هل غيَّر خطابُ أوباما القناعات؟

بقلم: د. أسامة عثمان

كما أن أميركا لم تغير على يد أوباما قناعاتِها الأساسية، ورؤاها الفكرية، والسياسية؛ إلا في سُلِّم الأولويات، وطريقة التناول، فكذلك المسلمون والعرب؛ إذ يكاد يكاد كل اتجاه فكري، أو سياسي يحتفظ برأيه السابق عن أميركا. اللهم إلا شرائح من غير الطبقة المثقفة الذين هم عرضة للتذبذب في الرؤى والمشاعر، عادة.

فالإسلاميون (الراديكاليون) كالقاعدة وغيرها، لم يروا في أوباما ومواقفه تباينا عن سلفه بوش، وأكدوا على استمرار العداوة، والحرب القائمة بالفعل في باكستان، وأفغانستان، مثال صارخ عليها.

أما العلماء (المعتدلون) أمثال القرني، وغيره، فقد رحبوا بالخطاب، ورأوا ضرورة أن نقابله بتحول مماثل من أميركا ورئيسها الحالي.
ولا نغفل موقف حركة حماس التي لم تر في خطابه تحولا حقيقيا ينصف الحقوق الفلسطينية المشروعة
وثمة خطابات قومية العربية التي لم تر، كذلك، في خطاب أوباما تغييرا حقيقيا.

وفيما امتدح بعض المثقفين لباقة أوباما، ومراعاته لطبيعة المخاطبين، واستشهاده بالقرآن الكريم، واحترامه للحضارة الإسلامية، ولمشاعر الأمة، ذهب الفريق الآخر إلى أن هذا لا يعدو الخداعَ اللفظي، والتمسح بالإسلام؛ لاسترضاء البسطاء.

ولا يهدف هذا المقال إلى تحليل خطاب أوباما من حيث الأبعاد الفكرية والسياسية، ورصد التحولات في الديبلوماسية الأميركية، ودلالات ذلك، بقدر ما يود إثارة سؤال يتعلق بوجود معيارية موضوعية في الحكم على المواقف، والسياسات، بعيدا عن الانجرار العاطفي الذي يُتهم به العامة من الشعوب العربية والإسلامية، أو التمترس الأيديولوجي الذي يشهره ذوو المواقف المسبقة، سلبا، أو إيجابا، بالتوافق مع أوباما، أو بالتعارض معه.

لا يهم الإنسانَ العربي والمسلم في هذا السياق أن يتخذ كل طرف من هذا الخطاب دليلا إضافيا على رصيده السياسي، بتوظيفه في إسناد ما يرى، أو تراه القناة، أو الصحيفة التي ينبري للتوافق وتوجهاتها. ومكمن التحدي لكل معلق أن يُحيِّد قليلا وجهة نظره المسبقة، حتى لا يبدو وكأنه يرد الحدث إلى قاعدة ثابتة تحكم على الخطاب، وتؤوله، وتنتقي منه، وتوظفه.

ذلك؛ لأن في المسألة زاويتين؛ توصيفية، ومعيارية. أما الوصفية منها فتتوخى المطابقة مع الواقع، أومحاولة ذلك، على قدر الطاقة والوسع، وذلك بوضع الخطاب في سياقه الحقيقي، وتحليله على المستويات؛ اللفظية والفكرية والسياسية، بالكشف عن مكوناته، ومَواطِن التغير فيه، وبيان مقدار الاهتمام الذي أولاه لكل قضية، من حيث المستوى اللغوي والخطابي، وملاحظة نبرة الخطاب، وملامح المخاطِب، ومدى الانفعال، على وجهه، ولغة جسده بصفة عامة. وكذلك محاولة رصد عنصر الزمن، وتوزيعه الوقت على القضايا، ومسائل أخرى .

وهنا لا يمكن تجاهل هذه السمة الجديدة اللافتة، وهي كثرة الاستشهاد بالقرآن الكريم؛ وبقطع النظر عن صدقية ذلك؛ فإنه يعكس تقديرا عاليا للمسلمين، لا من جهة الانحياز لهم، أو المدح، ولكن من جهة الاعتراف بأهمية دورهم، ومقدار تأثيرهم؛ ما يستوجب التقارب معهم، ومحاولة تخفيف درجة الاحتقان التي تسببت بها الإدارة الأميركية السابقة.

وفي سياق هذا الجهد الوصفي يصبح من الضروري مراعاة التباين في المدارس السياسة الأميركية، من مدارس واتجاهات تُغلّب البعد القِيَمي والحضاري، وتحاول فرضه، على نحو فج، ومن اتجاهات واقعية براغماتية، تُغلِّب المصالح، وتطمح إلى الاستقرار بالدرجة الأولى.

فإذا ما اسوفيت مستلزمات التحليل الوصفي، قدر الإمكان، بعيدا عن التدخل والانتقائية، واتضحت للمتلقي والمشاهد مقاربةٌ أقرب ما تكون إلى الواقع؛ فلا ضيرَ أن يختلف الناس بعدها؛ تبعا لاختلاف مرجعياتهم، وثقافاتهم التي لا تغيرها الخطابات، بمثل ما تفعل المناقشات الهادئة، والدراسات المعمقة، واستخلاص العبر من تطورات الحياة، وإعادة النظر فيها، بعيدا عن الضغوط، أو الاستقطاب. د. أسامة عثمان o_shaawar@hotmail.com