أبيقور وديموقراطية ممارسة الفلسفة

بقلم: عبد الإله غاوش
من الإنسان وإلى الإنسان

المعرفة لا حدود لها ولا ضفاف وهي، لكي تعطي أكلها، يجب أن لا تخضع لتدخلات الأهواء السياسية والدينية الضيقة والآنية التي غالبا ما تقدم تنازلات تدخلها في إطار الشعبوية التبسيطية. فالمعرفة الحقة هي المعرفة الثورية، أي تلك التي تذهب قدما متخطية حسابات الأيديولوجية والسلطة، منصتة فقط لأخطائها العلمية المحضة، التي عليها تخطيها، وهي تمضي في مسارها التجريبي المحفوف بالمخاطر.
والمعرفة مغامرة والمغامرة لذة واكتشاف ولكنها أيضا دخول في الغسق والغسق هو طريق الغد والباحث المسكون بالتجربة ولذتها هو الذي يتساءل، محاصرا بالشك، مع فيكتور هوغو، كيف سيكون الغد (*)؟
لا تخفى أهمية أبيقور في تاريخ الفلسفة الإنسانية وتأثيره في الكثير من اتجاهاتها قديما وحديثا. فالمذهب الذي اجترحه شكل ولا يزال أداة مهمة ليس فقط من أجل إعطاء تصور للعالم بل و تغييره. فمفهوم الفلسفة عند أبيقور أداتي محض، كما سيجيء في الفقرات القادمة، قد يختلف معه الكثيرون، وهذا من طبيعة الأشياء، لكن لا أحد يستطيع إنكار صمود الكثير من أفكاره رغم القرون التي تفصلنا عنه.
واختيارنا لأبيقور نابع من أسباب كثيرة أهمها تصوره الديموقراطي للتفلسف، إذ أن مدرسته، التي افتتحها في حديقة بيته، ولذلك سمي هو وأتباعه بـ "فلاسفة الحديقة "، لم تستثن أحدا من نساء ورجال وعبيد وأطفال.
يقول بهذا الصدد (**) "لا يـتأخرن أحد، وهو شاب، عن التفلسف، ولا يتعبن من التفلسف عجوز: مادام الحصول على صحة الروح غير مرتبط بقلة نضوج أو بكثرته. ومن يقول أن عمر التفلسف لم يصل بعد أو أنه أزف، فهو كمن يقول إن عمر السعادة قد مضى أو أنه لم يحن بعد."
ونلاحظ، من خلال هذه الشذرة، المفهوم الذي يمنحه أبيقور للفلسفة باعتبارها أداة غايتها بلوغ السعادة والتخلص من الآلام الروحية أو الجسدية، وليس التفلسف في حد ذاته. وهذا ملمح من ملامح الفلسفة ما بعد أرسطية التي لا ترى في البحث أو التأمل غاية في حد ذاتها، بل تلحقهما بالهدف العملي للفلسفة.
يقول أبيقور "لو لم يقلقنا تفكرنا في أشياء السماء والموت وعدم معرفتنا بحدود الآلام والرغبات، لما كانت لنا حاجة إلى دراسة علوم الطبيعة."
هذا التصور الأداتي أو الوظيفي للفلسفة سيتم استعادته، في العصر الحديث، من طرف كارل ماركس الذي يرى أن على الفلسفة أن لا تتوقف عند حدود تفسير العالم بل يجب أن تسعى إلى تغييره، ومعروف أن أطروحة ماركس من أجل نيل درجة الدكتوراه كانت حول أبيقور وديموقريط.
وللوصول إلى السعادة يصف أبيقور "دواءً رباعيا" يتمثل في التحرر من أربعة أشياء:
