أفكار وآراء في حوار وصراع الحضارات (ملف)

نظرة الى الآخر

حوار أم صراع؟ ماذا يعني صراع الحضارات، ومن اجل ماذا حوارها؟
ما يجري اليوم لا يبدو في الواقع صراعا حضاريا بين كتلتين انسانيتين أو أكثر، تفصلهما حدود واضحة، او تطرح على طاولة الجدل بينهما قضايا محددة قد تصلح أو لا تصلح للمساومات.
تفتت الهويات قاد الى صراعات لا حصر لها داخل كل حضارة. وفشل "الصراع" الكلي خارجها في أن يوحد الجبهات الداخلية نحو "عدو" أو "خصم" حضاري واحد.
ومثلما تتعدد الـ"أنا"، تتعدد الـ"نحن" كما يتعدد "الآخر". وبين صراعات هوية تقوم على أساس اللغة والدين والمذهب والأقلية واللون والعرق والجهة بل وحتى اللهجة، تكاد لا توجد حضارة واحدة تستطيع ان تقول انها لا تواجه في داخلها نوعا من "مايكرو-صراع" حضارات.
الصراعات تتجزأ، لتتجزأ معها القضايا التي تحول دون تحقيق التقارب بين الجزئيات من جهة، وبين الكليات من جهة أخرى.
وفي بيتنا، ها نحن نرى "صراع حضارات" سني شيعي، عربي فارسي، أصولي وحداثي، إسلامي وعلماني، المواطن والمهاجر، الأسود والأبيض... وبالنظر الى العواقب والآثار الكارثية الناجمة عنها، فان الصراع بين الحضارات يبدو هينا.
وبطبيعة الحال، فان الحضارات الكلية تتصارع. وفي صراعاتها تغذي صراعاتها الداخلية الصغرى. فمن أين نبدأ؟ وما هي الأسس والمنطلقات التي بدأت منها نظريات الصراع؟ وهل يمكن ان نرى نهاية ما، سلمية او غير سلمية، للهوة التي تفصل مجتمعات وأمم وديانات؟
هنا سلسلة من الآراء والأفكار التي عرضت (ونشرت) في أوقات مختلفة حول هذه الأسئلة.

مفاهيم وبدايات: محاور صراع الحضارات

حتى عام 1996، كان صامويل هنتنغتون واحداً من الباحثين البارزين الذي اجتهد لصياغة رؤية تفسيرية، بالاستناد إلى مجريات الواقع الحضاري الذي يعيشه العالم، وبما أن كل رؤية تفسيرية تنطلق من ثابت منطقي ووجدي أحياناً، فإن هنتنغتون يعتمد مقولة (الصدام) كتعبير عن لحظة الصراع الذي يجري وسيستمر في أرض الواقع، لكي تكون هذه المقولة ذات دلالات عامة وشمولية فإنه يحقنها بقوة دلالية مضافة لتصبح أكثر تعبيراً عن جوهرية هذا الصدام، واتساع شموليته، فمن الصدام الحضاري إلى الصدام الكوني، ومن الصدام الجزئي، بين طرفين أو ثلاثة إلى صدام كلي تشترك فيه مجمل القوى البشرية بمختلف تشكيلاتها.
وكما هو معتاد، فإن أي مفهوم إجرائي لابد أن يشتغل في مجال ما وإلا ظل سابحاً في فضاء معطل، فالتعبير يجري ضمن مجال، فأما أن يصل إلى التطابق بين إرادة التغيير، أو يصل إلى حالة الصدام والتنافر بين الإرادات المضادة، والمجال الذي يفترض فيه هنتنغتون (التغيير والصدام) هو مجال فالتغيير يجري في وضعية الحضارات، والصدام سيكون فيما بينها، وهنا إقصاء لرؤية الانسجام والتوائم الحضاري، وإنزال التنابذ والتنافر إلى حيزات الواقع الفعلي.
ثمة مفاهيم ذات مساس مباشر بالخطاب العام الذي يشتغل فيه كتاب هنتنغتون وهي: مفهوم الحضارات، مسألة الحضارة الكونية، العلاقة بين القوة والثقافة، ميزان القوى المتغير بين الحضارات، التأصيل في المجتمعات غير الغربية، البنية السياسية للحضارات، الصراعات التي تولدها عالمية الغرب، العسكرية الإسلامية، التوازن والاستجابات المنحازة للقوة الصينية، أسباب حروب خطوط التقسيم الحضاري والعوامل المحركة لها ومستقبل الغرب وحضارات العالم.
هذه المفاهيم، أو التكوينات المفهومية، تتمفصل في خمسة محاور أساسية هي:
1 ـ لأول مرة في التاريخ نجد (الثقافة الكونية) متعددة الأقطاب ومتعددة الحضارات، التحديث مختلف بدرجة بينة عن التغريب، ولا يُنتج حضارة كونية بأي معنى، ولا يؤدي إلى تغريب المجتمعات غير الغربية.
2 ـ ميزان القوى بين الحضارات يتغيرن الغرب يتدهور في تأثيره النسبي، الحضارات الآسيوية تبسط قوتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية، الإسلام ينفجر سكانياً مع ما ينتج عن ذلك من عدم استقرار بالنسبة للدول الإسلامية وجيرانها، والحضارات غير الغربية عموماً تُعيد تأكيد ثقافتها الخاصة.
3 ـ نظام عالمي قائم على الحضارة يخرج إلى حيز الوجود، المجتمعات التي تشترك في علاقات قربى ثقافية تتعاون معاً، الجهود المبذولة لتحويل المجتمعات من حضارة إلى أخرى فاشلة، الدول تتجمع حول دولة المركز أو دولة القيادة في حضارتها.
4 ـ مزاعم الغرب في العالمية تضعه بشكل متزايد في (صراع مع الحضارات الأخرى) وأخطرها مع الإسلام والصين)، وعلى المستوى المحلي، فإن حروب خطوط التقسيم الحضاري، وبخاصة بين المسلمين وغير المسلمين، ينتج عنها (تجمع الدول المتقاربة)، وخطر التصعيد على نطاق واسع، وبالتالي جهود من دول المركز لإيقاف تلك الحروب.
5 ـ إن بقاء الغرب يتوقف على الأميركيين بتأكيدهم على (الهوية الغربية)، وعلى الغربيين عندما يقبلون حضارتهم كحضارة (فريدة)، وليست عامة، ويتحدون من أجل تجديدها، والحفاظ عليها ضد التحديات القادمة من المجتمعات غير الغربية، إن تجنب حرب حضارات كونية يتوقف على قبول قادة العالم بالشخصية متعددة الحضارات للسياسة الدولية وتعاونهم للحفاظ عليها.
تُشير هذه المحاور إلى إن عالم ما بعد الحرب الباردة متعدد الأقطاب، يفتقر إلى تقسيم واحد ومحدد، كالذي كان أثناء الحرب الباردة، هذه الأقطاب هي (الحضارات) التي يتكون منها العالم، وهي: الصينية، اليابانية، الهندية، الإسلامية، الغربية، الأفريقية وأميركا اللاتينية، وما يحكم العلاقات بين هذه الحضارات هو (الصدام)، هذا الصدام ينطلق ويعود بالاستناد إلى (الثقافة) أو إلى (الهوية)، ذلك على أن العوامل الثقافية المشتركة والاختلافات هي التي تشكل المصالح والخصومات وتقاربات الدول، ونلاحظ إن أهم دول العالم جاءت من حضارات مختلفة، والصراعات الأكثر ترجيحاً أن تمتد إلى حروب أوسع، هي الصراعات القائمة بين جماعات ودول من حضارات مختلفة، وأشكال التطور السياسي والاقتصادي السائدة تختلف من حضارة إلى أخرى، والقضايا السياسية على أجندة العالم تتضمن "الاختلافات بين الحضارات"، والقوة تنتقل من الغرب الذي كانت له السيطرة طويلاً إلى الحضارات غير العربية، والسياسة الكونية أصبحت متعددة الأقطاب ومتعددة الحضارات.
إن رؤية هنتنغتون تتقاطع هنا كلياً مع رؤية فرانسيس فوكوياما، الباحث الأميركي الجنسية الياباني الأصل، والذي قال: بأن انهيار القطبية الثنائية بانهيار الاتحاد السوفيتي، كإطار للشيوعية، أدى إلى انفراد الرأسمالية والليبرالية الغربية بالعالم وهو ما يمثل نهاية التاريخ، أو بتعبيره حالياً نشهد نهاية التاريخ بما هو نقطة النهاية للتطور الأيديولوجي للبشرية وتعميم الليبرالية الديمقراطية الغربية على مستوى العالم كشكل نهائي للحكومة الإنسانية.
التغير في مسار التاريخ والتغيرات المتلاحقة خلال ربع قرن لم تؤد إلى حالة من الانسجام أو التوافق الواحدي الاتجاه، بل على العكس من ذلك، أخذت تُشطي هذه القطبية المنفردة إلى أقطاب أخرى، فالصراع خرج من مجال ضيق بين نظامين هيمناً على البشرية خلال خمسة وسبعين عاماً إلى مجال أنظمة متعددة ومختلفة، ومن دائرة عقائدية ممنطقة ومُعقلنة إلى مجال أنظمة وجودية فكرية ترتبط بمفاهيم مؤصلة في الذات البشرية، ذات ارتباط معيوش لا يكاد ينفصل انفصالاً كلياً عن الوجود البشري في ظهوره الشخصي مثل: العرق، الدم، الطائفة، الدين، العقيدة، التقاليد، وهي ومفاهيم تُمثل: قوى للصدام، أو هويات ثقافية أو حضارية، مؤهلة للتنازع والصدام والتصارع بها بين التعدديات الحضارية، أو القُطبيات المختلفة.
الصراع الجديد إذن صراع هويات ثقافية أو حضارية وهو الذي سيحكم العلاقات بين البشر، وفي الم يُوصف بأنه مائع ترى الناس (يبحثون عن الهوية والأمان، وعن جذور وصلات لحماية أنفسهم من المجهول)، ومع نهاية الحرب الباردة بدأت الدول في أنحاء العالم تتلمس الطريق نحو التجمع، وتجد هذه التجمعات مع دول لها نفس الثقافة ونفس الحضارة، بمعنى إن السياسة الكونية يعاد تشكيلها الآن على امتداد الخطوط الثقافية، الشعوب ذات الثقافات المتشابهة تتقارب والشعوب والدول ذات الثقافات المختلفة تتباعد، الإنحيازات التي تعتمد على الأيديولوجية والعلاقات مع القوى الكبرى تفسح الطريق لتلك التي تعتمد على الثقافة والحضارة، والحدود السياسية يُعاد رسمها لكي تتوافق مع الحدود الثقافية والعرقية والدينية والحضارية، المجتمعات الثقافية تحل محل تكتلات الحرب الباردة، وخطوط التقسيم بين الحضارات تصبح هي خطوط الصراع الرئيسية في السياسة العالمية.
إن إرادة البحث عن هوية والعودة إلى فيافيها، رغبة أفرزتها متغيرات العصر، ويلاحظ هنتنغتون أكثر من ذلك، فلقد شهدت مرحلة التسعينات انفجار (أزمة هوية كونية)، فأينما تنظر تجد الناس يتساءلون: (من نحن)؟، (لمن ننتمي)؟، (من هو الآخر)؟ وهي أسئلة مركزية، ليس فقط للشعوب التي تحاول أن تصوغ دولاً قوية جديدة، كما في يوغسلافيا السابقة، إنما على المستوى العام، هذه الأسئلة أثارت لدى الباحث أسئلة أخرى، الإجابة عنها تقتضي النظر إلى الوقائع في كليتها وشموليتها، فلماذا تُسهل العوامل الثقافية المشتركة من عملية التعاون والتلاحم بين الناس؟، هذا السؤال الذي يطرحه هنتنغتون يريد به التوصل إلى تفسير لأسباب تركز العلاقات بين البشر على أساس مبدأ أو مرجعية، ولغرض الإجابة عن هذا السؤال يرى:
1 ـ يوجد لدى كل الأفراد هويات متعددة، قد تتنافس مع بعضها، وقد تقوي من بعضها البعض، القرابة، المهنة، المؤسسة، الإقليم، التعليم، الحزب، الأيديولوجيا.. الخ.
2 ـ البروز المتزايد للهوية الثقافية على (المستويات الدنيا) قد يقوى بروزها على (المستويات العليا).
3 ـ الصراعات بين الجماعات الثقافية تتزايد أهميتها والحضارات هي الكيانات الثقافية الأوسع.
4 ـ البروز المتزايد (للهوية الثقافية) دفع القدرات الرائدة وقوة المجتمعات غير الغربية إلى إعادة تنشيط الهويات والثقافات الأصلية.
5 ـ أدى التحسن الذي حدث في مجالات الانتقال والاتصال إلى تفاعلات وعلاقات أكثر تكراراً واتساعاً وتناسقاً وشمولاً بين شعوب من حضارات مختلفة، ولذلك أصبحت هوياتهم الحضارية أكثر بروزاً.
6 ـ إن مصادر الصراع بين الدول والجماعات التي تنتمي إلى حضارات مختلفة كانت دائماً تولد صراعاً بين الجماعات كالسيطرة على الناس، الأرض الثروة، القوة، النسبية، أي القدرة على فرض القيم والثقافة والمؤسسات الخاصة على جماعة أخرى.
7 ـ الهوية على المستوى الشخصي، القَبَلي، العرقي، الحضاري، يمكن أن تعرف فقط في علاقتها بأي شخص آخر، قبيلة أخرى، جنساً آخر، حضارة أخرى.
8 ـ كلية وجود الصراع، فالكره شيء إنساني، ولتعريف النفس ودفعها يحتاج الناس إلى أعداء، منافسين في العمل، خصوماً في الإنجاز وفي السياسة، ومن الطبيعي أن لا يثق الناس في المختلفين عنهم ومَن لديهم القدرة على إلحاق الضرر بهم، بل يرونهم خطراً عليهم، حل صراع ما أو اختفاء عدو ما، يولد قوى شخصية واجتماعية وسياسية تؤدي إلى نشوء صراعات جديدة أو أعداء جُدد.
من كل هذا نلاحظ أن هنتنغتون لا يرى في انتهاء الحرب الباردة نهاية للتعدد، والانسجام والانفراد المتوقع بالكون محض وهم، التعدد وتأصيله في الكون البشري أصبح أكثر حقيقية وواقعية من ذي قبل، والحاجة إلى الذات والهوية والأصل والعرق والمجال المحدد أمست حاجة وجودية، لكنها تتركز في عالم اليوم بالهوية الحضارية، هذا الثابت هو أساس وجوهر الصراع والتنافس في حياتنا المعاصرة، والنزوع إلى الاختلاف بالطبع لا يلغي النزوع إلى التوحد والتوافق والانسجام.
ويرجح هنتنغتون الرأي بأن أواخر القرن العشرين شهد انبعاثاً أو صحوة دينية في أنحاء العالم، وأدى ذلك إلى تقوية الاختلافات بين الأديان. ونظرته إلى المستقبل تُرجح انتصار الإسلام حيث على "المدى الطويل سينتصر محمد (ص) والمسيحية تنتشر أساساً عن طريق التحول، الإسلام ينشر عن طريق التحول والتناسل ونسبة المسيحيين في العالم ارتفعت إلى 30% في الثمانينات ثم استقرت وهي الآن تنخفض، وقد تصل إلى 25% من سكان العالم بحلول عام 2025م ونتيجة لمعدل الزيادة السكانية المرتفع جداً، فإن مسلمي العالم سيستمرون في الزيادة الكبيرة التي قد تصل إلى نسبة 20% من سكا العالم مع نهاية القرن الحالي وتفوق عدد المسيحيين بعد سنوات قليلة وربما تصل إلى نسبة 20% من سكان العالم بحدود سنة 2000".
إن عملية التأصيل الكونية هذه تتجلى بشكل واضح في الإحياء الديني الذي يجري في أجزاء كثيرة من العالم، خاصة ذلك الانبعاث الثقافي في الدول الآسيوية والإسلامية الناجم عن نشاطها الثقافي ونموها الديمغرافي، وتتبع هذه الصحوة في الجمهوريات الإسلامية كونها (رد فعل ضد العلمانية والنسبية الأخلاقية والانغماس الذاتي وإعادة تأكيد لقيم الانضباط والعمل والعون المتبادل والتضامن الإنساني، وهذا يعني على حد تعبير (وليم ماكنيل) حين يقول: إن إعادة تأكيد الإسلام مهما كان شكله الطائفي، يعني رفض النفوذ الأوروبي الأميركي على المجتمع والسياسة والقيم المحلية، وهذا يؤشر على أن "صحوة الأديان غير الغربية هي أقوى مظاهر معاداة التغريب في المجتمعات غير الغربية، لكن الصحوة هنا ليست رفضاً للحداثة بل هي رفض للغرب والثقافة العلمانية النسبية المتفسخة المرتبطة به".
وعلى هذا الأساس تُعد، الصحوة الثقافية والاجتماعية والسياسية العامة للإسلام اليوم التحدي الإسلامي الجديد، والحضارة الإسلامية تُعبر عن ثقتها بنفسها في تحدي الغرب بالاستناد إلى التعبئة الاجتماعية والنمو السكاني، هذا التحدي له آثاره على "عدم استقرار السياسة العالمية في القرن القادم".
يستقرئ هنتنغتون واقع حال هذه الأصولية ومُعطياتها، فقد لمست الصحوة كل مجتمع في العالم تقريباً، مع بداية السبعينات اكتسبت الرموز والمعتقدات والمبادئ والممارسات والسياسات والتنظيمات الإسلامية التزاماً متزايداً ودعماً في كل أنحاء العالم المكون من بليون مسلم والممتد من المغرب العربي إلى أندونيسيا ومن نيجيريا إلى كازاخستان، وقد اتخذت عملية بعث الروح في الأسلمة طريقها إلى الظهور من خلال ثلاث فئات، شأنها في ذلك شأن الحركات الثورية، وهي:
1 ـ الفئة الأولى: وتتكون من الطلاب والمثقفين الذين اجتاحا الاتحادات الطلابية، ثم الاختراق الإسلامي للجامعات في مصر والباكستان وأفغانستان وطلاب المعاهد الفنية وكليات الهندسة، ثم جيل التأصيل الثاني الذي عبر عن نمط جديد من الأسلمة في السعودية والجزائر.
2 ـ الفئة الثانية: جاءت من القطاعات الأكثر تقدما في الطبقة المتوسطة كالأطباء والمحامين والمدرسين والموظفين في الدولة.
3 ـ الفئة الثالثة: من جماهير الإسلام الثوري كما يقول (روي): هم نتاج المجتمع الحديث القادمون الجدد إلى المدينة، ملايين الفلاحين الذين ضاعفوا وضاعفوا من عدد سكان المدن الإسلامية الكبرى، وهذا برأي هنتنغتون ، استخلاص نظري، فالمهاجرون من المزارع والمكدسون في الأحياء العشوائية والحقيرة من المدن كانوا دائماً في حاجة إلى الخدمات الاجتماعية التي توفرها لهم المنظمات والمؤسسات الإسلامية وكانوا هم المستفيدين منها.
ومن ناحية ترتبط الصحوة الإسلامية بوضعية الحكومات الإسلامية فالعلاقة متداخلة ويحاول هنتنغتون استقراء مؤشراتها، فالحكومات التي تُمارس الحكم من منظور إسلامي عملياً هي قليلة في الآفاق الإسلامية، هناك إيران والسودان ودول الخليج العربي فضلاً عن دول أخرى خارج هذه الأطر الجغرافية، في السبعينات والثمانينات كان الصراع قائماً بين فكرة الديمقراطية الليبرالية والاتجاهات الإسلامية، لكن الحركات المتأسلمة تكتسب قوة في البلاد الإسلامية، التأسلم كان هو البديل العملي للمعارضة الديمقراطية للسلطوية في المجتمعات المسيحية، هذه الحركات إحتكرت غالباً عملية المعارضة للحكومات في الدول الإسلامية، ومن منظور هنتنغتون كانت قوة هذه الحركات تعود في جزء منها إلى ضعف مصادر المعارضة البديلة، والحركات اليسارية والشيوعية فقدت مصداقيتها ثم قل شأنها لدرجة كبيرة بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي والشيوعية العالمية، جماعات المعارضة الديمقراطية الليبرالية كانت موجودة في معظم المجتمعات الإسلامية لكنها كانت تقتصر عادة على أعداد محدودة من المثقفين وغيرهم من ذوي الارتباطات أو الجذور الغربية ومع إستثناءات قليلة كان الديمقراطيون الليبراليون عاجزين عن كسب الدعم الشعبي في المجتمعات الإسلامية، بل حتى الليبرالية الإسلامية فشلت في تكوين جذورها.
وبالمقارنة مع الأحزاب الديمقراطية فإن القوة الأصولية تنوعت عكسياً مع هذه الأحزاب، ومنها العلمانية والوطنية، هذه الأخيرة تبدو بلا قناع بينما الحركات الأصولية لديها غطاء شعبي واسع، فضلاً عن المؤسسات التي تدعمها..، وقوة الصحوة وجاذبية التأسلم أدتا إلى تبني الحكومات للممارسات الدينية ودمج رموزها في أنظمتها، وهو الأمر الذي يعني إعادة تأكيد الشخصية الإسلامية للدولة والمجتمع.
ومن وجهة نظر هنتنغتون هناك أسباباً لتعاظم القوة الإسلامية في مرحلة السبعينات والثمانينات ومنها، وهو الأهم، الطفرة النفطية التي حدثت في السبعينات حيث حفزت الصحوة الإسلامية وزدتها بالوقود، هذه الطفرة زادت لدرجة كبيرة من ثروة وقوة كثير من الدول الإسلامية ومكنتها من أن تعكس اتجاه علاقة السيطرة والتبعية التي كانت بينها وبين الغرب.
الصراع إذن حقيقة موضوعية عامة بين الشعوب، وأسباب (الصراع المتجددة بين الإسلام والغرب توجد في الأسئلة الأساسية للقوة والثقافة، مَن الفاعل ومَن المفعول به..، مَن الذي يجب أن يحكم، ومَن الذي يجب أن يكون محكوماً؟.. )، وبما أن النم السكاني والثراء الاقتصادي يمثلان قوة أساسية عبر التاريخ، فإن (مستوى الصراع العنيف بين الإسلام والمسيحية، عبر الزمن كان يتأثر دائماً بالنمو الديمغرافي هبوطه، كذلك بالتطورات الاقتصادية والتحول التكنولوجي وشدة الإلتزام الديني، والعلاقات بين الإسلام والمسيحية، سواء الأرثوذكسية أو غيرها، كانت عاصفة غالباً، كلاهما كان (الآخر) بالنسب للآخر، وصراع القرن العشرين بين الديمقراطية والليبرالية والماركسية واللينينية ليس سوى ظاهرة سطحية وزائلة إذا ما قُرون بعلاقة الصراع المستمر بين الإسلام والمسيحية، أحياناً كان التعايش السلمي يسود، غالباً كانت العلاقة علاقة تنافس واسع مع درجات مختلفة من الحرب الباردة وهذا يعني إن "الإسلام هو الحضارة الوحيدة التي جعلت بقاء الغرب موضع شك".
وعلى مدى القرون الماضية كان الصراع بين الإسلام والغرب يتركز في مظاهر أو ظواهر تطلع إلى الواجهة دون غيرها، وفي أواخر هذا القرن كانت الصحوة الإسلامية، ولكن وراء هذه الظاهرة أسباباً أو عوامل متشابهة كما يرى هنتنغتون زادت من حدة الصراع بين الإسلام والغرب ومنها:
1 ـ خلف النمو السكاني الإسلامي أعداداً كبير من الشبان العاطلين والساخطين الذين اصبحوا مجندين للقضايا الإسلامية ويشكلون ضغطاً على المجتمعات المجاورة، كهجرة الشبان المسلمين إلى دول الغرب.
2 ـ أعطت الصحوة الإسلامية ثقة متجددة للمسلمين في طبيعة وقدرة حضارتهم وقيمهم المتميزة مقارنة بتلك التي لدى الغرب.
3 ـ كذلك جهود الغرب المستمرة لتعميم قيمه ومؤسساته من أجل الحفاظ على تفوقه العسكري والاقتصادي والتدخل في الصراعات داخل العالم الإسلامي ولدت إستياءً شديداً بين المسلمين من الغرب.
4 ـ سقوط الشيوعية أزال عدواً مشتركاً للغرب والإسلام وترك كلاً منهما لكي يصبح الخطر المتصور على الآخر.
5 ـ الاحتكاك والامتزاج المتزايد بين المسلمين والغربيين يثير في كل من الجانبين إحساساً بهويته الخاصة وكيف إنها مختلفة عن هوية الآخر، وهو ما يفاقم الخلافات حول حقوق أبناء حضارة في دولة يُسيطر عليها أبناء حضارة أخرى، في الثمانينات والتسعينات إنهار بشدة ذلك التسامح بالنسبة للآخر في كل من المجتمعات الإسلامية والمسيحية.
إن هذه العوامل المشتركة، أي القائمة على أساس علائقي، ليست سوى ملامح تحيل إلى التشاؤمية في مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب، فمن المرجح أن تكون علاقات الغرب بالإسلام متوترة على نحو ثابت وعدائية جداً في معظم الأحوال.
وعلى المدى القادم فإن (العلاقة بين قوة وثقافة الغرب وقوة وثقافة الحضارات الأخرى هي السمة الأكثر ظهوراً في عالم الحضارات، ومع زيادة القوة النسبية للحضارات الأخرى يقل التوجه نحو الثقافة الغربية وتزداد ثقة الشعوب غير الغربية بثقافاتها الأصلية والالتزام بها)، لكن الغرب سيُعاني من مشكلات عديدة في هذا الاتجاه، فالمشكلة الرئيسية (في العلاقات بين الغرب والباقي بالتالي هي التنافر بين جهود الغرب لنشر ثقافة غربية عالمية وانخفاض قدرته على تحقيق ذلك)، ومن ذلك أيضاُ نُلاحظ مع هنتنغتون إنه "طالما أن الإسلام يظل و(سيظل) كما هو الإسلام، والغرب يظل (وهذا غير مؤكد) كما هو الغرب فإن الصراع الأساسي بين الحضارتين الكبيرتين وأساليب كل منهما في الحياة سوف يستمر في تحديد علاقتيهما في المستقبل كما حددها في مدى الأربعة عشر قرناً السابقة".
إن هنتنغتون في نظريته (الصدام) يتوقف عند حدود بروز جهويات الإنسان الجديدة القديمة في نهاية القرن، وهي: العرق والتدين الطائفي وبمستوى أعم الهوية الثقافية أو الحضارية التي يقودها إلى حيز الصراع أو الصدام عنوة، وذلك بالاستناد إلى وقائع وأحداث إن هي إلا متغيرات يعدها هنتنغتون مؤشرات تغير سيقع في المستقبل وهو الصدام المتوقع بين الغرب وبين الإسلام ضمن تصور صراعي أو صدامي بين حضارات متعددة هي التي تكوّن عالم اليوم.
إن فكرة (التصادم) إذن قديمة قدم الوجود الإنساني، وهي تتأثر بشكل أو بآخر بثقافة العصر وبطبيعة العلاقات الدولية في المجتمع الإنساني فضلاً عن تغيرات الفكر العلمي والفلسفي، أما فكرة التصادم في الأدبيات الغربية، الفكرية والسياسية والفلسفية والتي تطرح العلاقة بين الشرق والغرب كونها علاقة تصادمية، أو ستكون كذلك فإنها طرحت قبل هنتنغتون، كتحصيل حاصل لنظريات أو تصورات تفسيرية تستشرف العلاقة بين الشرق والغرب عامة والإسلام والغرب خاصة، وقد وجدنا أن روجيه غارودي الفيلسوف الفرنسي طرح فكرة التصادم، ولو بشكل سريع، يقول غارودي في مطلع كتابه: (الأصوليات المعاصرة، أسبابها ومظاهرها)، إن الأصوليات كل الأصوليات أكانت تقنوقراطية أم ستالينينية، مسيحية يهودية أم إسلامية، تشكل اليوم الخطر الأكبر على المستقبل، فانتصاراتها، في عصر لم يعد لنا فيه الخيار إلا بين الدمار المتبادل والأكيد وبين الحوار، يمكناه أن تحبس كل المجتمعات البشرية في مذاهب متعصبة منغلقة على نفسها، وبالتالي متجهة نحو المصادمة، كما إن هناك العديد من الباحثين والمفكرين الغربيين قد استشرقوا رؤية التصادم القادم بين الغرب والإسلام، وقد اعتمد هنتنغتون طروحاتهم لتعزيز تفسيره للصراع الحضاري القادم.
إن هنتنغتون لا ينظر إلا إلى الجوانب السلبية من ظهوريات الإسلام أو الأسلمة في العالم الآخذة بالازدياد، وهو في الوقت الذي يتابع ظهوريات الإسلام في الدول الغربية، وذلك أمر مهم، نراه يركز على أحداث ووقائع تعكس عنف العلاقة بين الغرب والإسلام، وهل فاته أن هذه الأحداث هي نتاج لماكنة السياسة الغربية في العالم، إن ما حدث عام 1991 حين شنت القوات العسكرية الأطلسية حربها الشعواء المدمرة ضد العراق، وطناً وشعباً، كان نتاجاً لقصدية سياسية ستراتيجية غربية في المنطقة، كما أن ما حدث وما زال يحدث وما زال في كوسوفو هو الآخر نتاجاً لإرادة سياسية بالدرجة والأساس، وقد اعتاد الغرب أن يتحين الفرص ويصطاد الأفكار، ويُنضد الايديولوجيات المرحلية ليصل بها إلى حالة التصارع الحضاري، أو الثقافي، إن المهم والأساس بالنسبة للغرب هو مصالحه الاقتصادية وتأمين احتياجاته المادية لحياته لا أكثر.
(المصدر: مجلة الكلمة /العدد24/1999)
***

