على وجه الخصوص. ولقيام مجموعة العمل بهذه المسؤوليات يجب على الولايات المتحدة أن تزيد من ميزانيتها والموارد المتاحة لها بشكل كبير.

ثانيا: وضع مكافحة تمويل الإرهاب على قمة الأولويات، فهناك شك كبير لدى الجمهور العادي وحتى حلفاء الولايات المتحدة حول تأثير جهود مكافحة تمويل الإرهاب، ومن ثم على الولايات المتحدة أن تستمر في شرح أهمية مكافحة تمويل الإرهاب، والتأكد من أن مكافحة تمويل الإرهاب ما زالت عنصرًا هامًّا في استراتيجية الدول لمكافحة الإرهاب. وفي هذا الإطار يجب على الولايات المتحدة أن تقوم بالآتي:

- العمل مع الحلفاء على تطوير نظم صارمة لمكافحة تمويل الإرهاب، تتضمن سلطات تجميد الأصول المالية وتتبع الأموال، كما أن عليها أن توضح لحلفائها مدى فائدة مكافحة تمويل الإرهاب بالنسبة لهم.

- على الولايات المتحدة أن تتأكد مما إذا كانت الدول الرئيسة في الشرق الأوسط، خاصة دول الخليج، تقوم ليس فقط بتطوير النظم المناسبة لمنع تمويل الإرهاب بل باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذها.

- وعلى صناع القرار الأميركيين أن يراقبوا عن كثب مدى نجاح هذه الدول في تجريم تمويل الإرهاب ومقاضاة الممولين له ومراقبة نشاطات الجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني.

- أن تتبع الولايات المتحدة اقترابات مختلفة في إطار الاستراتيجية العامة لمكافحة تمويل الإرهاب. فهناك دول ترغب في تحسين نظم مكافحة تمويل الإرهاب لديها، لكنها تفتقر للقدرات التقنية والمالية، وهناك دول أخرى ليس لديها الرغبة في القيام بذلك. ومن ثم على الولايات المتحدة، وبالاشتراك مع حلفائها والمنظمات الدولية الأخرى، أن تقدم المساعدة والدعم اللازمين للفئة الأولى. وأن تضغط بشدة على الفئة الثانية لتحسين قدرتها، حتى ولو بالتشهير بها.

ثالثا: دفع الأجهزة البيروقراطية لمواكبة التطورات. فالجماعات الإرهابية تطور من نشاطاتها المالية استجابة للضغوط الأميركية والدولية، ومن ثم على الولايات المتحدة أن تدخل تغييرات على الأجهزة البيروقراطية، بشكل يجعلها أكثر قدرة على مواكبة التطورات التي تنشأ عن نشاطات الجماعات الإرهابية.

رابعا: التعاون الدولي. هناك حدود لما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة بمفردها خاصة في مجال مكافحة تمويل الإرهاب ولذلك على الولايات المتحدة أن تعزز التعاون الدولي في هذا الإطار. وتعتبر الأمم المتحدة، رغم سلبياتها، مرشحة لأن تلعب دورًا في تحسين القدرات الدولية لزيادة التعاون في مكافحة الإرهاب. وفي هذا السياق يمكن للولايات المتحدة أن تقوم بالآتي:

- الاستمرار في استخدام المنتديات متعددة الأطراف لدفع أجندة مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، مثل مجموعة إيجمونت، ومجموعة العمل المعنية بالإجراءات المالية، ومجموعة ولفسبيرج (مجموعة مكونة من 11 بنكا عالميا).

- على الولايات المتحدة أن تنشئ كيانات إقليمية على غرار مجموعة العمل المعنية بالإجراءات المالية، ومن الممكن للولايات المتحدة أن تستغل كونها عضوًا في ومراقبًا في مجموعة العمل المعنية بالإجراءات المالية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للضغط على الدول الأعضاء لاتخاذ الخطوات اللازمة لإنشاء أنظمة لمكافحة تمويل الإرهاب وغسيل الأموال.

خامسا: الدبلوماسية العامة. يجب أن تكون الدبلوماسية العامة جزءًا من استراتيجية مكافحة الإرهاب، ومن ثم يجب على الولايات المتحدة:

- التأكد من أن جهود مكافحة الإرهاب، وخاصة مكافحة تمويل الإرهاب، موجودة كجزء من حملة الدبلوماسية العامة.

- يجب على الولايات المتحدة أن تفسر أسباب الإجراءات التي تتخذها في إطار مكافحتها لتمويل الإرهاب مثل تحديد جمعيات معينة كممولة للإرهاب، بالإضافة إلى تأكيدها أنها لا تستهدف الكيانات الإسلامية بسبب روابطها الدينية، أو مجموعات الشرق الأوسط بسبب انتماءاتها العرقية.

- التعامل بحرص مع المساعدات الإنسانية التي تقدم في العالم الإسلامي، فعندما تتخذ الولايات المتحدة إجراءً ضد جمعية خيرية متهمة بتمويل الإرهاب عليها في الوقت ذاته توفير بعض المساعدات الشرعية للجمعيات الخيرية الأخرى العاملة في الإطار ذاته.

سادسا: بناء القدرات. حيث إن هناك اهتمامًا دوليًّا قليلاً ببناء القدرات في مجال مكافحة تمويل "الإرهاب"، فعديدٌ من الدول ترغب في إدخال تحسينات على نظمها لمكافحة غسيل الأموال وتمويل "الإرهاب"، لكنها تفتقد إلى الخبرة والتدريب والموارد اللازمة.

سابعا: التعامل مع الدول الداعمة للإرهاب. تعتبر الدول الداعمة للإرهاب تهديدًا كبيرًا لجهود مكافحة تمويل الإرهاب، ولكن هناك عقبة مهمة تحول دون إيقاف هذه الدول، وهي أن المجتمع الدولي لا يعتبر الجماعات المدعومة من هذه الدول، مثل حزب الله والجهاد الفلسطيني وحماس، "جماعات إرهابية". ولأن الأمم المتحدة لا تبدو راغبة في توسيع قوائم "الجماعات الإرهابية" بشكل يتجاوز عناصر القاعدة وطالبان، فعلى الولايات المتحدة أن توسع من هذه القوائم على المستويين الإقليمي والمحلي. (تقرير واشنطن)