ـ تحرير بني البشر من الخوف من الآلهة. وذلك بالبرهنة على أن هؤلاء بسبب طبيعتهم المباركة وعيشهم في سعادة مطلقة لا ينشغلون بمشكلات الإنسان. وتدخلهم في عالم بني البشر، سيكون منافيا لطبيعتهم، وستترتب عنه واجبات عليهم القيام بها اتجاه الإنسان، وهذا يتنافى مع طبيعتهم ككائنات حرة وسعيدة لا واجبات لديها ولا مسؤوليات، وعلى الإنسان الحكيم أن يغبطهم لذلك ويجلهم بدل الخوف منهم.
وفي هذا المعنى يصف أبيقور الألوهة بكونها لا تنشغل بالغضب أو الرفق، لأن هذه من صفات الضعفاء، أي بني البشر "الكائن المُطلقُ السعادة، الذي ليس إلى زوال، لا يكون مصابا بالقلق ولا يسببه للآخرين. لا يشغله الغضب إذن ولا العطف. لأن هذه الإضطرابات توجد، فقط، لدى الضعيف."
ولكي يبرهن على أن الآلهة لا تتدخل في شؤون العالم يتطرق إلى مشكلة الشر الذي يأتي إلى العالم على شكل كوارث طبيعية وأمراض فتاكة يحار الإنسان في تفسير علتها ويمنحها تفسيرات غالبا ما تكون ذات طابع تطيري، بسبب عدم توفره على الأدوات المناسبة لتمحيصها ومعرفتها.
يقول الأبيقوريون:
"الألوهة إما أنها تريد أن تقضي على الشرور ولكنها لا تستطيع أو أنها تستطيع ولا تريد أو أنها لا تستطيع ولا تريد أو أنها لا تريد ولا تستطيع أو أنها تريد وتستطيع. إذا كانت تريد ولا تستطيع فهي عاجزة و الألوهة لا يمكنها أن تكون كذلك. إذا كانت تستطيع ولا تريد فهي غيورة والألوهة لايمكنها أن تكون غيورة. وإذا كانت لا تريد ولا تستطيع فهي غيورة وعاجزة وبالتالي فهي ليست ألوهة. أما إذا كانت تريد وتستطيع، وهو الشيء الوحيد الجدير بالألوهة، فمن أين إذن تأتي الشرور إلى الوجود ولماذا لا تقضي عليها؟
ـ تحرير بني البشر من الخوف من الموت. وذلك بالبرهنة على أنها لاشيء بالنسبة لهم. "حين نكون نحن لا تكون الموت، وحين تكون الموت لا نكون نحن."
ولفهم هذه الشذرة فهما صحيحا ينبغي وضعها في إطار طبيعة المذهب الأبيقوري ذاته المبني على الحس أو الإحساس، الذي يعطيه أبيقور تفسيرا فيزيائيا، اعتمادا على نظرية ديموقريط، أي أن الأحاسيس تنتج داخل الإنسان انطلاقا من تدفق الذرات التي تنفصل عن سطح الأشياء وتنتج جراء ذلك صورا تكون مشابهة للأشياء التي انفصلت عنها. من هذه الصور إذن تأتي الأحاسيس وعن الأحاسيس تصدر التمثلات الخيالية التي تنتج بدورها عن المزج بين صورتين اثنتين، السنتور، الكائن الخرافي، هو مثال على هذا لأنه يمزج بين صورة الإنسان والحصان.
ومن الأحاسيس المتكررة والمخزنة في الذاكرة تأتي التمثلات العامة أو المفاهيم ويطلق عليها أبيقور المقدمات. هذه المقدمات هي التي تمكننا من استباق الأحاسيس المستقبلية، فحين نقول "هذا إنسان" فهذا يعني أن لدينا تصورا مسبقا عن الإنسان ناتج عن الأحاسيس السابقة. وإذن فالموت هو انتفاء للأحاسيس بسبب انفصال الذرات وعودتها إلى طبيعتها الأصلية.
يقول أبيقور "الموت لا شيء بالنسبة لنا: لأن ما هو مندثر فاقد للحس، وما هو فاقد للحس لاشيء بالنسبة لنا."