هل حوار الحضارات ممكن، وكيف؟ بقلم: هاشم صالح

بعد تفجيرات 11 سبتمبر اصبحت العلاقة مع العالم العربي ـ الاسلامي الشغل الشاغل لمثقفي فرنسا والغرب بشكل عام. ويرى جان دانييل، رئيس تحرير مجلة «النوفيل اوبسرفاتور» ان المثقفين اتخذوا مواقف متباينة من هذه المسألة ليس فقط مؤخرا، وانما على مدار القرنين الماضيين ايضا، فمثلا كان فيكتور هيغو قد اطلق صرخته المدوية بعد استعمار الجزائر قائلا: انها الحضارة تنتصر على البربرية. نحن اغريق العالم وعلينا تنويره! بالطبع ينبغي ان نموضع هذا التصريح ضمن سياق تلك الفترة لكيلا نظلم فيكتور هيغو اكثر مما ينبغي. ولكن في ذات الوقت كان عالم الانثربولوجيا ليفي بريل يبلور مصطلح العقلية البدائية لكي يبرر الاستعمار بشكل غير مباشر. ففي رأيه ان الغرب هو وحده الذي توصل الى الفكر العقلاني او المنطقي، واما بقية الشعوب فلا تزال تعيش في مرحلة العقلية ما قبل المنطقية. وبالتالي فما عليها الا ان تمر بنفس المراحل التطورية لكي تلحق بالغرب. وبما انها لا تستطيع ان تفعل ذلك لوحدها، فإنه ينبغي على الغرب ان يساعدها اي ان يستعمرها!. ولكن بعد الخمسينات، وبعد ان ابتدأت الشعوب تتحرر من الاستعمار، راح عالم انثربولوجي آخر يقول العكس. ففي رأي كلود ليفي ستروس انه لا توجد ثقافة عليا وثقافة دنيا، وانما جميع الثقافات متساوية وينبغي ان نحترم خصوصياتها واختلافها. وكلها تستحق لقب الحضارة. ولكن يبدو ان ليفي ستروس غيَّر رأيه مؤخرا عندما اعترف بمديونيّته ومديونية البشرية كلها لمخترعي الفكر النقدي او العلمي في اوروبا. وقال من المستحب ان تتوصل جميع الشعوب الى مرحلة الفكر النقدي او التنويري. ولكن هل يعني ذلك انه يحق لاميركا او للغرب كله ان يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة وان يتدخل في شؤون الشعوب الأخرى كما يشاء ويشتهي؟ على هذا السؤال يجيب جان دانييل بالنفي. واما فيليب رينو، استاذ العلوم السياسية في جامعة باريس فيرى ما يلي: ينبغي على الديمقراطيات الحديثة ان تقبل بوجود صراع طويل الأمد مع القوى الماضوية التي ترفض قيم الغرب بشكل مطلق. ولكن في ذات الوقت ينبغي علينا ان نقيم علاقات ايجابية مع القوى الأخرى الموجودة في نفس المجتمعات والتي تقبل بالافكار الحديثة. اما صوفي بتييس المؤرخة والصحافية الفرنسية فترفض اطروحة صموئيل هنتنغتون عن صراع الحضارات. وهي تطرح التساؤل التالي: لماذا لاقت اطروحته كل هذا النجاح والانتشار؟ فلا يوجد مثقف الا وناقشها او تحدث عنها. في الواقع ان هذه الاطروحة رجعية وخطيرة لانها تغطي على المشاكل الحقيقية. فهي اذ تركز على التناقض الثقافي او الحضاري بين الغرب والعالم الاسلامي تهمل الاسباب الفعلية للصراع. ومن اهم هذه الاسباب التفاوت الهائل بين غنى الغرب وثرواته وبحبوحة شعوبه، وبين فقر المجتمعات الاسلامية والبؤس الذي تتخبط فيه شرائح واسعة من الشعوب العربية. وهكذا يتملص الغرب من مسؤوليته عن طريق القول بأن المسلمين معادون في جوهرهم لقيم الحداثة والحضارة! وبالتالي فالصراع معهم اجباري ليس لأن الكثيرين منهم يعانون من مشاكل الفقر والكبت والقهر وانما ميلهم الطبيعي الى العنف.. وهذا يبرهن على ان الغرب لا يريد ان يتحمل مسؤولية النظام العالمي الجائر الذي يقيم هوة سحيقة بين الشمال والجنوب. يضاف الى ذلك ان الغرب لا يريد ان يعترف بأن للآخرين الحق في بلورة القيم الحضارية والكونية، وانما يحتكر هذا الحق لنفسه فقط. واما فرانسوا فوركيه استاذ الاقتصاد في جامعة السوربون فيرى العكس. فهو يعتقد ان صموئيل هنتنغتون على حق عندما يتحدث عن صراع الحضارات. فالتفجيرات التي حصلت في نيويورك وواشنطن كانت موجهة فعلا ضد حضارة الغرب. وهي تهدف في ما وراء ضرب اميركا الى انهاء الهيمنة الغربية على العالم. ولكن هل الصراع أبدي او محتوم بين عالم الاسلام وعالم الغرب؟ عن هذا السؤال يجيب الباحث قائلا بأنه توجد امكانية لتفادي ذلك. وهي تتمثل في بلورة قيم كونية مقبولة من قبل جميع شعوب الارض وليس فقط من قبل الغرب. ففلسفة الغرب المتمثلة بالديمقراطية وحقوق الانسان وقوانين السوق لم تعد قادرة على فرض نفسها كفلسفة كونية تنطبق على العالم اجمع. وانما ينبغي على البشرية ان تبلور فلسفة أوسع منها واشمل. ويرى هذا الباحث ان الفلسفة الجديدة يمكن ان تستمد مبادئها من جميع التراثات الثقافية وليس فقط من تراث الغرب. فالاسلام مثلا يحتوي على تراث روحي عظيم ونحن نجهله. لماذا؟ لاننا، اي الغربيين، لا نعرف الا التيار المتطرف ولا نتحدث الا عنه. وهذا خطأ كبير يرتكبه الغرب في حق الثقافات الأخرى، خاصة الاسلام.
اما الباحثة ميشيل غيوم هوفنونغ، استاذة القانون العام في جامعة السوربون فتطرح السؤال التالي: هل حقوق الانسان كونية؟ بمعنى: هل حقوق الانسان كما بلورها الغرب منذ قرنين تنطبق على جميع الشعوب ام انها خاصة بتاريخه فقط؟ هذا السؤال كان شبه ممنوع سابقا لان الغرب كان يفرض حداثته وقيمه بصفتها ذات طابع كوني. ونلاحظ ان الباحثة تجيب بالايجاب عن هذا السؤال، وذلك على عكس ما فهمناه من كلام الباحث السابق. فحقوق الانسان لا تنحصر بالعرقية المركزية الاوروبية كما يزعم البعض، لماذا؟ لانها لا تستمد جميع مبادئها من تراث الغرب وانما استفادت ايضا من قيم الاسلام. وهذا ما برهن عليه الاعلان الاسلامي العالمي لحقوق الانسان والصادر عن اليونيسكو عام 1981. يضاف الى ذلك ان فلسفة حقوق الانسان لا تتعارض مع الاديان وانما فقط مع التفسير المتعصب لها. وترى الباحثة ان مبادئ الاديان الكبرى، كالاسلام والمسيحية كانت قد نصت على كرامة الانسان ورفعة الانسان لانه خليفة الله في الارض. وبالتالي فلا تعارض بين حقوق الله وحقوق الانسان اذا ما فهمنا الدين بشكل صحيح وعقلاني.
ماذا نستنتج من اقوال المثقفين التي استعرضناها حتى الآن؟ نستنتج ان الهوة بين الاسلام والغرب ليست سحيقة الى الدرجة التي كنا نتوهمها. نقول ذلك بشرط ان يتوفر شرطان اثنان: الاول هو ان يتراجع الغرب عن كرهه الشديد والمتأصل للاسلام، وان يعترف بالارث الحضاري العربي ـ الاسلامي ومدى تغذيته للحضارة الاوروبية. وهذا الشيء ابتدأ يتحقق أخيرا على يد بعض المفكرين المتحررين من الاحكام المسبقة والعدائية ضدنا. وقد ذكرنا اسماء بعضهم في ما سبق. ويمكن ان نضيف اليهم على سبيل المثال لا الحصر اسم الباحث آلان دوليبيرا المختص بالفلسفة العربية الاسلامية. فقد كشف عن الصفحات المضيئة لفلاسفة الاسلام وبين كيف انهم كانوا اساتذة لاوروبا طيلة عدة قرون، ولا يمكن فهم النهضة الاوروبية الا اذا موضعناها ضمن هذا المنظور التاريخي العميق. واما الشرط الثاني فهو ان يتغلب التيار العقلاني في العالم العربي على التيار المتطرف والمخطئ في فهمه لرسالة الاسلام السمحة. وهذه هي المهمة المطروحة على المستقبل.
***

الصراع الحضاري بين ليسينج وفيرتهايمر وموراك بقلم: عبدالواحد علواني

على خلفية محاضرة البابا بنديكت وتصريحاته وما تبعها من حراك وجدال، عادت مسألة الصراع الحضاري إلى الواجهة، بعدما تنحت بعض الشيء إثر التركيز على مسألة العالم الجديد الذي تسهم أميركا في صناعة معظمه، وما حف بهذه الهيمنة الأميركية التي مازالت تستثمر أحداث 11 من سبتمبر.

وهذه المسألة (العلاقة بين الحضارات) التي أثيرت في أول الثمانينات في الدائرة المتوسطية، ثم من خلال خطط الولايات المتحدة الأميركية لعالم ما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي إثر تنظيرات القائد الفكري للسياسة الأميركية هنتنغتون في محاضرته الشهيرة صدام الحضارات، وما تبعها من جدال، ثم من خلال أطروحة حوار الحضارات التي تبناها الرئيس الإيراني السابق خاتمي في أواخر التسعينات.
لأكثر من نصف عقد غابت هذه المسألة وضاعت في خضم التحولات الهائلة التي أعقبت أحداث نيويورك وواشنطن، وهاهي اليوم تحضر اليوم بقوة، كأنما لتقول أن هذه المسألة لن يتم حسمها أو تلافيها مهما حاولنا تجاوزها.
والحقيقة أن هذه المسألة مناطة بالغرب إلى حد كبير ذلك أن العلاقة بين الحضارات ترسمه الحضارة الأقوى في راهنها، وهذه العلاقة تنبني على تصورات متشعبة يتداخل فيها الثقافي مع السياسي مع الاجتماعي مع الاقتصادي…الخ. وإن كان منطق المصالح يحكم المنطق السياسي الاقتصادي، فإن الإيديولوجية تفعل فعلها في إطار السياسي الثقافي، وقد يتصادم الاتجاهان فيتحول الصدام إلى داخل الدائرة الحضارية بدلا من أن يكون على حوافها.
والتفكير في مسألة الصراع الثقافي كجانب من جوانب صدام الحضارات يعيدنا إلى أغوار تاريخية ربما كان التصور الأكثر وضوحا يتمثل في جمهورية أفلاطون، حيث أقام رؤية مبتسرة للخارج من حيث كونه مؤثرا في الجمهورية، ولكنه ركز على محيط جغرافي أكثر من التركيز على محيط ثقافي. وتتالت الرؤى عبر أشكال تنظيرية وعملية خلال تقلبات التاريخ حتى راهننا هذا، فكانت هناك رؤى جديرة بالنقاش والاستحضار مثلما كان هناك نماذج جديرة بالافتخار عبر التاريخ ونماذج أخرى تشكل عارا في جبين الأمم التي قامت بها، ومعظمها طوي تحت بند الاعتذار.
في عام 1999 القي البروفسور يورغن فيرتهايمر الأستاذ بجامعة توبنجن بألمانيا محاضرة في قسم التاريخ بجامعة دمشق، تعرض فيها إلى رؤية الفيلسوف الألماني ليسنج لصراع الثقافات، محاولاً تمرير مقولات من خلال مزاعم تنقصها الدقة، وفي عام 2004 القي غونتر مواراك المفوض من قبل الخارجية الألمانية للحوار مع العالم الإسلامي محاضرة في مركز الملك فيصل بالرياض حول العلاقات الحضارية بين الإسلام والغرب، أعقبها نقاش ملتهب. ومع الفارق الكبير بين رؤية الأكاديمي (فيرتهايمر) والدبلوماسي (موراك) إلا أنهما قدما رؤى جديرة بالنقاش، ولعلي أركز على الكثير الذي قدمه فيرتهايمر مع التعرض إلى القليل الذي تضمنه نص موراك.
فيرتهايمر اتخذ منطلقا لبحثه مسرحية مشهورة لليسنج (رائد فلسفة الدين الطبيعي) وهي مسرحية ناثان الحكيم، ولعل من المناسب أن نقرأها بسرعة من خلال شبكة شخوص المسرحية المثيرة للجدل، فصلاح الدين الأيوبي فارس شهم يعاقر الخمر ويعاشر النساء بنهم مما يوقعه في أسر ديون متزايدة يقترضها من مراب يهودي عجوز (ناثان) له مواقف حكيمة كثيرة! وناثان هذا لديه ابنة بالتبني (ريشة)، يقال إنها ابنة أسد الدين شقيق صلاح الدين من علاقة غير شرعية، ذلك أن أسد الدين مفارق لدينه ومتعلق بالصليبيين، وريشة يهيم بها حبا فارس مسيحي يدعى فارس المعبد، من خلال هذه الشخصيات وهذه العلاقات ينسج ليسينج أرضية خصبة ليقول مقولته، ولكنه لا يقولها مباشرة، إنما يضمنها إحدى المفاصل الدرامية بحذاقة من خلال حكاية يوردها على لسان ناثان الحكيم وهي حكاية الخاتم، فالحكاية ترد في سياق العلاقة الملتبسة بين صلاح الدين المهيمن المديون والمفتقر إلى الحكمة، وبين ناثان الخاضع ولكن الدائن والقوي معرفيا وحكمة، إذ يسأله صلاح الدين أثناء منادمة، أي الأديان الثلاثة (اليهودية- المسيحية- الإسلام) هو الحق!
فيرد عليه ناثان بحكايته التي يقتبسها (ليسنج) من الأديب الإيطالي الشهر (بوكاتشيو) والحكاية تتحدث عن( شخص يكتشف قدرة غريبة في خاتم فريد يمنح من يرتديه قدرة فائقة على الفضل والمعروف والطيبة والأخلاق الحميدة والسلوكيات الراقية والفاعلة، فيحرص عليه ويعرف بالفضل بين الناس، وعندما تحين ساعة الأجل يحرص على توريث ابنه الخاتم ليكمل مسيرة أبيه في العطاء والطيبة، وهكذا يتم تناقل الخاتم داخل الأسرة إلى أن يصل إلى أب له ثلاثة أبناء، كل منهم يتحلى بطاعة نموذجية وأخلاق في غاية السمو، وكل منهم يتلقى وعدا على انفراد من أبيهم ليكون وريث الخاتم، عندما تحين ساعة الأب يحتار في أمره، وبعد جهد وتفكير يصل إلى حل يراه معقولا، فيلجأ سراً إلى صائغ معروف بإتقانه لعمله، ليستنسخ من خاتمه اثنين غيرهما، ويعطي كلاً من أولاده الثلاثة خاتماً على انفراد على أنه وريث الخاتم. يموت الأب، ويظهر كل من الأولاد خاتمه ليؤكد لشقيقيه أنه وريث الخاتم، يلتبس الأمر عليهم، فيلجؤون إلى عرافة عريق في بلادهم، فيقول لهم: كان أبوكم حكيماً، وهو يعلم أن الفضيلة ليست فضيلة الخاتم، إنما فضيلة لابسه، أحدكم يرتدي الخاتم الأصل، على كل منكم أن يؤكد أن خاتمه هو الأصل بما يقدر عليه من فضيلة).
بوكاتشيو يورد القصة في كتابه الممتع (الديكاميرون) ويرجعها إلى أصل شرقي، يرى البروفسور فيرتهايمر أنه أصل إسلامي، وحقيقة تصوره هذا يجانب الحقيقة ولا يمكن أن توافق هذه الحكاية التصورات الإسلامية ولا المسيحية، ذلك أن التصور الإسلامي للأديان الثلاثة يتحدث عن أصول ثلاثة، ينسخ الجديد منها الأقدم، بينما المسيحية تتحدث عن أصلين، أصل تلوث وأصل أزال الدنس، لذلك لا يمكن أن يكون الحكاية سوى نتاج تفكير يهودي، وهذا ما أكده ليسينج في سياق أدبيته الرائعة، إذ جاء بالحكاية على لسان اليهودي وإن كان في هوامشه يشير إلى الديكاميرون.
ولكن المهم لدى ليسينج أن يقول أن الدين لا يفاضل الأديان الأخرى إلا بما يقدمه من فضل ومن تصورات إنسانية راقية، وفي هذا الإطار نتفهم النقد الشديد الذي وجهه ليسينج إلى اليهود بوصفهم الشعب المختار إذ يؤكد هذه الفكرة ولكنه يرجعها إلى أن الله أراد أن يضرب مثلاً كيف أن هذا الشعب المختار لانحطاطه يمكن أن ينتج فكرا، فهو مختار لأنه من أحط الشعوب بين البشر.
فيرتهايمر بقي يحاول دأبه أن يجد صلة ما بين الحكاية والمسلمين ليقول للمسلمين عليكم تبني هذه النظرية في حل مشكل الصراع، ولكنه لم يفلح لا كثيرا ولا قليلا، وفي مسودة لمحاضرته التي لا ننكر قيمتها العالية والأكاديمية، بقي هذا الجهد نافرا عن جسد قراءته لليسنج.
وحقيقة ليسنج من أهم رواد الدين الطبيعي في الثقافة الغربية، يحتاج إلى قراءة متأنية وخاصة في سفره المدهش (تربية الجنس البشري) الذي ترجمه وعلق عليه الدكتور حسن حنفي بحذاقة وجهد مميزين.
نظرية ليسينج التي يمكن استجلاء خيوطها في مسرحية ناثان الحكيم على وجه الخصوص تقوم على دعامتين:
الأولى أن الاشتباك قائم، والتداخل قدر البشر الذين يتشاركون هواء هذا الكوكب، والاشتباك حافل بالإشكاليات على صعد مختلفة ثقافية واقتصادية وروحية وعاطفية و…الخ.
الثانية أن التفاضل يكون بالعمل من أجل المجموع، وما يقدمه كل طرف من فضل للبشر عامة ومن أجل واقع إنساني أكثر أمنا وسعادة.
غونتر موراك في محاضرته عام 2004 لم يتمكن أن يرتقي إلى مستوى تصور من تصورات ليسينج، مع انه ينطلق من نفس الدائرة الثقافية والجغرافية، فتصوره كان مبنيا إلى حد كبير على خدعة الشراكة المتوسطية، الشعار الذي تبنته دول أوربية كثيرة من أجل احتكار منطقة البحر الأبيض المتوسط، من خلال ترغيب بوعود لا طائل منها، وترهيب بضغوطات غير معلنة، لتبقى دول الجنوب المتوسطي مجرد حديقة خلفية لدول الشمال المتوسطي، وإن كانت مزينة بشعارات فرنان بروديل.
ولعل عذر غونتر مواراك في ذلك أنه دبلوماسي تربى في دوامة السياسة الخارجية للاتحاد الأوربي، وإنه يفتقد رؤية استشرافية لا تسلس قيادها إلا لصاحب فكر، لذلك تخبط كثيرا، ولم يتمكن من تقديم شيء مجدٍ أو ذي بال.
يرى معظم الغربيين المعاصرين مشكلة بنيوية في الفكر الإسلامي إزاء التعامل مع الأخر ومشاركته الواقع العالمي، ويتهم معظمهم العالم الإسلامي بأنه يدعو للحوار كونه الطرف الأضعف، وحقيقة أن هذا التصور متوغل في فلسفة الكثير من الاتجاهات الإسلامية والقومية، فهي ترى الحوار تكتيكا مرحليا، لا استراتيجية دائمة، ولكن التصور الغربي لم يكن يوما ما أفضل بالمقابل، فالنزعة الكولونيالية تغلف كل الفضاء الفكري في الغرب، والتصورات الاستشراقية بقيت مدخل كل باحث عن كنه الشرق الإسلامي مما يصبغ بحثه واجتهاده بلوثة إيديولوجية مسبقة، وحالة النفاق سواء في دائرة الثقافة الإسلامية أو الغربية تقيم أواصر وهمية لا تلبث أن تتهاوى عند أول لفحة سوء فهم. وفي تصريحات البابا وما سبقها من اعتداء على رموز إسلامية وما تبعها وتلاها أيضا الكثير من الدلائل على جدية مفقودة في النظر إلى المسألة بعيدا عن تجاذبات إقصاء الآخر واستئصاله.
*** الإسلام في الديار الأوروبية: نظرات الى التاريخ والقضايا والمستقبل