ـ البرهنة على أن حدود اللذة متاحة، بمعنى سهولة الوصول إلى اللذة ذاتها. واللذة هي حجر الأساس في فلسفة أبيقور، حتى أن مفهوم الخير يقترن باللذة، فهي المعيار الذي يقيّم به الأبيقوري الخير والرفض والقبول، فالإنسان يسعى إلى اللذة ويتفادى الألم. ولا يجب فهم اللذة على أنها الشهوانية والشبق، فاللذة تخضع للحساب الدقيق والحذر.
يقول أبيقور في رسالته إلى مينيسيوس "عند كل لذة يجب طرح سؤال: ماذا سيحصل إذا تم إشباع هذه اللذة؟ ماذا سيحصل عندما لا يتم إشباعها؟ فقط الحساب الحذر للملذات يمكن الإنسان من الإكتفاء بذاته ولا يتحول إلى عبد للحاجات وللقلق بشأن الغد. وهذا الحساب لا يمكن رده إلا إلى الحكمة، فرونيسيس. والحكمة أيضا أثمن من الفلسفة، لأن منها تأتي كل الفضائل وبدونها تصير الحياة من دون عذوبة، ولا جمال، ولا عدالة."
واللذة نوعان: اللذة الثابتة واللذة المتحركة. اللذة الثابتة هي التي تتمثل في انعدام الألم، واللذة المتحركة هي التي تتكون من الفرح والإبتهاج.
والسعادة، عند أبيقور، في اللذة الثابتة أو السالبة أي عندما لا تشعر بالألم أو بالقلق. ويعرفها بالأتاراسيا أو انعدام القلق، والأبونيا أي انعدام الألم.
ويرد أبيقور على الذين يقولون باللذة الموجبة، أي المتحركة، بمقولته "ذروة اللذة في القضاء الخالص والبسيط على الألم."
ـ البرهنة على أنه لا يمكن بلوغ الحدود القصوى للألم. بمعنى أنه، أي الألم، مؤقت ووجيز. وفي هذا الإطار يقول أبيقور:
"لا تستديم في الجسد الآلام، وتلك القصوى تبقى الوقت الأقل، ولا يستمر أياما طويلة ذلك التألم الذي لا يفوق اللذة الجسدية إلا قليلا: بل على العكس من ذلك الأمراض الطويلة لها من اللذة في الجسد أكثر من الأوجاع."
وهكذا يتبين أن الفلسفة عند أبيقور لا تخرج عن إطار التحرر من المخاوف والإنشغالات التي يمكن أن تعرض لأي كان، في أي مكان وزمان. الإنشغال بالعالم الآخر، الخوف من الموت، البحث عن اللذة، الهروب من الألم .. إلخ. وبالتالي لكل الحق في الإدلاء بدلوه في طرح الأسئلة والبحث عن الأجوبة.
فلسفة أبيقور من الإنسان وإلى الإنسان. عبد الإله غاوش ـ فلورانسا (إيطاليا)
في الخامس من يونيو/حزيران 2009

(*) Spectre toujours masqué qui nous suis cote à cote.

Et qu’on nomme demain!

Oh! Demain c’est la grande chose!

De quoi demain sera-t-il fait?

Victor Hugo.

Les chants du crépuscule (1835)

(**) الترجمة، لهذه الشذرة ولغيرها، من عندنا. وتجدر الإشارة إلى أن الترجمة تمت عن اللغة الإيطالية. ومصادرنا هي كالتالي:
ـ أبيقور، أعمال، شذرات وشهادات. ترجمة وإعداد إيتوري بينيوني مقدمة غابرييلي جانانطوني. منشورات لاتيرسا. طبعة سنة 2007.
ـ تاريخ الفلسفة، لنيقولا أبانيانو. تورينو، أوتيت 1993.