بقلم: يونس إريك جوفرو

لم يبدأ الحضور الإسلامي في القارة الأوروبية مع وصول الموجات الأولى من المهاجرين القادمين من العالم الإسلامي، إنه أبعد من ذلك. صحيح أن مساهمة الإسلام في بناء الهوية الدينية والروحية لأوروبا قد وقع الاستنقاص منها في الغرب، مثلما تم استنقاص مساهمة الحضارة العربية الإسلامية في شكل عام. فأوروبا ليست فقط وليدة الثقافة اليونانية اللاتينية والثقافة اليهودية المسيحية، كما يحاوَلُ أحياناً إقناعنا. يتعيّن علينا إذاً القيام بنبش الذاكرة حول «الميراث المنسي» الخاص بالإسلام. وفي الحقيقة فقد شُرع في هذا العمل منذ بضعة عقود، ويجب أن يُنجز هذا العمل بعقلية التفتح العلمي والثقافي وليس بعقلية المطالبات الدينية أو الطائفية أو غيرهما.
لا بد من التذكير في البداية أن الحضور الإسلامي الفعلي قديم ومتجذر في قارتنا. وإذا كنا نعلم تمام العلم أن جزءاً من أسبانيا قد ظل مسلماً ما يناهز ثمانية قرون، فإننا لا نعلم إلا القليل عن بقاء الإسلام مدة أربعة قرون في صقلية - كانت باليرمو في القرن العاشر تعُدّ ثلاثمئة مسجد - والقليل القليل عن وجوده في جنوب إيطاليا. ولم تنطفئ شعلة الثقافة العربية الإسلامية في هذه المناطق بعد خروج العرب، بل استمر إشعاعها طوال قرون عدة. وفضلاً عن ذلك، كانت لأوروبا الشرقية تجربة واسعة مع الإسلام الذي توطد في البلقان بعد الفتح العثماني منذ أواخر القرن الرابع عشر. فقد تركت هذه القرون من الحكم العثماني لها بصمة لا تمحى. وعلى رغم القرون المنقضية، وعمليات المد والجزر البشري المفروضة، فإن تلك المناطق تشهد إلى اليوم حضوراً إسلامياً غير منقطعٍ في قلب القارة الأوروبية. ففي كوسوفو وألبانيا، على سبيل المثال، نجد أن نسبة المسلمين تصل إلى 90 في المئة في الأولى و70 في المئة في الثانية. أما روسيا، فقد عرفت بدورها الإسلام منذ القرن الحادي عشر، لكن ذلك قد يجرنا إلى الحديث عن أوروبا أخرى قد تمتد إلى الأورال...
تتجلّى الإضافة الدينية للإسلام في أوروبا العصور الوسطى بداية في اللاهوت والفلسفة. فقد أثّر علماء المسلمين أمثال ابن سينا والغزالي وابن رشد، وكذا المعتزلة أيما تأثير في الفكر اللاتيني في العصور الوسطى. وسرعان ما أثارت مسألة التوافق أو التعارض بين الفكر الإغريقي والعقيدة الدينية نقاشاً واسعاً بين المسلمين. ولم يتأخر علماء اللاهوت «الأوروبيون» من يهود أمثال ابن ميمون، ونصارى أمثال القديس توماس الأكويني عن مناقشة هذه المواضيع. وأدى تأثير الفكر الإسلامي على الفلسفة الكلاسيكية المسيحية إلى نشوء تيارين: تيار ابن سينا اللاتيني وتيار ابن رشد اللاتيني. ولا بد من التذكير بأن الغرب اكتشف الفلسفة الإغريقية بفضل أعمال الترجمة إلى اللغة العربية لمؤلفات أرسطو وأفلاطون وأفلوطين في شكل خاص. ولم يكتف علماء المسلمين بالعمل كوسطاء لنقل الثقافة، بل أضافوا بصمة عبقريتهم العلمية والروحية والإنسانية. وفي القرن الثالث عشر، تمكن الإمبراطور فرديريك الثاني، بعد أن انتابته هواجس ميتافيزيقية، من العثور على أجوبة عن أسئلة فلسفية كانت تراوده لدى أحد متصوفة مدينة سبتة هو ابن سبعين. والتحق العلماء والأدباء الأوروبيون من لاتينيين وجرمانيين وسلافيين بمدرسة الفكر الإسلامي مع استيعابهم أيضاً لبعض الأنماط الدينية. ونحن نعرف اليوم أن الكوميديا الإلهية للكاتب دانتي أخذت الكثير من كتاب معراج محمد الذي نشرت في إيطاليا نسخة شعبية منه تحكي قصة معراج النبي (صلى الله عليه وسلم(
كما أثرى الإسلام أوروبا في العصور الوسطى في المجالات الروحية والتصوف. وإذا لم تترك رابعة [العدوية]، زاهدة العراق، إلا أسطورة رائعة في بلاط القديس لويس، فإن الصوفية غذت المذهب الروحي للجماعات الكهنوتية الصليبية كجماعة الهيكل. وبظهور أعمال القس الأسباني (آسين بالاثيوس) في بداية القرن العشرين، بدأ أيضاً الإقرار بتأثير الصوفية المغاربية على روحانيين أسبان مثل القديس (جان دو لكروا) والقديسة (تيريز دافيلا)، وذلك عبر الروحانيين اليهود. بل إن بعض الباحثين الغربيين - من غير المسلمين - ذهبوا إلى أن ممارسات الشعائر الروحية لـ (إجناص دي لويولا) ربما اعتمدت على طرق التلقين الصوفي. ألم يولد «الشيخ الأكبر» للروحانية الإسلامية ابن عربي (المتوفى عام 1240م.) في أسبانيا؟ وحتى إذا كان قد استقر في ما بعد في المشرق بدمشق، فإنه يعود إلى الغرب المعاصر بفضل الإشعاع الذي عرفته تعاليمه الإنسانية هناك. وبغض النظر عن التأثيرات أو الاقتباسات، فإنه يمكننا أن نتبين أن اليهود والمسلمين والمسيحيين كانوا متعايشين في غالب الأحيان في الأمصار المتاخمة المذكورة أعلاه، والتي صارت تحت سلطة المسلمين. وإذا كانت الأندلس تعتبر النموذج المثالي لهذا التعايش السلمي والمثمر بين الديانات الثلاث، فإن آسيا الصغرى والبلقان شهدت أيضاً قيام علاقات حميمية بين الديانات، خصوصاً بين الرهبان والدراويش.
والفترة المهمة الأخرى التي تلاقى فيها الإسلام مع الغرب، والتي كانت في الواقع فترة مواجهة، كانت أثناء التوسع الاستعماري للدول الأوروبية. ففي حالة فرنسا، كان لهذا الحضور في العالم الإسلامي، وفي الجزائر في شكل خاص، الدور المؤسس، لأنه أثر في شكل دائم على الطريقة التي كانت تنوي الجمهورية الفرنسية إدارة علاقاتها مع الإسلام كعبادة موجودة فوق التراب الفرنسي ذاته. وأصبحت فرنسا منذ القرن التاسع عشر عبارة عن «قوة إسلامية".
لقد أدى الاستعمار إلى نشوء حركة هجرة كبيرة من أوروبا باتجاه العالم الإسلامي، تلاها بعد ذلك مباشرة موجات مختلفة من الهجرة المعاكسة، وكان أهمها تلك التي ظهرت في الستينات من القرن العشرين. ومع بداية الثمانينات من القرن نفسه، ظهر الإسلام كحقيقة دينية جماعية وليس كديانة فردية وعائلية. ومنذ ذلك الحين، بدأ نسيج جمعياتي بالتشكّل، وبدأ المسلمون يطالبون بأماكن عبادة معقولة وعلنية داخل المدينة الأوروبية. وتميزت العشرية الموالية بإعادة أسلمة جمهور المسلمين الأوروبي. وأصبح الإسلام، خصوصاً في أوساط الشباب، طريقة مفضلة لتأكيد الذات وتأكيد الهوية ذات البعدين الشخصي والجماعي في آن معاً. إن إعادة التكيف هذه، ذات الطابع الديني تَرَافَقَت مع المطالبة بمواطنة أكثر فعالية. كما إن المداخلات الكارسماتية المتكررة لطارق رمضان أمام الشباب تسير في هذا الاتجاه. نحو ثقافة إسلامية أوروبية يناهز عدد المسلمين في أوروبا الغربية اليوم 15 مليوناً على أقل تقدير. وتضمّ فرنسا وحدها ما لا يقل عن خمسة ملايين منهم، مما يجعلها أول بلد مسلم في أوروبا من حيث العدد. وعلى رغم التنوع في الأصول العرقية والوطنية والثقافية والطقوسية، فإن الحضور الإسلامي في أوروبا الغربية يفرض نفسه أكثر فأكثر كحضور إسلامي أوروبي، ونحن نلاحظ بروزاً تدريجياً لإسلام محلّي. وهكذا نجد أن حوالى نصف المسلمين في فرنسا يحملون الجنسية الفرنسية. ولسنا في حاجة إلى التذكير بأن الإسلام متعدد. وأن السلطة لا تقتصر فيه على مصدر وحيد، ولا يشتمل على سلطة عقائدية عليا على غرار البابوية. وبناء عليه، تستطيع الحساسيات الأكثر اختلافاً في ما بينها التعبير عن نفسها في إطاره: بدءاً من أقصى دعاة التطبيق الحرفي أو الأكثر تشدداً مثل الوهابية في السعودية، إلى الأكثر تفتحاً أو الأكثر كونية على غرار الصوفية، مروراً بالإصلاحيين الذين يعملون على الجمع بين التقاليد والحداثة، إلخ. وعملياً، هناك الكثير من الفوارق الدقيقة التي يجب مراعاتها لأن هذه التيارات تأثر في بعضها البعض.
ويجد المجتمع المدني والسلطات العمومية نفسها منذ سنوات عدة في حاجة إلى أطراف من المسلمين معروفين جداً. لقد دخل الإسلام الأوروبي مرحلة التنظّم، في وقت نجد، في شكل معاكس، أن الديانات الأخرى بدأت تتخلص شيئاً فشيئاً من الوضع المؤسسي. ومنذ بضعة أعوام، اكتسبت دول مثل أسبانيا وبلجيكا بعض التجربة في هذا المجال، لكن الإسلام في فرنسا خطا خطوة حاسمة بانتخابه هيأته، المتمثلة في المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في أيار (مايو) 2003. وصار الإسلام يشارك في البرامج الأوروبية الكبرى، كبرنامج امنحوا روحاً لأوروبا، عندما لا يكون هو نفسه محوراً للجدل.
لا يزال يُنظر إلى الإسلام على أنه في الغالب «ديانة خاصة بالمهاجرين»، مما جعل السلطات العمومية تحافظ على طريقة تسيير ملفه مثلما كان معمولاً به في الفترة الاستعمارية أو فترة ما بعد الاستعمار. لا بد إذاً من الحديث عن الذين «اعتنقوا» الإسلام. ففي أغلب الحالات، يعتبر هؤلاء لحظة دخولهم إلى الإسلام كإنجاز متمم لانتمائهم الديني السابق، وليس كردة. فالإسلام الذي يقدّم نفسه كآخر ديانة موحاة لهذه الإنسانية، يعترف بالديانات الأخرى في نصوصه المؤسسة (القرآن والسنة)، ويعتبرها فروعاً للشجرة الآدمية. وفي هذا الصدد، وما دام القصد من لقائنا هو إقامة حوار بين البوذية والإسلام، نشير إلى أنه ورد ذكر الإله بوذا ثلاث مرات في القرآن، حسب غالبية المفسرين.
منذ حوالى عشرين سنة خلت، كان المعتنقون الجدد يدخلون الإسلام بهدف الوصول إلى التصوف. وكان معظم هؤلاء من المثقفين والفنانين، الذين كانت أعمال رينيه غينون (المتوفى عام 1951) حاسمة بالنسبة إليهم. وقد شهد هذا اللاهوتي الفرنسي، الذي اعتنق الإسلام وتسمّى بعبدالواحد يحيي وعاش في القاهرة، على كونية السنّة الأساسية بطريقة واضحة للغاية، مما جعل أعماله تبقى مرجعاً لكل «الباحثين عن الحقيقة»، بخاصة في الوسط البوذي الغربي. وعمل لاهوتي صوفي آخر وهو فريثجوف شون (تـ. عام 1998) بدوره على تطوير موضوع «الوحدة المتعالية للأديان» التي هي ترجمة لمبدأ وحدة الأديان الذي قال به متصوفة العصور الوسطى.
من الواضح أن الصوفية لعبت دائماً دوراً رئيسياً في الحوار بين الديانات. ويُفهَم ذلك أفضل إذا علمنا أن الأولياء المسلمين، بحسب مشايخ الصوفية، هم ورثة الأنبياء السابقين عن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) عبر الوظيفة الجامعة والمركبة للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي لخص أنواع النبوات السابقة جميعها. ورُبّ وليٍّ يكون في لحظة من حياته أو طيلة حياته «نوحياً» (نسبة إلى النبي نوح) أو «إبراهيمياً» أو «موسوياً» أو «عيسوياً» (عليهم السلام). عرف التصوف إذاً أولياء موسويين كانوا يغطون وجوههم كي لا يعمي نورهم مخاطَبيهم ولا يتسبب في مقتلهم، تماماً كما فعل النبي موسى (عليه السلام) وهو ينزل جبل سيناء. وكان البعض الآخر من الأولياء العيسويين (نسبة إلى المسيح عيسى بن مريم) يدّعون القدرة على إحياء الموتى، كما فعل عيسى (عليه السلام). ولا يزال الأولياء المعاصرون يعيشون هذه التجربة المتمثلة في الإرث النبوي، لكن الأمر يتعلق هنا طبعاً بمجال يتجاوز التحليل الخارجي.
كما نشهد في أيامنا هذه ما يمكن أن نسميه «اعتناق الأجوار»، الذي له علاقة بأصدقاء أو جيران أو زملاء مسلمين، ويكون ذلك أحياناً في أحياء الضواحي. كما لا ننسى دور الزواج المختلط. ففي فرنسا، نجد أن عدد النساء اللاتي يعتنقن الإسلام يفوق عدد الرجال، وهذا معـطى يجـب التفكيـر فيه. لا يمكن إعـطاء رقم صحـيح عـن عدد الأشخاص الذين اعتنقوا الإسلام، لأن تغيير الدين لا يتطلب تصريحاً رسمياً. إضافة إلى ذلك، هناك الكثير ممن يخفون إسلامهم بسبب المعاداة للإسلام التي تعشش بين بعض الطبقات من السكان. بل وصل الأمر إلى حد القول إن 200 ألف شخص اعتنقوا الإسلام، ولكنه من المنصف القول إن العدد يتراوح بين 30 و40 ألف شخص. ولا بد أيضاً من دراسـة أسباب اعتناق الناس للإسلام. عوائق ومحاسن الإسلام الأوروبي نحن نعيش ظهور ثقافة إسلامية أوروبية كأمر واقع، لكن هذه الثقافة تواجه عوائق كثيرة لم تعرفها البوذية في أوروبا. فمن جهة، يرزح الإسلام الأوروبي تحت وطأة الجهل بأمور الدين لدى الجيل الأول من المهاجرين الذين لم يعرفوا أو لم يستطيعوا تربية أولادهم ضمن المنظور الكوني للإسلام. وهو يخضع، من جهة ثانية، إلى عبء الخلط عند بعض المسلمين بين التعاليم الحقيقية للرسالة الإسلامية والعادات العربية أو البربرية أو الأفريقية أو التركية، وغيرها. فالإسلام الفرنسي في شكل خاص، لا يزال خاضعاً للإيديولوجيات والتناقضات الوطنية السائدة على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، وخاضعاً للارتباطات الديبلوماسية أو السياسية التي تربطه بالبلدان الأصلية. لكن الشباب المسلم يرفض الإسلام المتوارث عن الآباء، إسلام قد يُختزل في الحلال والحرام، ويرونه نوعاً من العقيدة الشكلية الغثة. فهم، على غرار الطبقات الاجتماعية الأخرى، يحسون في حاجة إلى الوصول إلى روحانية أصيلة تكون عاملاً للصحوة والتحرر.
هنا يكمن الأمل في إسلام أوروبي جديد، مع فرصة التوجه نحو ما هو جوهري، أي نحو محور التوحيد، البحث عن الوحدانية، وعملية التوحد ذات الأهمية المركزية في الإسلام. وبهذا الشكل، يمكن للمسلمين الأوروبيين أن يتخلصوا أكثر فأكثر من القيود العائلية والطائفية والوطنية وغيرها في شكل أفضل. إن العقيدة الصوفية في «الإنسان الكامل»، إذا ما صيغت بعبارات متلائمة مع عصرنا، قد تتيح للبعض على الأقل الوصول إلى هذه الحرية الداخلية التي من شأنها أن تمدهم بها الروحانية. إن مثال الأمير عبدالقادر يستحق التأمّل. فهذا البطل المتصوف فهم أنه لا بد من الانتقال في وقت من الأوقات من الجهاد الأصغر ضد الفرنسيين، هذا الجهاد الذي لم يعد مطابقاً للنهج الرباني، إلى الجهاد الأكبر لأنه يحرر الإنسان من شهواته وأوهامه.
مبدئياً، يتعين على المسلم أن يكون مطمئناً في أي مكان من الأرض، وذلك بحكم هذه المحورية الداخلية التي أشرنا إليها أعلاه والتي يستمدها من التوحيد. لا وجود لهيكل في الإسلام لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: «وجُعِلتْ لي الأرض مسجداً وطهوراً»، وكل شخص مسلم، سواء كان ذكراً أو أنثى، هو إمام لنفسه عند القيام بصلاته منفرداً. ومن الناحية التاريخية، فقد تكيف الإسلام دائماً مع سياقات المكان والزمان المختلفة، بل أظهر رغبة جامحة في التعرف الى الثقافات المختلفة التي احتك بها أو في استيعابها. وحتى يتسنى للشخصية الإسلامية الأوروبية استرجاع تناسقها الكامل، فإنها مدعوة للتفتح على الكوني، مدعوة لاكتساب نظرة ميتافيزيقية للعالم، وذلك للقضاء على الازدواجية، إن لم نقل الانفصام في الشخصية، التي تؤدي إلى نشوء توتر خطير في النفس المسلمة بين الغرب والشرق، بين الضفة الشمالية والضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، بين الإسلام والمعاصرة، بين الإسلام والعلمانية، بين الإسلام والمواطنة، إلخ. وفي الواقع فإن المسلمين عرضة للقلق نفسه الذي يحس به الأوروبيون الواعون نسبياً: الهدم الذي تقوم به «الحضارة» الميكانيكية، ضياع المعالم، وخيبة أمل العالم...
فقط الضمير الموحد وحده، ثمرة تجربة التوحيد، هو الذي يتيح للمسلمين أين وُجِدوا اقتحام كل مستويات الحقيقة بحكمة، وذلك بإعطاء كل مستوى من مستوياتها حقه ومكانته. فالنبي (صلى الله عليه وسلم) لم يكن يطالب المحيطين به من رجال ونساء بشيء آخر.
)الحياة - 09/06/07(
***

حوار الحضارات.. ثلاث رؤى غربية

بقلم: سمير مرقص

قبل البدء في التعرف على الرؤى المعاصرة الغربية السياسية للعلاقة بين الحضارات لا بد من التأكيد على أن الغرب ينطلق من أرضية فكرية تقول: إنه أنجز ماديا وروحيا، وإن حضارته هي الحضارة التي يجب أن يقتدى بها. وبفضل هذا الإنجاز فإنه لديه الحق كل الحق في تحديد طبيعة العلاقة وفق ما تمليه عليه مصالحه. "فالتقدم المادي لا يحدث دون تعبئة روحية وتجديد في القيم؛ بمعنى اكتساب قيم جديدة حول العمل والإنجاز والحقوق والواجبات".
فالقيم -أخلاقية كانت أو دينية- جزء من سيرورة المجتمع، وهي أيضا تتجدد بتجدد المجتمع؛ فالرق الذي كان مقبولا لم يعد كذلك، أما الديمقراطية والحق المطلق بالملكية الخاصة والانتخابات وحقوق الإنسان والمواطنة فهي مبادئ جديدة عرفت في الغرب الأوربي أولاً ثم الأميركي. إن تقدم الغرب ليس مجرد إضافات لإنجازات مادية على منظومة قيم ثابتة؛ بل جاء نتاجا لتجدد مادي وروحي، ربما يكون قد تم بسبب التوسع الخارجي ونزح الثروات، إلا أن ذلك أمر آخر؛ حيث تحقق الإصلاح الديني في الداخل الغربي: الأوربي ثم الأميركي، وتم إنجاز التقدم العلمي، ومورست مبادئ الديمقراطية وولد الفرد المواطن.
وبالرغم من أن هذه الرؤية تحمل قدرًا من الإدراك بالذات الحضارية في علاقتها بالحضارات الأخرى -وهو الإدراك الذي حكم العلاقة بين الغرب والآخرين على مدى زمني طويل، فسادت هذه الرؤية على حساب رؤى أخرى- فإن الواقع الغربي لم يمنع في إطار سياقه الداخلي أن تعبر الرؤى الأخرى عن نفسها. صحيح أن المصلحة السياسية قد حددت إلى حد كبير أن تسود الرؤية ذات الطبيعة المهيمنة بسبب التوجهات التوسعية التي حكمت السياسات الغربية على مدى قرنين من الزمان.
وفي محاولة للاقتراب من هذه الرؤى والتعرف عليها وتسمية الأمور بمسمياتها يمكننا رصد ثلاث رؤى غربية فيما يتعلق بالعلاقة بين الحضارات وبخاصة في بعدها السياسي، وذلك كما يلي:
1. الرؤية الاستشراقية/المناطقية (القديمة/الجديدة).
2. الرؤية الاستشراقية المعدلة.
3. الرؤية المدنية/الشعبية/القاعدية.
بيد أنه -قبل استعراض الرؤى الثلاث- لا بد أن نشير إلى أن أحداث 11/9 قد أظهرت أن العنوان الرئيسي لها هو "الغرب والإسلام"، وهو ما تجلى في ردة فعل الإدارة الأميركية -تصريحا وتلميحا- وربما أوربا، حول العلاقة بين الحضارتين، ومن ثم فإن رصدنا للرؤى الثلاث ينطلق من هذا الأمر؛ أخذًا في الاعتبار أننا نميل إلى عدم اختزال الأمر في العلاقة ذات الطبيعة الدينية أو الثقافية -صداما كانت أو حوارا- وإنما إلى إدراك الأسباب الحقيقية وراء الإصرار على جعل العلاقة ذات طبيعة دينية وثقافية والخلط بين مفاهيم الثقافة والحضارة والدين من دون تمييز، والأمر لدينا يبدو وكأنه مقصود "لتغطية المصالح" الحقيقية. الرؤية الاستشراقية القديمة يمكن القول بأن هذه الرؤية تتأسس على أن هناك صراعا تاريخيا بين عالم الغرب وعالم الإسلام، الضارب بجذوره إلى أكثر من ألف سنة، بحسب فريد هاليداي، بدءًا من فتح أسبانيا في القرن السابع مرورًا بالحروب الصليبية (والمعروفة بالفرنجة) ثم النزاعات العثمانية الأوربية والصراعات العرقية في عالم ما بعد الحرب الباردة في القارة الأوربية. ويضاف إلى ما سبق -بحسب إدوارد سعيد- أن "مصطلح" الإسلام "يبدو كأنما يدل على شأن واحد بسيط، ولكنه في الحقيقة وهم في بعضه أو تعميم أيديولوجي في بعضه، وهو تحديد بسيط جدا للإسلام في بعضه الآخر وذلك كما هو مستخدم اليوم في الغرب". ويضيف عبارة مهمة منصفة أنه "لا تقوم أي مقابلة مباشرة على أي درجة من الأهمية الحقة بين الإسلام بسكانه وحدوده الشاسعة وبالعشرات من مجتمعاته ودوله وتواريخه وجغرافيته وثقافاته".
ويعد هذا التحديد المنهجي الذي يطرحه إدوارد سعيد هو جوهر النظرة الاستشراقية التي ربما تخفت لفترات زمنية ولكنها بالقطع تستدعي في لحظات التوسع الغربي الاقتصادي في الجوهر، أو بحسب أنور عبد الملك في حديث وجهه إلى المستشرقين قائلا: "... إن بداية استشراقكم تزامنت مع بداية فتوحاتكم". وتقوم الفكرة الاستشراقية (السياسة) أو المناطقية بالتعبير الحديث Area Studies على قاعدتين هما:
‌أ) "التباين المطلق" بين الشرق والغرب.
‌ب) "السجالية التاريخية" بين الشرق والغرب.
* فبالنسبة للقاعدة الأولى نجدها تنطلق من مقولة كبلنج الشاعر "الغرب غرب والشرق شرق ولن يتقابلا أبدا". فدعاة الفكر الغربي يقدمونه باعتباره موحدًا وله خصوصية ثابتة منذ البدء، حيث ضمنت احتمال التقدم وهو احتمال غائب عن الشعوب الأخرى فلا مستقبل لهذه الشعوب إلا إذا تخلوا بالجملة عن هويتهم وخضعوا لتغريب شامل، كما يدعي هؤلاء أيضا أن تفوق الغرب قد تواجد ضمنيا منذ الأصل؛ وهو ما يضفي طابعا عنصريا على هذا الفكر.
* أما بالنسبة للقاعدة الثانية "السجالية التاريخية"، فإنه في إطار تكريس الإطار المعرفي لعلاقة الغرب بالشرق أعطى الغرب لنفسه الحق أن يكون باحثا، والشرق هو موضوع هذا البحث. وتتحول نتائج هذا البحث لتكون سجالا بينهما، والسجال هنا -بحسب عزيز- العظمة، "ليس خطابا حول النواقص، بل هو خطاب جوهري يواجه عدمه؛ أي نواقصه المطلقة...".
إن هاتين القاعدتين تصبان في اتجاه التقسيم الكوني والتمييز البشري مثلما أوضحهما أبلغ التوضيح برنارد لويس: "ثقافات في صراع"؛ وبالإضافة إلى هذه الدراسة دراسة هنتينغتون الشهيرة صدام الحضارات حيث التأسيس لفكرة "الغرب والآخرين".
لقد كانت مهمة هنتينغتون ومعه مدرسة كاملة من النخبة الأميركية هي التأكيد على مضمون المدرسة الاستشراقية القديمة بخطاب ومفردات تتناسب والمصالح الغربية الحالية خاصة الأميركية بعد الحرب الباردة، والتي نجد تعبيرًا لها في المرجع المهم الذي صدر عن مركز دراسات المناطق بهارفارد والذي صدر عام 2000: أمور ثقافية Cultures Matters؛ حيث العوامل الثقافية وحدها دون غيرها هي المسئولة عن تشكيل التنمية الاقتصادية والسياسية، والتأكيد على ثنائية "نحن" و"هم"، بل وإحالة أسباب تخلف الشرق إلى العوامل الجغرافية والمناخية أي استعارة المفاهيم القديمة وإعادة توظيفها مجددا. والكتاب من تحرير لورانس هاريسون وصاموئيل هنتينجتون. وعليه لا نجد فرقا كبيرا بين ما كان يطرح في القديم وما يطرح الآن في إطار هذه الرؤية.
ونجد هذا الخطاب جليا في وثيقة الستين التي دعت إلى الحرب العادلة عقب 11 سبتمبر؛ حيث ضمت اليمين السياسي واليمين الديني في آن واحد، كذلك مضمون الخطاب السياسي الأميركي الذي أعلن بكل وضوح على لسان رئيسه في الاجتماع المشترك لمجلس الكونجرس "أنها حرب حضارات".

الرؤية الاستشراقية المعدلة

وهي مدرسة تدعو للحوار بين الثقافات والحضارات والأديان انطلاقًا من أن الصدام الحضاري ليس صدامًا حول "المسيح" أو "كونفوشيوس" أو "محمد" صلى الله عليه وسلم بقدر ما هو صراع سببه التوزيع غير العادل للقوة والثروة والنفوذ، والازدراء التاريخي الذي تنظر به الدولة والشعوب الكبرى إلى الصغرى. وفي نفس الوقت يعيد أبناء هذه الرؤية النظر إلى الثقافة باعتبارها وسيلة للتعبير عن المنازعات وليست سببا فيها. بيد أنه بالرغم من محاولة التمايز عن الرؤية الاستشراقية ببعديها القديم والجديد فإن هاجس وجود عدو وضرورة تحديد هويته يبقى أمرًا مشتركًا بين الرؤيتين. فالإيجابي الذي يعكس سمة الاختلاف -بعض الشيء- مقارنة بالرؤية الأولى هو أن هذه الرؤية لا تقوم بشكل مسبق بتسمية العدو، وإنما تضع مبادئ مرجعية للقياس عليها، وتخلص إلى أن من يقف ضد هذه المبادئ سيصبح عدوًا بالضرورة، وهذه المبادئ يمكن إيجازها فيما يلي:
‌أ. الرأسمالية والسوق الحرة.
‌ب. حقوق الإنسان والديمقراطية الليبرالية العلمانية.
‌ج. الدولة/الأمة كإطار للعلاقات الدولية.
لا يتردد أصحاب هذا الاتجاه من توجيه بعض الانتقادات للنظام الغربي كما يقبلون بعض الانتقادات التي يوجهها "الآخرون" من العالم الثالث/الشرقي للممارسات الغربية؛ وهو ما يعني وجود مساحة حوارية بين الغرب والآخرين، ولا يمانع أيضًا أنصار هذه الرؤية من الأخذ بمفردات ومفاهيم بعض الاتجاهات النظرية لمدرسة التبعية من نوعية: المركز الأطراف، كذلك قبول بعض المصطلحات الدالة على أوضاع اجتماعية واقتصادية صكها المجتمع الدولي مثل: الشمال والجنوب، الأغنياء والفقراء، بل والاطلاع على نتائج المنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع الدولي في العالم فيما يتعلق بقضايا البيئة والموارد والفقر والتنمية والمرأة... إلخ.
ويكرس أنصار الرؤية الاستشراقية المعدلة وقتًا غير قليل لمحاولة فهم الواقع المجتمعي للعالم الثالث بوجه عام وللبلدان الإسلامية بوجه خاص، ويحاولون التعرف على الأسباب التي أدت إلى عدم استقرار بعض هذه البلدان ومدى تأثير ذلك على النظام العالمي.
وتتفهم الرؤية الاستشراقية المعدلة كثيرًا مشاعر العالم الإسلامي في أنه يعيش تحت حصار فرضه عليه الغرب في عديد من المجالات الحيوية السياسية والعسكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ويمتد هذا التفهم إلى إدراك الأسباب التاريخية التي أدت إلى ذلك، وإلى إشكاليات عملية التحديث التي فرضها الغرب وما اقترن بها من توترات اجتماعية واقتصادية.
إلا أن أنصار الرؤية "المعدلة" يقاومون بكل قوة الاستقلال التام عن الغرب بل ومنع ذلك وضرورة اتباع النموذج الغربي الذي أثبت نجاحه، وعليه تطرح هذه الرؤية مهام، على الغرب أن يؤديها، وذلك كما يلي:
أ. مراجعة القيم والمفاهيم الغربية لتواكب المتغيرات.
ب. ترك العالم الثالث يسلك طريقه نحو التحديث، كل حسب الطريقة التي يختارها، والتفاعل بصورة إيجابية مع الدول التي تحقق تقدما اقتصاديا في الإطار الغربي.
ج. مساعدة الدول التي لا تستطيع تحقيق التقدم بحسب النموذج الغربي حتى لا تقوم مواجهة بين الغرب والآخرين.
إن أنصار هذه الرؤية يتيحون قدرًا من الحركة والحرية للآخرين، ولكنهم يؤكدون على مرجعية النموذج الغربي في النهاية؛ لذا فهم في النهاية ما هم إلا طبعة معدلة من الرؤية الاستشراقية في صورتها القديمة الجديدة. الرؤية المدنية الشعبية القاعدية هناك في داخل المنظومة الغربية من هم متحررون من التراث الكولونيالي بالمعنى الدقيق للكلمة، ويتجاوزون فكرة الحضارة/الكتلة التي تعني تماثل العناصر المكونة لها في مواجهة حضارة/كتلة أخرى. وعليه نجد أن أكثر من تشددوا في مواجهة العولمة هم أعضاء النقابات الغربية، والمدافعون عن البيئة، والناشطون في المجتمع المدني الغربي، والذين يحاولون بناء موقف مستقل عن أنظمة الحكم في الغرب وبخاصة الأميركية.
فمن المعروف تاريخيا أن الإدارة الأميركية تتولى بالنيابة عن الأميركيين إدارة شئون السياسة الخارجية بشكل مطلق والتي ازدادت في الآونة الأخيرة بوصول بوش الابن إلى مقعد الرئاسة الأميركية؛ حيث الإدارة ذات طابع يميني متشدد: سياسي وديني، وقد ازداد تشدد الإدارة بطبيعة الحال بعد 11/9. بيد أن أصحاب الرؤية المدنية القاعدية يحاولون التمرد على الرؤى والسياسات التي تؤدي إلى الصدام من واقع الهيمنة الغربية، وانحازوا للتصدي لسياسات الظلم الاجتماعي والاقتصادي داخليا في إطار المنظومة الغربية، ومدوا تضامنهم مع فقراء العالم والمتضررين بغض النظر عن انتماءاتهم، كما يؤكدون على أن التنوع من أهم الخصائص البشرية في وجه رؤى عنصرية تمثل تهديدا حقيقيا للتنوع ولكل ما يميز عرقا عن آخر، أو أيديولوجيا عن أخرى، أو دينا عن آخر. إن أنصار هذه الرؤية أمكنهم من خلال وسائل الاتصال الحديثة تعبئة التحالفات في شتى بقاع الأرض في مواجهة عنت الرؤى الحاكمة في الغرب والساعية للصدام من دون تمييز.
يمكن القول بأن هذه الرؤية تناقض ما سبق من حيث المضمون الفكري من جانب، وكذلك التحرك العملي من جانب آخر، إنها حركة قاعدية مدنية ترفض استئثار الغرب بالعالم، كما ترفض الصراع على القاعدة الحضارية: غرب – شرق، غرب – إسلام، وتعود إلى أصل هذا الصراع -في تصورها- وأنه صراع ضد العولمة بغض النظر عن أن من يطلقها هو الغرب؛ لأن هناك من يستجيب لها من الآخرين، وبالتالي لا بد من تعبئة كل المتضررين سواء في الغرب أو في الشرق، في الشمال الغني أو الجنوب الفقير، في الحضارة الغربية أو في الحضارة الإسلامية.
إنها في واقع الأمر حركة "العولمة من أسفل" التي تحاول تسليط الأضواء على التأثيرات السلبية لسياسات العولمة الاقتصادية والضغط من أجل زيادة معدلات الفقر والتهميش والتلوث البيئي وانتهاك حقوق الإنسان المترتبة عن سياسات المؤسسات المالية الدولية سواء في الشمال أو في الجنوب، والدعوة إلى بناء نظام اقتصادي عالمي بديل قائم على العدل وليس السوق الحرة والرأسمالية الشرسة، وبتعبير آخر عدم التعمية على ما سبق بمقولة صدام الحضارات.
في ضوء ذلك تشكلت العديد من المنظمات والجماعات غير الحكومية التي تمثل هذا الاتجاه، وتضم في صفوفها منظمات متنوعة ومتباينة الاتجاهات؛ فمنها الخيرية والدينية والإصلاحية والتقدمية والراديكالية والشبابية والنسائية والنقابات العمالية والجماعات الفلاحية والحركات الاجتماعية وغيرها من المنظمات الشعبية. وتسعى هذه المنظمات إلى تبني مسار للتنمية بديل للمسار الحالي للعولمة، وبناء هياكل اجتماعية واقتصادية وسياسية بديلة قائمة على التعاون والديمقراطية والمشاركة السياسية والعدل الاجتماعي والتنوع الثقافي وحماية البيئة.
وقد استفادت هذه الحركة من شبكة الإنترنت في سرعة الاتصال وتبادل المعلومات والتنسيق والتعبئة والحركة. كما اعتمدت على آلية عمل ديمقراطية غير مركزية (حيث كسرت احتكار المركزية الحضارية الغربية) تتناسب مع عدم تجانس المنظمات والجماعات المشاركة في هذه الحركة؛ وهو ما أتاح الاستقلالية في اختيار شكل ومساهمة وتحرك كل منها اعتمادا على إبداع وخبرة المشاركين ومبادرتهم.
وعليه تتجاوز هذه الرؤية ما تحاول أن تكرسه الرؤيتان السابقتان، ولعل ما حدث في سياتل ودربان وكذلك بيان المثقفين الليبراليين والتقدميين المائة والأربعين في مواجهة بيان الستين عقب 11/9 يكشف عن هذه الرؤية. وفيما يخص بيان المائة والأربعين نجد أنه بحق -بحسب السيد يسين- خطاب معارضة أميركي يؤكد أن هناك إمكانية التمايز عن الرؤيتين الاستشراقيتين (القديمة/الجديدة والمعدلة). إن هذه الرؤية تتيح أن تتحالف كل فئة في حضارة ما مع المقابل لها في الحضارة الأخرى، وهو ما ينطبق على الحوار القائم بين المجتمع المدني العابر للقوميات؛ وهو ما يمكن أن ينطبق عليه تعبير حوار الحضارات، خاصة أن الرؤيتين السابقتين يمكن اعتبارهما نخبويتين تعبران عن مصالح من يحكم، بينما هذه الرؤية قاعدية مدنية وشعبية.

نحو حوار حضاري بين القوى المدنية
وبعد.. حاولنا في عجالة أن نرصد الرؤى الغربية فيما يتعلق بالأبعاد السياسية لحوار الحضارات من جانب، وتفنيد مقولة "الحوار – الصدام" بين الحضارات من جانب آخر؛ فالحوار بين الحضارات تصبح الدعوة إليه في ظل دعاوى الصدام أمرًا ملتبسًا. إن الحوار المطلوب هو الحوار الممتد بين أصحاب المصالح المشتركة وعدم الخضوع لفكرة الحضارة/الكتلة التي تتماثل عناصرها، ومن ثم مصادرة إمكانية الحوار بين العناصر المتماثلة في كل حضارة. ولا شك أن المهمة الضرورية هي في النضال ضد ما من شأنه فرض رؤى مطلقة على طبيعة العلاقة بين الحضارات بشكل يجعل من الحوار وسيلة لتحقيق التبعية. فالديمقراطية وحقوق الإنسان التي نتجت في الغرب من خلال مسيرة حية على أرض الواقع دفع البشر ثمنها حروبا وصراعات، لا يمكن أن تفرض بشكل فوقي في أماكن أخرى بشكل ميكانيكي وبمنطق "الاستزراع" أو من خلال الحوار الذي يصبح وسيلة للهيمنة والدفع القسري لا أداة للتفاعل الحضاري الحقيقي الحر.
إن الديمقراطية وحقوق الإنسان لا يمكن فرضهما بالمنطق "الاستشراقي القديم/الجديد" أو "المعدل" مجددًا؛ حيث إنه تاريخيا تم إجهاض كل منهما بالتوسع الذي تم منذ القرن السادس عشر بحسب بيتر جران وإيمانويل والرشتاين وآخرين. إن انتصار النموذج الغربي في طبيعته الأميركية في الحرب الباردة ساعد على تدعيم فكرة "لماذا لا يأخذ الآخرون بهذا النموذج وإن كان قسرًا؟"، وفي مرحلة لاحقة طرحت الإدارة الأميركية شعار "إما أن يكون العالم معنا أو ضدنا"؛ وهو ما أوجد التناقض بين حرية الأخذ بالديمقراطية وتطبيق حقوق المواطنة والإنسان باعتبار ما سبق ثمرة نضال ذاتي وبين فرضها بالقوة الجبرية من أعلى.
في هذا السياق تأتي أهمية الرؤية المدنية القاعدية؛ حيث إمكانية أن تأخذ كل تجربة سياسية مداها في ضوء واقعها، كذلك إمكانية قبول وجود مركزيات أخرى غير غربية، وعليه يستقيم الحوار. علينا في هذه اللحظة التاريخية الفارقة خاصة مع التوحش الأميركي ونزوع الولايات المتحدة إلى السلوك الإمبراطوري فيما يتعلق بالعالم أن نمد جسور الحوار مع القوى المدنية والشعبية والقاعدية في الغرب والتي تتبنى رؤية في الواقع تتفق مع مصالحنا الحقيقية والواقعية والتي تمس أوضاع الناس بشكل مباشر وعدم الوقوع في فخ تحويل النظر عن هذا الأمر تحت مظلة الصدام الحضاري أو الديني. فالصراع أو الحوار لا بد أن يكون حول قضايا الناس ومصالحهم.

*** المجتمع المدني العالمي.. الصعود والتحديات بقلم: د. محمد السيد سعيد
برز تعبير "المجتمع المدني العالمي" مثله مثل تعبير "المجتمع المدني" ذاته مجددا في سياق التحولات التي رافقت انهيار القطبية الثنائية، وربما يصح ربطه أيضا مع خطاب العولمة.
ينهض هذا الربط لا بفضل الالتقاء حول مضمون معين وإنما بسبب جملة المشروعات والأفكار التي أطلقها انحسار التهديدات المرافقة للقطبية الثنائية وسباق التسلح والحروب الباردة. وقد عكست هذه الخطط والمشروعات روحا تفاؤلية بمستقبل العالم ومحاولة حث الخطى إلى طرق جديدة لعلاج مشكلاته وتطوير بنياته.
وتمثلت الفكرة العامة في عدة تصورات للمفهوم يمكن تقسيمها إلى المدارس التالية:
أولا: الرؤية المثالية التي ترى أن ثمة بشرى بحقبة سلام ممتدة تحدث قطيعة نسبية مع النمط التاريخي للعلاقات الدولية كما تأسست في أوربا منذ القرن السابع عشر. وما يسمى بالخطاب المثالي في العلاقات الدولية صار لأول مرة ممكنا. ومن المنظور الغربي بدا ممكنا مثلا توسيع نطاق الرفاهية والسلام الذي عاشته أوربا منذ الحرب العالمية الثانية إلى أرجاء العالم. وتنوعت المداخل التي طرحت لتحقيق هذا التصور. فالبعض طرح خطاب العولمة الاقتصادية التي تعني مد نطاق السياسات والفعاليات التي قادت إلى الرخاء والسلام في الغرب أو الشمال إلى العالم كله عبر طائفة من الاتفاقيات الدولية والتعديلات الهيكلية المحلية التي تطلق قوى السوق وتدفع إلى تحسين الإنتاجية والإفادة الأفضل من الموارد وتشجع المزيد من التطور التكنولوجي وتحسن من التنظيم الاجتماعي.
فريق ثانٍ طرح في هذا السياق مشروع بناء وتطوير المجتمع المدني العالمي الذي توفرت بالفعل عناصر حقيقية لنشأته ونموه. وتفاوت بالطبع فهم كنه هذا المجتمع وطبيعته. إذ نظر إليه البعض كجزء من تجليات مشروع العولمة ومستوى مواكبا للمستوى الاقتصادي للعولمة. ويمكن القول أن هذا الفهم ينطلق من التبشير الليبرالي بنظام سياسي جديد للبشرية. فالحركة الحرة لرءوس الأموال والتكنولوجيا وأنماط التنظيم والإنتاج المشترك أو "المصنع العالمي" كلها مفاهيم تتعارض مع البنية القومية للتنظيم السياسي للعالم والموروث من القرن السابع عشر (بالنسبة لأوربا الغربية تحديدا).
ويحتاج الاقتصاد المعولم إلى بنية سياسية تناسبه ربما تجسدت يوما من الأيام في حكومة عالمية. وحيث إن التنظيم القومي للعالم نشأ على قاعدة عملية بناء الأمة؛ فالحكومة العالمية يمكن أن تنشأ على قاعدة اجتماعية وبشرية عابرة للحدود القومية وهي "المجتمع المدني العالمي".
فريق ثالث قدم مفهوم المجتمع المدني العالمي كجزء من عملية أخرى، وهي النضال المشترك من أجل العدالة الدولية والسلام العالمي. ويقوم المجتمع المدني بدور القاطرة لعملية التحويل الديمقراطي في الداخل عبر النضال الضروري لاستلهام ووضع إستراتيجيات ورؤى جديدة للتنمية والتطور. كما يقوم بدور الجسم الحي الذي يخوض النضال من أجل نشأة بيئة سياسية واقتصادية دولية مواكبة أو مناسبة للتنمية البشرية وذات الوجه الإنساني في العالم الثالث.
يتجاور مع هذا الفريق رؤى العولمة المضادة التي تقوم على إدراك وترجمة المسئولية المباشرة للعالم المتقدم عن اقتلاع الفقر، وذلك من خلال التوقف عن الاستغلال المالي للعالم الثالث وتعويضه عن فترات الاستعمار والاستنزاف الزائد للثروات الطبيعية وتصفية المديونية والاعتراف بحاجة العالم الثالث لانتهاج طرقه الخاصة بالتطور والنمو والتقدم الاقتصادي الاجتماعي ومنحه معاملة تمييزية تتحيز لإطلاق قواه المنتجة وتعفيه من منافسة يستحيل عليه مقابلتها وتوفر له الموارد اللازمة لانطلاقه الاقتصادي والاجتماعي.
ثمة أشياء وعناصر مشتركة بين كل تلك الرؤى؛ فجميع تلك الرؤى تصورت المجتمع المدني العالمي على ضوء البشارة المتمثلة في أفق ممتد للسلام العالمي في عصر ما بعد الحرب الباردة، حتى المناهضون للعولمة يرفعون شعار: هناك عالم أفضل ممكن.
وعلى النقيض فإن المنطق كان يدفع للاعتقاد بأن انهيار المناخ التفاؤلي الذي ساد بعد نهاية الحرب الباردة سوف يقود من جديد إلى موجة صعود أخرى للفكر الإستراتيجي التقليدي المرتبط بالقوة والقدرات العسكرية في العلاقات الدولية وإلى إعادة الهيمنة إلى خطاب الأمن القومي على العقول وعلى الإستراتيجيات القومية. وقد وقع هذا الانهيار بالفعل بسبب رد الفعل الأميركي لأحداث 11 سبتمبر. فقد تأسست إستراتيجية اليمين الأميركي الحاكم على فكرة الحروب المفتوحة التي يتم تبريرها باسم مكافحة الإرهاب و السلام العالمي- أو الأميركي.
ولكن ما وقع في يوم 15 فبراير-شباط 2003 خفض حدة التشاؤم، فقد تجلى المجتمع المدني العالمي بأعظم معانيه ودلالالته في المسيرات الحاشدة والمتزامنة في نحو 6000 مدينة وأكثر من 70 دولة في العالم لمناهضة الحرب الأميركية المزمعة ضد العراق. وقد فرض هذا اليوم نفسه حتى على أكثر المتشككين في مفهوم المجتمع المدني العالمي باعتباره يوما فريدا في تاريخ العالم وظاهرة لا يضاهيها شيء في تاريخ البشرية أو واقعها الحديث.
وسوف يسعى كثيرون لفترة طويلة لفهم ما حدث في هذا اليوم واستكشاف طبيعته ودلالاته بعيدة المدى.
فكيف ننطلق مما سبق لفهم مفهوم "المجتمع المدني العالمي"؟
ثانيا: عالم الفعالية المدنية أو الفعالية المدنية العالمية:
إلى أي حد تعكس أحداث 15 فبراير عام 2003 في نظرنا كعالم عربي ما نسميه بالمجتمع المدني العالمي؟ ولماذا نحتاج تلك الأحداث التي تولدت بالاشتباك مع قضايانا وشاركنا فيها كقوى مدنية عربية -تنسيقا ومساهمة- لتعميق فهمنا لظاهرة تختلف نوعيا عما درجنا على تسميته بـ"الرأي العام العالمي"؟
الواقع أن المسيرات الحاشدة وشبه المتزامنة في عشرات من دول العالم لمعارضة غطرسة القوة والمشروعات العدوانية للدول الكبرى قد لا تكون جديدة تماما. فقد وقعت أحداث مشابهة في مدن كثيرة في العالم ضد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. وكان من اللافت للنظر أن بعضا من أكبر هذه المظاهرات والمسيرات قد وقع في لندن وباريس والعواصم الكبرى للدول الأوربية الاستعمارية السابقة.. كما أن الحركات الطلابية والشبابية في أوربا وأميركا ضد الحرب الفيتنامية خلال عقد الستينيات أحدثت دويا مذهلا وأثرا باقيا على أسلوب الحياة والثقافة والسياسة في العالم الغربي كله.
ولا شك أن تعبير أو مصطلح الرأي العام العالمي يصلح لفهم وتصوير جانب مما وقع في يوم 15 فبراير 2003، ولكنه -أي هذا المصطلح الأخير- لا يبدو كافيا للإلمام بعناصر كثيرة من الظاهرة التي تجلت بعنفوانها المفاجئ في هذا اليوم.
لربما نبدأ بالجوانب الشكلية. فالمسيرات والمظاهرات خاصة تلك المناهضة للحروب الاستعمارية هي تجل تقليدي للرأي العام العالمي. ولكن ما حدث في يوم 15 فبراير يتجاوز هذا التجلي لا فقط من حيث الاتساع الجغرافي والكم وإنما أيضا من حيث طبيعة القوى المشاركة والتكوين القومي ودلالالته. فأكثرية القوى المشاركة في المظاهرات والمسيرات العالمية المناهضة للحرب الأميركية ضد العراق هي طلائع لنشاطية مدنية منظمة لها حضور عالمي. فكأن تلك القوى لم تتدفق إلى شوارع المدن في جميع أنحاء العالم فجأة للاحتجاج على حدث منفرد أو أكثر، وإنما هي قوى مدربة ذات نشاطية سابقة بمناسبة أحداث سابقة وعديدة. وانطلقت تلك الجماهير لا للتعبير عن غضب وإنما للتعبير عن رؤية وممارسة لكفاحية ممتدة لتطبيق وجهة النظر هذه.
ويرتبط بذلك أن أسلوب التحرك لم يكن يتسم بمجرد التزامن والتركيز على حدث خطير يهدد سلام العالم ومبادئ العدالة الدولية، وإنما أيضا بالارتباط الفعلي والحركي الذي توج عملية بالغة الاتساع والتعقيد لبناء الشبكات وتبادل الرأي في منابر ومناسبات شتى سابقة على تلك اللحظة المشهودة.
ويضمر هذا الوصف أيضا إشارة إلى الدور المذهل الذي تلعبه الأوعية الحوارية الأكثر حداثة مثل شبكة الإنترنت والمؤتمرات الكونية والمظاهرات الحاشدة ذات التركيبة متعددة الجنسيات والتي تم تجربتها في مناسبات شتى وفي مختلف مدن العالم وعلى مستويات مختلفة، بدءا من المظاهرات المناهضة للعولمة وحتى المؤتمرات العالمية للأمم المتحدة مثل مؤتمر فيينا لحقوق الإنسان عام 1993 ومؤتمر القاهرة للسكان عام 1994 ومؤتمر بكين للمرأة وغيرها.
ومن هذا المنظور مثلت أحداث 15 فبراير كتلة مشاعرية ورؤى متحدة على نحو غير مسبوق في التاريخ العالمي؛ لأنها طورت ميراث الفكر السياسي والمدني الذي تبلور عبر عقود.
ويلفت النظر أيضا في هذه الأحداث الطبيعة الخاصة لتركيبها القومي. فالأغلبية العددية للمشاركين في المسيرات والمظاهرات التي وقعت في هذا اليوم والفعالية النوعية العليا لهذه الأنشطة تخص تلك التي وقعت في مدن أميركا الشمالية وأوربا وأستراليا: أي في تلك الدول التي تمثل "الغرب الثقافي"، وهي نفسها المستفيدة من الوضع الممتاز للغرب، سواء في ميدان العلاقات السياسية الدولية أو الرخاء والتقدم الاقتصادي، ويبدو أنها هي أيضا الدول الوريثة للاستعمار الغربي الحديث. ومعنى ذلك أن هذا التحرك العالمي لم يعكس مصلحة قومية أو اجتماعية مباشرة وإنما رؤية" أخلاقية" ذات جوهر إنساني تناضل ضد الامتياز الذي تتمتع به تلك البلاد بما في ذلك امتياز شن الحرب على الآخرين والضعفاء مثلما هو الحال مع العراق. وقد حدث ذلك من قبل في المظاهرات التي وقعت في أوربا الغربية بما فيها بريطانيا وفرنسا أثناء العدوان الثلاثي على مصر أو الحرب الفرنسية ضد حركة التحرر الوطني الجزائرية.
ويلفت النظر أيضا أن السوابق التاريخية للنضال ضد الاستعمار والحروب الاستعمارية الغربية من داخل الدول الاستعمارية لم تكن بالضرورة ممثلة للرأي العام بالمعنى الإحصائي للرأي العام في بلادها، وإنما طلائع صغيرة من قوى التقدم في البلاد الغربية الكبرى. فقد ظل الفرنسيون يؤيدون الحرب الاستعمارية التي تشنها بلادهم في الجزائر بأغلبية واضحة حتى أقنعهم ديجول بغير ذلك. كما ظل الأميركيون يؤيدون بنسب عالية الحرب الفيتنامية بالرغم من المقاومة النضالية ضدها في الجامعات والشوارع. بينما مثلت التدفقات البشرية العملاقة يوم 15 فبراير/شباط2003 مشاعر الأغلبيات الساحقة من سكان المجتمعات المتقدمة على الأقل فيما يتصل بالعدوان الأميركي المرتقب آنذاك ضد العراق. ولنلاحظ أن تلك المظاهرات قد تحركت لمنع وقوع تلك الحرب أو "المشاركة في صنع القرار العالمي المرتبط بالحرب والسلام" وليس للاحتجاج على حرب وقعت بالفعل.
ومن المهم هنا رؤية الأعداد الضخمة التي شاركت من غير المسيسين وغير الناشطين من المواطنين الذين كان بعضهم يخرج لمسيرة للمرة الأولى في حياته، أي هذا الزخم المدني الذي كان شعاره: "ليس باسمنا".
وباختصار فظاهرة 15 فبراير ليست مجرد تجسيد للمعنى التقليدي للرأي العام العالمي، وإنما هي تجسيد لقيم مدنية وسياسية أو مصالح عالمية أو فوق قومية وعابرة للحدود بين القوميات. وقد نشأت تلك الظاهرة -من حيث المضمون- على أرضية الشعور والإيمان بقيم مشتركة للبشرية وتم زرع هذا الشعور وهذا الإيمان بفضل نشاطية مدنية عالمية، وهو ما يميزها عن الرأي العام العالمي التقليدي الذي توزع بين الأوعية السياسية والحزبية التقدمية واليسارية القديمة مثلما حدث مثلا في عام 1956. فالنشاطية العالمية الحديثة تنبع من أوعية مدنية واتصالية مستجدة إلى حد كبير.
فما هو إذن المجتمع المدني العالمي؟
إننا نعرف المصطلح كفضاء أو حقل للنشاطية أو الكفاحية المنطلقة من الإيمان بقيم عالمية وبوحدة المصير البشري على الأقل بالنسبة لموضوعات أو قضايا حاسمة مثل السلام والعدالة والتنمية والبيئة وحقوق الإنسان. ويمكن النظر إليه أيضا باعتباره هذا النسيج من الروابط الكفاحية التي تنشأ على قاعدة الإيمان بالمساواة والمسئولية المشتركة والحاجة إلى علاقات عالمية لا تقوم على التسلط أو القوة والامتياز. وقد نركز على تعريف يتمحور حول الفاعلين في المجتمع المدني العالمي وهم هؤلاء الذين يمدون نشاطهم في الدفاع عن قيم مدنية إلى الساحة العالمية ويشملون الجمعيات والروابط والنقابات والهيئات المهنية والمجالس النيابية والمنتديات الفكرية والشبكات الاتصالية والهيئات الدينية بغض النظر عما إذا كانت صلاحياتها قومية ذات امتداد عالمي أو عالمية بالأصل، هذا فضلا عن الجمهور العام المؤمن بهذه القيم والمرتبط بتلك التجمعات. وقد ولد مفهوم المجتمع المدني العالمي إما من رحم النشاطية والثقافة المدنية القومية ثم أخذ يمد هذه النشاطية على مستوى عالمي أو كمستوى نضالي عالمي يشتق طاقته وعناصره البشرية من مختلف القوميات وينظم عمله عبر روابط واتحادات عالمية أو متعددة الجنسيات أو عبر تقنيات الحركة الاجتماعية.
ثالثا: نضوج الحالة المدنية العالمية:
تبلورت ثلاثة عناصر أساسية لتجعل ولادة المجتمع المدني العالمي ممكنة، وهي: الثقافة المدنية العالمية، والنسق الاتصالي الحديث المتنامي الانتشار والأطر والأوعية التنظيمية الجديدة، وهوامش الاقتصاد والتمويل الضرورية لتفعيل مختلف صور النشاط الذي يميز ممارسة الروابط والهيئات والاتحادات والشبكات المدنية العالمية لنشاطاتها عبر الحدود.
وقد نمت هذه العناصر جزئيا بصورة عفوية وجزئيا بصورة مقصودة، وإن كان هذا النمو غير متوازن حتى الآن فيما بين مناطق العالم وفيما بين الشرائح الاجتماعية المختلفة، وكذلك فيما بين المراحل المختلفة للتطور داخل نفس الدول والأقاليم.
فالثقافة المدنية العالمية: بدأت تتبلور منذ الحرب العالمية الثانية بفضل نخبة تكونت في طيف واسع من المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية. لعبت المنظمات المتخصصة للأمم المتحدة الدور الريادي في إرساء الإحداثيات الكبرى للثقافة المدنية الحديثة. ففي مجال الثقافة الرفيعة والعلاقات الثقافية الدولية لعبت منظمة اليونسكو دورا رائدا خاصة فيما يتعلق بالحقوق الثقافية للشعوب، وهو ما أخذ طريقه إلى الرواج العالمي عبر عدد من المواثيق والإعلانات الدولية.
وفي مجال مكافحة الجوع والمجاعات والأوبئة لعبت منظمات مثل الأغذية والزراعة والصحة العالمية أدوارا مهمة. وفي مجال التنمية والتجارة لعبت منظمات مثل الأمم المتحدة للتنمية الفنية والأونكتاد دورا فاعلا بل ومبدعا على صعيد الرؤية المستقبلية والأطر الفكرية. وفي مجال حقوق الإنسان والبيئة والمرأة والأقليات نشأت منظومة كاملة داخل الأمم المتحدة بدءا من المجلس الاقتصادي والاجتماعي واللجنة العامة وصولا إلى اللجان التعاهدية وهكذا. ورغم الطابع البيروقراطي للأمم المتحدة فقد التف حولها وحول منظماتها المتخصصة عدد هائل من المفكرين والنشطاء في مختلف المجالات وخاصة من أوربا الغربية والعالم الثالث الذين اجتهدوا عبر موجات من التراكم والطفرات الفكرية في وضع أهداف وتصورات ومعايير أداء وآليات عمل وجدت قبولا عالميا متزايدا. غير أن دور الأمم المتحدة كان بالضرورة مقيدا بطابعها الحكومي. كما أن النخب الفكرية ذات الأفق العالمي بغض النظر عن أصلها القومي لم تكن ذات قدرات تواصلية كبيرة مع شعوبها ذاتها، وهو ما حرمها من بناء نفوذ واسع في بلادها أو على المستوى العالمي. ولذلك تدفقت أفكارها عبر قنوات حكومية دولية أو محلية. وبسبب تلك القيود وأوجه النقص نشأت أو نشطت أعداد مدهشة من المنظمات غير الحكومية العالمية أو متعددة الجنسية، بدءا من منظمات العلماء واتحادات المهنيين مرورا بجمعيات الدفاع مثل العفو الدولية وصولا إلى المنابر الفكرية متعددة الجنسيات في محاولة للقيام بدور جماهيري أو يخاطب جماهير العالم وحكوماته. والواقع أن الجهد الأساسي الذي قامت به هذه المنظمات غير الحكومية لم يتعلق بإنشاء أهداف أو قيم مدنية وإنما بترويجها بين أوساط شعبية مختلفة والتعبئة المنظمة لها وتحسين التشريع وإحكام آليات العمل.
وجاءت مرحلة ثالثة نمت فيها أدوار المثقفين والنشطاء من العالم الثالث على هامش المنظمات غير الحكومية الدولية في البداية ثم عبر منظماتهم القومية أو الإقليمية الخاصة بهم.
وحملت تلك الموجة الأخيرة قدرا كبيرا من التجديد الفكري والقدرات التنظيمية ربما بحكم أصولها ونشأتها في صفوف حركات وأحزاب اليسار التي كانت تتعرض لتفكك واسع في مختلف بلاد العالم الثالث، وهو ما أتاحها كرصيد للنضال المدني.
كما أن أعدادا كبيرة من القيادات الجديدة العاملة في المنظمات الدولية غير الحكومية جاءت من صفوف المنفيين السياسيين الذين كانت لديهم خبرات محبطة في العمل السياسي في بلاد مختلفة من العالم الثالث مثل أثيوبيا والسودان وباكستان والهند والبلاد العربية في المشرق، وأعيد تثقيفهم بثقافة ديمقراطية في بلاد المنفى في أوربا الغربية وأميركا الشمالية.
والعنصر الثاني هو قنوات الاتصال والأطر الجديدة التي ارتبطت بتنامي دور جيل جديد من النشطاء كذلك كان ثمة جيل جديد من الأوربيين الذين لم يتربوا في -أو يعرفوا شيئا عن– تنظيمات المعارضة اليسارية التقليدية ولم يتعرضوا لنفس المخاوف والضغوط الإستراتيجية الدولية المرافقة للقطبية الثنائية والحرب الباردة، يتشكل بهدوء، ودخل هذا الجيل إلى المجال العام في أوربا وأميركا في عقد التسعينيات أو في بداية القرن الحادي والعشرين. هذا الجيل شعر بخطورة انحراف السياسة الأوربية والأميركية إلى اليمين واحتكار الساسة المحترفين للساحة السياسية. هذا الجيل ورث جانبا من الثقافة المضادة التي تمخضت عنها الحركات الطلابية واليسارية الجديدة وحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة. وتأثر هذا الجيل بمصادر فكرية غاية في التباين بدءا من الكنيسة حتى ما بعد الحداثة. هذا الجيل لم يظهر انشغالا بقضية الدولة ورفض الاستقطاب الحاد المعروف في السياسة الأوربية بين اليمين واليسار وكان يهفو إلى طريق ثالث بين اليمين واليسار التقليديين ويتوق بالذات إلى نمط أو مفهوم جديد للسياسة وللديمقراطية يقوم أساسا على مطلب نشر السلطة وتقريبها لعموم الناس والمشاركة الشعبية المباشرة. وشكلت الأجندة المدنية أفضل مدخل لهذا المفهوم لأنها أكثر استجابية لطبيعة المشكلات الجديدة في المجتمعات المتقدمة مثل مشكلات الهجرة والتعليم والمدن والجريمة. وكان من الطبيعي أن يمنح هذا الجيل عمقا جماهيريا غير مألوفا للثقافة المدنية التي تراكمت وتطورت في الأوعية الدولية الحكومية وغير الحكومية.
أما في العالم الثالث فان تحلل وانهيار السياسة التقليدية المرافقة لحركات التحرر الوطني والسياسات التسلطية والتصدعات الحزبية قاد قطاعات جماهيرية واسعة، إما إلى النضال عبر حركات اجتماعية أو سياسات تحالفية أقل استغراقا في الأيديولوجيات الكبرى التقليدية أو إلى النضال المدني الذي أهمل في النصف الثاني من القرن العشرين. والمهم هنا هو أن الخبرة المباشرة بالشأن الاجتماعي مثل قضايا الفقر والجريمة وتحلل البنية الأساسية في المدن وقضايا المرأة والأسرة والأطفال والتعليم والصحة والبيئة وغيرها قاد العقول الحية إلى البحث عن أطر بريئة من الاحتراف السياسي وتنحو إلى العمل المباشر وخاصة في الهياكل الجمعياتية؛ وهو ما منح بدوره زخما كبيرا للأجندة المدنية وأظهر الحاجة إلى الكفاحية مدنية.
ورغم أن السياسة بمعناها الأيديولوجي التقليدي غابت عن أفق الأجيال الشابة الراهنة في أوربا وأميركا الشمالية إلى حد كبير فإن أهم وأكثر قطاعاتها تقدما كانت تتلمس وتبحث عن أسس لحضارة عالمية أو سياسات قومية جديدة، وهو ما قادها إلى الدفاع عن السلام العالمي أو على الأقل إظهار التبرم والرفض لتلك السياسات والتوجهات التي تعود بالعالم إلى عصر الحروب والإنفاق العسكري الكبير المستقطع من موازنات التعليم وإحياء المدن والصحة وغير ذلك من القضايا الإنسانية والمدنية الكبرى والملحة. ومثلت السياسة الأميركية نحو العراق المناسبة الأكثر تفجرا لتدفق هذا الرفض.
لقد تزامن وصول تلك الأجيال والخبرات والتطلعات الجديدة في أوربا وأميركا الشمالية إلى المجال العام مع أزمة طاحنة للفضاء السياسي التقليدي الذي احتلت فيه الأحزاب السياسية الحيز الأكبر طوال القرن العشرين. وفي نفس الوقت أتاحت تكنولوجيا المواصلات والاتصال العصرية فرصة تطوير قنوات وأوعية أخرى لتحل جزئيا محل الأحزاب التقليدية في الفضاء العام. فالأطر الجمعياتية ومجالس المدن والمقاطعات والأحياء والشبكات الاتصالية المكونة في الفضاء الإلكتروني وروابط الأصدقاء متعددي الجنسيات والاتحادات المهنية والمؤتمرات والمعسكرات الشبابية والعالمية والمنتديات الثقافية والفكرية والحركات الاجتماعية صارت أكثر أهمية لا فقط من الأحزاب السياسية بل ومن النقابات والحركات العمالية التقليدية.
لقد صارت تلك الأوعية أكثر قدرة على استيعاب طاقات الأجيال الجديدة في أوربا وأميركا الشمالية وبدرجة أقل في العالم الثالث لأسباب عديدة. فهي أنسب لأجيال أقل اهتماما بالأيديولوجيات وبالثقافة السياسية عن آبائها وأكثر تمتعا بالإنجازات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية. ثم إن تلك الأوعية أكثر قربا وتلامسا مع الواقع المعاش واليومي. وهي أيضا بحكم طبيعتها أكثر ديمقراطية وأقل هيراركية ولا تستلزم انضباطا أو تدريبا حزبيا من النمط التقليدي للعمل في الفضاء العام. وهي فوق ذلك أكثر قابلية للإشباع النفسي بحكم سرعة إثمار العمل المدني المباشر. وهي أيضا أكثر انفتاحا على البهجة وأقل كآبة من الممارسات الحزبية التقليدية. فحتى المظهر المباشر للمسيرات والمظاهرات صار يندمج مع طقوس الغناء والموسيقى والتجمع وربما الرقص واستعراض الفنون والمعارف وأنماط التعبير الشعبية.
ولا بد من الإشارة المركزة من جديد إلى أثر الفضاء الإلكتروني في التعارف وبناء الشبكات الثابتة والمتحركة والاتصال ونشر وترويج الشعارات والمواقف وتنسيق الحملات والمسيرات المتزامنة.
أما العامل الثالث الذي أسرع بإنضاج المجتمع المدني العالمي فهو العامل الاقتصادي. ويشمل هذا العامل جوانب مختلفة. فالتطور العام في التكوين الاقتصادي الحديث صار يتحيز كثيرا لصالح الأنشطة الخدمية ذات الدخل المرتفع ووقت العمل الأقل. وتسمح ميادين كثيرة من الخدمات بالتمتع بالحياة وبوقت فراغ أطول مما كان متاحا في أي وقت سابق من التاريخ. بل إن أنشطة العمل نفسها صارت مصدرا للمتعة والتعارف الشخصي والاحتكاك الاجتماعي واستعادة التكامل والنظرة الكلية بالمقارنة بتقسيم ورتابة العمل في الصناعة أو الزراعة التقليدية. وقد مكن هذا التحول ملايين الناس من السفر والاحتكاك بثقافات أخرى وكذلك بتخصيص وقت للفضاء العام دون الشعور بالملل ودون حاجة لهذا المستوى من الحماسة التعصبية التي كانت تميز العمل السياسي في الماضي وربما ما زالت تستلزمه في كثير من بلاد العالم الثالث.
والواقع أن نفس التطور في طبيعة العمل في المجتمعات المتقدمة وفي طبيعة أنشطة العمل صار يتحيز للسلام بين الشعوب. فلدينا بطبيعة الحال حالة الهجرة الدولية (130 مليون مواطن في أوربا الغربية وحدها). وبينما تثير تلك القضية مشكلات لا حد لها فهي تفرض أيضا قدرا من حتمية التعايش بما في ذلك الزواج والأسر متعددة الجنسيات أو الخلفيات الثقافية.
ومن ناحية أخرى فإن التطور المذهل في أنشطة السياحة الدولية وما يسمى بقطاع الضيافة (ويضم خدمة النقل بالطيران والقطارات السريعة والفنادق والمطاعم والمتاحف والصناعات الثقافية الأحدث) يقوم على فكرة السلام الممتد، ويتطلب قدرا عاليا من الاستقرار في البيئة الدولية وينشر بذاته رواجا للثقافة المدنية.
أما الجانب الأخير الذي يهمنا هنا بوجه خاص فهو التوسع المدهش في الوقفيات والمؤسسات الخيرية التمويلية المفوضة ذاتيا بالإنفاق على الأنشطة غير الربحية التي تكاد تتحد مع الأجندة المدنية والثقافة المدنية. فإلى جانب الوقفيات الكبيرة ذات الأصول العائلية مثل روكفلر وفورد وفولبرايت... إلخ فكل النقابات والاتحادات الصناعية والمهنية الكبرى تخصص وقفيات لنفس الغرض. كما أن كثيرا من شركات الأعمال الكبيرة تقوم بنفس العمل. وهناك كثرة من الحركات الاجتماعية مثل حركة المرأة والهياكل الأكاديمية ووقفيات العلماء والإعلاميين الكبار والنجوم... إلخ. وأخيرا فإن كثيرا من الكنائس الغربية تقوم بتمويل كثير من الأنشطة الخيرية أو التنموية أو الاجتماعية في عشرات من دول العالم.
لقد قدمت تلك الوقفيات خدمة لا غنى عنها لتطور المجتمع المدني. فالمنح المقدمة للمنظمات والأنشطة المدنية وخاصة في البلاد الأم وفي العالم الثالث تعد حيوية لمزاولة الأنشطة المدنية غير الربحية على الأقل في مراحل النشأة. ولم يكن من الممكن لكثير من المؤتمرات والتقارير والأنشطة ذات الصلة -بما في ذلك تلك التي تديرها الأمم المتحدة- أن تنشأ أصلا بدون الإنفاق على السفر والنشر والنفقات الأخرى للعمل المدني عبر منح من مختلف الوقفيات. وبينما لا تخلو تلك الظاهرة من عيوب ومثالب خاصة إذا قارناها بالحركات الاجتماعية التي لا تكاد تحتاج إلى تمويل، فلم يكن من الممكن مجرد تصور قيام عشرات من المنظمات ومئات من المؤتمرات والتقارير الدولية واللقاءات المهنية والفكرية والحركات الدفاعية بدونها.
رابعا: الرؤى النظرية:
إذا كانت هذه هي بعض العوامل الموضوعية المباشرة وراء صعود المجتمع المدني العالمي فكيف نفهمه في السياق العريض للعلاقات السياسية والاجتماعية على المستوى العالمي؟
لقد تعلقت الأنظار لفترة طويلة بنظرية الاعتماد المتبادل كشرح مقبول لنشأة المجتمع المدني العالمي. وتنبثق نظرية الاعتماد المتبادل عن الباراديم الوظيفي (كنموذج مرجعي) كبديل لشرح العلاقات الدولية في النظرية الكلاسيكية باعتبارها علاقات قوة فحسب. من هذا المنظور فالعالم يتطور تبعا لنبوءة المدرسة الوظيفية التي ترى أن الاقتصاد والروابط العالمية الجديدة تحتم تحرك النظام العالمي كنظام وظيفي في اتجاه بناء السلام بين الشعوب وتقليص أو إلغاء الحاجة إلى الحروب حيث تتعلق مصالح الدول والشعوب بالتعاون والاعتماد المتبادل وتصير رفاهية كل شعب معتمدة على الشعوب الأخرى.
ولكن تلك النظرة المتفائلة للعلاقات الدولية لا تشرح أو تفسر مظاهر استعراض القوة والحروب الصغيرة أو الكبيرة مثل الحرب ضد العراق. ولذلك حاول الوظيفيون الجدد أن يعدلوا هذا الإطار النظري لإدخال علاقات القوة إلى صلب النظرية فأكدوا أن الاعتماد المتبادل نفسه ليس رفاهية وسلاما بحتا وإنما هو أيضا علاقة قوة. إذ تختلف درجة حساسية كل اقتصاد نحو الآخر أو نحو الاقتصاد العالمي. فالعملات مثلا ليست بالقوة ذاتها. وتتأثر عملات معينة بأكثر من عملات أخرى بالهزات في الاقتصاد العالمي. والأهم هو أن تَعَرٌض أو انكشاف اقتصاد ما للهزات أو لسلوك اقتصاديات أخرى ليس على الدرجة نفسها. وتستطيع دول معينة إحداث ضرر أكبر بالآخرين نظرا لانكشافهم بدرجة أكبر أمامها. وبهذا المعنى فهناك تبعية متبادلة ومصالح متشابكة بين الجماعات والشعوب ولكن هناك أيضا فجوات وعلاقات قوة.
ومن هذا المنظور أيضا فالعولمة ليست غير تعبير خاص عن تمدد واتساع الاعتماد المتبادل وتطور العالم كنظام وظيفي جديد أو مختلف. والمجتمع المدني العالمي في هذا الشرح هو الجانب الاجتماعي من العولمة التي تتجلى بأشكال أخرى.
ويصطدم هذا الشرح مع إحدى أهم صور النضال أو دوافع أو "مهام" المجتمع المدني العالمي وهي مناهضة العولمة. فأقوى مظاهر تحرك المجتمع المدني العالمي قبل مظاهرات ومسيرات السلام الحالية تجسدت في المظاهرات الصاخبة ضد العولمة الرأسمالية بدءا من سياتل ونجازاكي وروما حتى واشنطن خلال عام 2002 ثم مظاهرات 15 فبراير 2003. وتبدو حركة مناهضة العولمة كنموذج مثالي للحركات الاجتماعية العالمية التي تأخذ بألباب الأجيال الشابة في العالم، وهي في نفس الوقت مظهر مميز لكفاحية المجتمع المدني العالمي.
ولا شك أن هذا النضال ضد العولمة ثم ضد التهديد بالحرب يفضح حقيقة أن العلاقات الدولية الرسمية لا تزال تقوم على القوة وعلى عدم التكافؤ في القوة.
ويشرح الماركسيون الجدد واليسار الجديد بصورة عامة منطق النضال ضد العولمة باعتباره شكلا خاصا من النضال الطبقي ضد الرأسمالية المعولمة. وبهذا المعنى فالمجتمع المدني العالمي هو نوع من التحالف الطبقي الأممي ضد الرأسمالية الدولية في طورها الوحشي أو الليبرالي الجديد. ويؤكد هذا الشرح أن القوى المدنية الجديدة التي تناضل ضد العولمة الاقتصادية تتخذ المنظمات والرموز الكبرى للعولمة الاقتصادية هدفا كبيرا لنضالها. وتدرك تلك القوى أن تصفية استغلال العالم الثالث هي بنفس الوقت كفاح من أجل مصالحها في الحصول على تعليم وخدمات صحية ورفاهية أفضل. وأن النضال ضد الحرب هو أيضا كفاح من أجل تحررها من الاستغلال الأشد المصاحب لصعود ما يسمى بالليبرالية الجديدة.
ولكن هذا الشرح لا يفسر لماذا لم تشارك الطبقات العاملة بصورة جادة في النضال المدني العالمي رغم أنها صاحبة مصلحة مؤكدة في هذا النضال. بل إن الطبقات العاملة والنقابات التقليدية فضلت النضال من المنظور القومي وتركت صيحة ماركس "يا عمال العالم اتحدوا" دون استجابة، بل فضلت اللجوء لمقاومة العولمة من خلال التشريعات القومية والأيديولوجيات الوطنية والسياسات الحكومية.
ومن ناحية أخرى يؤكد كثيرون أن النضال ضد العولمة في سياتل وروما ونجازاكي وغيرها من مواقع مؤتمرات مجموعة الدول السبع أو الثماني الصناعية الكبرى هو نفسه تعبير عن العولمة. فلم يكن من الممكن أن تقوم المسيرات والمظاهرات والحركات المطلبية بالنضال ضد العولمة إلا بفضل العولمة. ولكن هذا التفسير يخلط بدوره بين الشكل والمضمون. فلا شك أن النضال ضد العولمة يتحقق بفضل العوامل التي تجعل من الممكن تعبئة أشخاص ومنظمات وقوى مدنية من جميع أنحاء العالم. ولكن هناك فارق بين تلك العوامل من ناحية ومضمون النضال من ناحية أخرى. فالنضال ضد العولمة لا يمكن أن يكون مجرد جزء أو تعبير عن نفس العولمة. ولذلك أطلق الكثيرون على هذا النضال عولمة مضادة استلهاما لتعبير الثقافة المضادة التي ألهمت حركة الشباب والحقوق المدنية في عقد الستينيات.
ويشير البعض إلى السياق الذي انبثقت فيه عملية النضال ضد العولمة كثورة كونية ذات أبعاد متعددة وخاصة البعد المعرفي والتكنولوجي الاتصالي.
في هذا الإطار قد يمكننا فهم نشوء والتبلور أو النضوج النسبي للمجتمع المدني العالمي كأحد تجليات الثورة التكنولوجية الراهنة بما صاحبها من فورة ثقافية على المستوى الكوني. ويبدو أن العامل المحرك من وجهة النظر هذه هو سقوط "النماذج الأساسية الكبرى" وظهور حساسيات إنسانية جديدة من ناحية وبروز أخلاق واهتمامات عالمية جديدة من ناحية ثانية.
وبوسعنا أن نرى في هذه النظرية صياغة مستحدثة لفكرة "القرية الكونية". وتعبر تلك الفكرة أساسا عن الضمير أو الوعي الليبرالي الذي بشر مبكرا بالنتائج الإيجابية للثورة الاتصالية من خلال يوتوبيا القرية الكونية. فالفكرة لا تقول بسقوط القوميات أو نهاية المرحلة القومية ولكنها ترى وعيا جديدا يخرج من شرنقة الدولة القومية ويهفو لأنماط من التواصل والانتماء عابر للحدود القومية بل وللحدود المرسومة بين الثقافات. فكأن القرية الكونية تتجاوز المفهوم الاتصالي الذي يلغي المسافات ويعكس بروز مواطنية جديدة عالمية أو كونية.
وهذا الوعي بالمواطنية العالمية أو الشعور بالمسئولية المباشرة عن مصير العالم وإدراك أن البشر صاروا يتعلقون بهذا المصير المشترك هو ما يميز المجتمع المدني العالمي باعتباره مواطنية جماعية للعالم أو للإنسانية.
وقد نجد تعبيرا خاصا عن تلك الظاهرة نفسها في نظرية أخرى تتفرع عن نبوءة ما بعد الحداثة. فثورة الوعي ضد "النماذج الأساسية" أو الباراديمز الكبرى قد تنتهي إلى اضمحلال أو على الأقل خفوت الدولة القومية كإطار للفعاليات والنشاطات الاجتماعية.. ومن هنا تبرز الفكرة ما بعد الحداثية القائلة بما بعد الدولة القومية. وتعكس تلك الفكرة أيضا الثورة على النمط الكلاسيكي للسياسة أو ظهور منظور "ما بعد السياسة". فالسياسة التقليدية كما قلنا ركزت على "التدافع" والتنافس والتحزب وخاصة في النسق الديمقراطي الغربي. بينما الممارسة التي تميز الأجيال الحالية تركز على الحاجة للتكافل والعمل المشترك والتحالفات الكبيرة العابرة للحدود بين الأيديولوجيات والأحزاب الأيديولوجية التقليدية. وقد رأينا نماذج فذة لهذه الظاهرة في المسيرات والمظاهرات التي انبثقت ضد التلويح بالحرب ضد العراق في أوربا الغربية وأميركا الشمالية حيث تزامل في نفس المظاهرات قوى تأثرت بشدة بشعارات الإسلام السياسي مع التروتسكيين والفوضويين وأنصار الراديكالية السوداء وحركات المهاجرين مع اليهود التقدميين والأرثوذكس المعاجين للصهيونية والمتأثرين بالفكر المسيحي الحديث... إلخ.
وكانت أزمة نمط السياسة التقليدي الذي ساد العالم الغربي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين قد بدأت تطفو على السطح، وذلك من خلال ظواهر وتعبيرات مثل "أزمة المحكومية" وعدم الاكتراث الظاهر في النسب المنخفضة من التصويت في الانتخابات العامة في المجتمعات الديمقراطية مثل الولايات المتحدة وأوربا الغربية. هذه الظواهر تكشف عن فهم شائع للسياسة التقليدية باعتبارها ممارسة يحتكرها الأقوياء ويستبعد منها الضعفاء. وبالمقابل تتجه الممارسة السياسية للأجيال الراهنة إلى التفاعل مع الشروط والظروف المباشرة للحياة اليومية-الفردية والجماعية- وهو ما يعطي أولوية للأجندة المدنية. ولكن من ناحية أخرى يمكن نقد تلك النظرية بالقول بأنها قد تشرح بروز أنماط من السياسة المحلية ولا تفسر بالضرورة نشوء وتطور المجتمع المدني العالمي.
وإضافة لتلك الشروحات النمطية فكل منها قد يضيف عناصر أو زوايا متنوعة تحاول الإلمام بالظواهر المخالفة. فمثلا يستبشر عديد من الماركسيين المحدثين بتجليات المجتمع المدني باعتباره "أممية جديدة"، وهو ما ينقل التركيز من الطبقات العاملة التقليدية إلى النشطاء المدنيين وخاصة في الحركات الحقوقية وحركة المرأة والبيئة. بينما لا يمانع الليبراليون التقدميون من تنشيط حركة مناهضة العولمة والحرب، على اعتبار أنها تتجه لتصفية "الجوانب الإقطاعية" من الرأسمالية المعاصرة وتفرض مسئولية اجتماعية عالمية على رأس المال المدول أو المعولم.
ويمكننا أن نشرح بنية المجتمع المدني العالمي باعتبارها "تمددا عالميا" لحركات اجتماعية أو سياسية غربية المنشأ أكثر منها "تحالفا" متكافئا بين قطاعات وحركات اجتماعية متعددة الجنسيات.
فالعناصر الأساسية اللازمة لنضوج المجتمع المدني العالمي تحققت في المجتمعات الغربية أو الصناعية المتقدمة أكثر مما تحققت في الأفق الكوني بذاته.
ولكن هذا الشرح لا ينطلق من مفهوم "المصلحة" أو المنفعة بالمعنى الضيق فحسب بل من مفهوم الرؤية الإنسانية الأكبر.
لقد ثارت نضالات تاريخية كبرى انطلاقا من "رؤى" أبعد بكثير من دافع المصلحة، وخاصة إذا فهمنا هذا المصطلح الأخير من زاوية الطبقات وأنماط الإنتاج. فحركة مناهضة التجارة في العبيد أثناء القرنين الثامن والتاسع عشر لم يشارك فيها هؤلاء الذين تتأثر مصالحهم الطبقية وإنما هؤلاء الذين جرحتهم وأهانتهم بشدة فكرة التجارة في البشر وحركت لديهم حساسيات نضالية عالمية وإنسانية حقيقية. وحركة السلام لم تكن تعبيرا عن مصالح طبقية أو اقتصادية بل كانت تعبيرا عن رؤية مناهضة للحرب بذاتها ولما تسببه من آلام بشرية عميقة وواسعة النطاق. وحركة حقوق الإنسان لم تكن تعبيرا عن دوافع طبقية أو سياسية مباشرة بل كانت انعكاسا لالتزام فكري أو رؤية إنسانية وإنسانوية. وتقودنا دراسة شخصيات الأجيال المؤسسة بالذات لهذه الحركة الأخيرة إلى هذه النتيجة بكل وضوح؛ فهؤلاء الناس لم تكن لديهم أي دوافع مصلحية، إذ جاء أغلبهم من خلفيات مهنية مزدهرة واشتمل نضالهم على تضحية بعائد مادي أو مكانة مهنية رفيعة كان يمكن لهم تحقيقها لو أنهم صرفوا جهدهم فيما يخصهم من مصالح.
ولكن المصلحة قد تكون ذات أهمية في تفسير انتقال حركات اجتماعية ومؤسسات دفاعية أو وقفية إلى العمل على مستوى العالم. ففي مرحلة معينة من نضال أو ممارسات حركة المرأة مثلا اشتد الوعي بأن انتصار تلك القضية صار رهنا بإيقاظ النساء ونضالهن على المستوى العالمي. وفي نفس السياق برزت نظرية قوية تقول إن انتصار قضية المرأة حتى في الغرب أمر يتطلب النضال ضد سياسات القوة العسكرية التي تعكس أو تؤيد أيديولوجيا تفوق الرجل. ومن هنا فان النضال من أجل السلام والعدل وحق تقرير المصير للأمم والشعوب المضطهدة هو انتصار أيضا لقضية المرأة. وربما هذا هو ما يفسر الدور الكبير الذي لعبته حركات ومنظمات المرأة في الولايات المتحدة في الضغط لوقف التطهير العرقي في البوسنة والهرسك وفي كوسوفا.
خامسا: انعكاسات النشاطية المدنية العالمية على العلاقات الدولية:
وقد يكون بوسعنا التعمق قليلا في فهم دلالات ومنطلقات نشوء المجتمع المدني العالمي ببحث أثرها في ساحة العلاقات الدولية؛ فنشوء المجتمع المدني العالمي لم يصاحبه بالضرورة اضمحلال دور الدولة التقليدي في الساحة السياسية العالمية.
ويمكن النظر للموضوع من زوايا متعددة.. فالمجتمع المدني العالمي ينتمي إلى تلك المفاهيم "الناعمة" في مجال السياسة بالمقارنة بالمفاهيم "الصلبة" مثل مفهوم القوة ويقف جزئيا على طرف نقيض منها. وهنا يبرز سؤال أساسي وهو: هل تستطيع مفاهيم مثل الأفكار والرؤى التأثير على العلاقات الدولية بالمقارنة بمفاهيم القوة؟ وبالتالي هل يمكن لمفهوم "ناعم" مثل المجتمع المدني العالمي وخاصة في طور نمو أولي أو مبدئي للغاية أن يكون له تأثير على سلوك وأداء وعلاقات الدول؟ وإلى أي حد نستطيع أن نتوقع أن يصل هذا التأثير؟
ريما يمكننا أن نختبر مختلف الفروض والتوقعات المتصلة بهذه القضية من خلال رصد الآثار الممكنة لحركة مناهضة الحرب الأميركية على العراق.
وهنا قد يبرز نوعان من الحجج:
الحجة الأولى ترى أن النشاطية المدهشة والتوحد العالمي والالتزام الخارق بمناهضة الحرب الأميركية ضد العراق قد فشلت في وقف هذه الحرب في التحليل الأخير. ويعنى ذلك أن المفاهيم "الناعمة " مثل المجتمع المدني العالمي ليس لها دور يذكر في السياسة العالمية الحالية أو المستقبلية. ويمكن للقائلين بهذه الحجة أن يضيفوا أدلة قوية من مسارات الصراعات الحالية أو الأحدث عندما تصطدم الولاءات أو الالتزامات المختلفة. فلا شك مطلقا تقريبا أنه عندما تصطدم الولاءات القومية أو العرقية أو الدينية بالالتزامات الأخلاقية أو المدنية المحلية أو العالمية فإن الأولى هي التي تنتصر بالنسبة للكتل الكبيرة من الناس. وعلى سبيل المثال فان حركة حقوق الإنسان في يوغوسلافيا السابقة قد انفضت أو انكسرت عندما انفجرت الحرب الأهلية وعاد النشطاء الحقوقيون إلى روابطهم وولاءاتهم القومية أو العرقية والدينية. بل إن العاملين في منظمة تاريخية وقوية تعد هي الأقوى بين منظمات المجتمع المدني العالمي وهي "الصليب الأحمر" الدولية في البوسنة والهرسك قد انفضوا عنها وعادوا للتحيز إلى ولاءاتهم القومية والدينية.
وبالنسبة لحركة مناهضة الحرب يرى هؤلاء أن الطغمة الحاكمة في أميركا استطاعت المضي في مشروعها الإجرامي لشن حرب ضد العراق ضد إرادة المجتمع المدني العالمي بل وضد الشرعية الدولية ومعارضة العديد من القوى الكبرى الأخرى مثل ألمانيا وفرنسا وروسيا والصين. ويستنتج البعض من ذلك أن التأثير الحقيقي لحركة مناهضة الحرب قد يكون محدودا للغاية.
الحجة الثانية هي التي تبالغ في تأثير المجتمع المدني العالمي وخاصة حركة مناهضة الحرب الأميركية ضد العراق. فيمكن القول أن تلك الحركة سيكون لها ثلاثة أنواع أو مستويات من التأثير.
المستوى الأول هو تقييد إرادة الآلة الحربية الأميركية في صياغة "أسلوب الحرب ضد العراق". فمثلا تعهدت الإدارة الأميركية بأن تلك الحرب لن تكون على مستوى التدمير المروع الذي ميز حرب عام 1991. فهي لن تستهدف بالقصف المنشآت المدنية والبنية الأساسية أو المدنيين.
أما المستوى الثاني فيتمثل في التعامل بقدر أكبر من المسئولية كدولة احتلال مع العراق كدولة أو مع الشعب العراقي. فتعهدت الإدارة الأميركية بأنها لن تبقى في العراق بأكثر من الفترة الضرورية لتأمين النظام العام وأنها لن تسمح بتفتيت العراق إلى دويلات أو بأعمال انتقام متبادل بين فرقاء السياسة العراقية. كما قالت بأنها ستسعى لجعل العراق "معرضا" للديمقراطية والازدهار الاقتصادي. ومن حقنا بالطبع أن نتشكك في هذه التعهدات، غير أن مجرد الالتزام بها يعكس الرقابة والرفض المدني والسياسي العالمي لفكرة الغزو وكأن الولايات المتحدة ستحاول أن تقول للمجتمع الدولي المدني والسياسي: ألم أقل لكم إن العراق سيكون أفضل حالا؟!
أما المستوى الثالث فهو إجبار الإدارة الأميركية الحالية على التفكير ألف مرة قبل اللجوء إلى أعمال عدوان مماثلة. وبهذا المعنى يحقق المجتمع الدولي المدني والسياسي معا من خلال النضال ضد المشروع العسكري الأميركي في العراق ما لم يمكن تحقيقه من خلال الردع العسكري الذي لا يملك وسائله أي من الدول الكبرى أو الصغرى.
ولكن الاختبار الحقيقي لصحة هذه الافتراضات هو ما سيحدث على الأرض سواء داخل العراق أو داخل الولايات المتحدة نفسها.
وبالنسبة لهذا الجانب الأخير ثمة ما يبرر الاعتقاد بأن الهزيمة الأخلاقية والدبلوماسية التي حاقت بالولايات المتحدة في الأمم المتحدة وفي شوارع ومدن العالم سوف تنعكس سلبا على شعبية تلك الإدارة في الداخل الأميركي في المستقبل غير البعيد، وربما تطيح بالتحالف السياسي الذي تتأسس عليه بين اليمين التقليدي الذي ينتمي إلى "التيار الأساسي" للحياة السياسية الأميركية من ناحية واليمين الأصولي والمتطرف الذي ضغط لدفع الإدارة الحالية إلى هذه المغامرة الشريرة والخطرة. ولا يمكن التنبؤ بنتيجة الصراع. فقد يسقط ممثلو اليمين التقليدي مثل وزير الخارجية باول. وقد يسقط ممثلو اليمين المتطرف مثل وولفيتز أو رامسفيلد أو حتى ديك تشيني. وسوف تكون هناك آثار ونتائج سياسية بعيدة المدى بالنسبة للمشروع العدواني الأميركي في الشرق الأوسط وعلى المستوى العالمي. وقد رأينا بعض مقدمات النقاش العام حول المسئولية عن الكارثة المعنوية التي تمخض عنها هذا المشروع العدواني على الأقل بالنسبة للدور الخاص لليمين الصهيوني المتطرف في الولايات المتحدة في الدفع نحو هذا المشروع، حيث يناقش الأميركيون الآن بقدر غير معتاد من الجرأة دور "اليهود" في الدفع نحو هذا المشروع العدواني الكارثي حتى بالنسبة للولايات المتحدة وبغض النظر عن تحقيق الانتصار العسكري من عدمه. نائب مدير مركز الأهرام للدراسات الاستراتجية، مصر

*** حوار الحضارات الجذور والتاريخ بقلم: خالد الشنيبر
شهد العالم في الخمس والعشرين سنة الأخيرة العديد من التغيرات الأيدلوجية التي دفعته إلى حقبة جديدة وشكل غير مسبوق من الصراعات والحروب والتدمير وتحول العالم عبر انهيار سور برلين وسقوط الشيوعية بعد أن كان ثنائي الأقطاب (بتوازن القوى بالاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية) إلى عالم أحادي القطب تقوده الولايات المتحدة الأميركية التي تشهد نهضة حضارية قوية خاصة في مجالات العلوم المختلفة والتكنولوجيا ولعل هذا المشهد لا غرابة فيه أما المشهد الي يليق به الاستغراب حقا فهو مشهد العالم وهو يعيش فترة سيطرة أحادية القطب (الولايات المتحدة الأميركية).

ثم هو بعد ذلك يعاني من ويلات الحروب والتدمير والإبادة أضعاف ما كان يعاني وهو في الوضع الثنائي القطب وهو الوضع الذي تسعى فيه كل حضارة أو بالأحرى قطب من الأقطاب للهيمنة على العالم ولذا فالغالب المتوقع في حال سيطرة ثنائي الأقطاب على العالم حدوث مصادمات فيما بينهم وهذا المشهد متكرر على مدار أزمنة التاريخ فمن الصراع الدائر بين الفرس والروم إلى انجلترا وفرنسا إلى الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية وبين كل حقبة وأخرى من هؤلاء تتنوع الأمثلة وتتعدد الأشكال لحضارات تتصارع لتحقيق الهيمنة على العالم أما أن توجد حضارة واحدة يظهر من واقع العالم أنها الحضارة المسيطرة المهيمنة ثم بعد ذلك نرى مزيدا من الحروب والويلات والتدمير وملامح الاضطراب على الساحة العالمية بادية لا تخفى على أي ناظر فهذا هو المشهد الذي لا بد من الوقوف عنده وتأمله مليا للوصول إلى لبه ومضمونه.

إن وضع تصور حاكم للعلاقات بين الحضارات المختلفة كان الهم الشاغل للعديد من المفكرين والسياسيين والمنشغلين بتحليل الوضع الراهن للمنظومة العالمية حتى يمكن التوصل للفهم الناضج الواعي لطبيعة الأحداث ومن ثم محاولة الانتفاع بها وسوقها في الاتجاه المفيد النافع للبشرية وباءا على ذلك فقد انطلقت العديد من النظريات تحاول جاهدة فهم وتحليل الواقع ومحاولة توجيه دفته إلى ما فيه النفع لعموم البشرية وظهرت أقوى تلك الأطروحات أو بالأحرى ما كتب له العيش منها على النحو التالي:

قبل ما يقارب من عقدين من الزمان والعالم ما زال في ذلك الوقت يتعامل بواقع ثنائي القطب إلى حد ما خرج المفكر الفرنسي روجيه غارودي على العالم أجمع بنظريته الرائدة ومشروعه للجمع بين الحضارات المختلفة على أساس أرضية مشتركة للتفاهم على مستوى شعوب الأرض وسماه بـ'حوار الحضارات' ولكن مشروعه كان يتسم بسمة أساسية ألا وهي النقد الشديد للهيمنة الغربية والسيطرة الأميركية حتى أنه بشر في ثنايا نظريته بزوال الغرب عموما لكن هذه الصيحة وأخواتها من جانب غارودي أو غيره من المفكرين والساسة الذين سعوا إلى وضع نظرية أو قاعدة تحكم وتفسر واقع المجتمع العالمي لم تجد الصدى اللائق بها في ذلك الوقت لواقع الصراع القائم والمسمي بالحرب الباردة بين قطبي العالم آنذاك ومع انهيار الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة الأميركية بقيادة العالم بدأت نظريات أخرى بالصعود إلى السطح والظهور لتفسير كيفية تعامل القطب الأحادي مع العالم في ضوء الواقع الجديد ومن هذه النظريات ما خرج به الأميركي الجنسية الياباني الأصل 'فوكوياما' بما يسمى ويعرف بنظرية نهاية التاريخ تلك النظرية التي انتشرت سريعا لتتداعى بسرعة أكبر ومفادها تصوير انتصار الرأسمالية على الأرض أنها نهاية التاريخ وأن الإنسان الأميركي هو من وصل إلى أقصى مستوى حضاري ممكن وبالتالي فهي نظرية نهاية الإنسان والتاريخ ثم تلا هذا المشهد مشهد آخر في أواخر صيف 1993 وكانت أول شرارة أشعلت المشهد مقالة نشرت في مجلة (الشؤون الخارجية) للمفكر الأميركي الشهير صمويل هنتنغتون تحت عنوان (صدام الحضارات) والتي حاول فيها قراءة مستقبل العالم المعاصر وقرر فيها أن الصراع في خلال القرن القادم سيكون صراعا بين الحضارات وليس صراعا اقتصاديا أو أيدلوجيا وقد حدد في نظريته تلك سبع حضارات أساسية يتوقع أن يلتهب بينهم الصراع ولا بد في هذا الصراع من زوال البعض وخضوع البعض الآخر لهيمنة الأقوى وقرر في النهاية أن الحضارات المتوقع لها الاستمرار حتى النهاية لما تحمله من إمكانيات ومقومات للبقاء هي ثلاث حضارات الإسلامية والغربية والكونفوشيوسية (حضارة الصين) وحذر العالم الغربي من تحالف الحضارة الإسلامية مع نظيرتها الكونفوشيوسية في إشارة إلى إمكانية حدوث تحالف نووي بين الصين وبعض الدول الإسلامية.

مقالة هنتنغتون أثارت عاصفة من الانتقادات والجدل حول المفاهيم التي تضمنتها وقابل هنتنغتون ذلك بالرد أنه على الرغم من إمكانية الاعتراف بوجود ثغرات في نظرية صراع الحضارات إلا أن المعارضين والرافضين لهذه النظرية لم ينجحوا أن يقدموا بديلا في طرحهم يوازيها في الواقعية والوضوح وبأن نظرية صراع الحضارات وهذا من وجهة نظر هنتنغتون بالطبع هي خير وأفضل تصور موضوع للمستقبل في القرن القادم.

ولعل من الجدير بالذكر ردا على دعوى هنتنغتون أن أحدا لم يطرح البديل المناسب أقول لعل من المناسب في هذا المقام بيان أن العديد من المفكرين والساسة الذين عارضوا نظرية صراع الحضارات والفكرة القائمة عليها قد طرحوا لها بديلا قويا ألا وهي نظرية حوار الحضارات كوسيلة لتجنيب المجتمع ويلات الحروب والقتال.

وتم إنشاء العديد من المؤتمرات والجمعيات والمؤسسات الداعية لترسيخ سياسة الحوار والتفاهم والتعايش السلمي بدلا من الصدام وتبني العديد من الكتاب هذه النظرية ودعوا إلى تنمية الحوار بين العالم الإسلامي والغرب حتى يمكن لكل طرف أن يتفهم الآخر ويتعايش معه وقد حددت الأمم المتحة عام 2001 م عام حوار الحضارات وعينت مندوبا متخصصا لهذا المنصب.

إلا أن أطروحة حوار الحضارات لم تخل من جدل شديد ونقد دائم مستمر حتى من جانب المفكرين المسلمين ولم يقف الجميع فيه على نسق واحد فمن رافض للفكرة من أساسها لعدم واقعيتها فكيف ستتحاور مع من يهدم بيتك ويشرد أهلك في أنحاء متفرقة من العالم الإسلامي إلى فريق آخر مؤيد للفكرة على الإطلاق وداع لها بغض النظر عن الواقع الحالي للأمة وفريق ثالث لا يستوعب المعنى المقصود من حوار الحضارات بل يحتفظ كل فرد في الفريق الثالث بفهم خاص له لهذا المصطلح.

ونحن بادئ ذي بدء لا نريد الوقوف مع واحد من تلك الفرق بدون نظرة محايدة منصفة قدر الإمكان ودراسة متأنية فالأمور لا تؤخذ كردود أفعال أو بدعوى الدفاع عن تهم لم نرتكبها أصلا أو بحكم العواطف والمشاهد الدامية كلا فالأمر يتعلق بمستقبل أمة وعلى الأمة أن تقرر طبيعة وشكل الطريق الذي تختار هي سلوكه في المرحلة القادمة بناءا على فهم واضح دقيق لأبعاد المصطلحات وحكم واضح صريح من علماء الأمة ومفكريها وقادتها مبني على قياس دقيق للمصالح والمفاسد.

بناءا على ما سبق يلزمنا إلقاء الضوء على نظرية حوار الحضارات وتحديد المقصود الدقيق بهذا المصطلح ثم بعد ذلك قياس حجم المصالح والمفاسد المترتبة على العمل بمقصودها ومن ثم تتضح إمكانية الحكم عليها.

'إن على الحضارات أن تكون قاعدة من الثوابت المشتركة فيما بينهم وتنطلق من خلال هذه القاعدة إلى حوار يؤمن بالتعددية وعدم هيمنة حضارة على الأخرى , هذا الحوار سيمكن كل طرف من تفهم الآخر والتعايش معه بدلا من الاصطدام والحروب ' هذه هي خلاصة نظرية حوار الحضارات.

***

حوار الحضارات في أزمة ولكن الحاجة اليه ملحة بقلم: د. حسن أبوطالب قليل من التطورات الجارية ينطبق عليها وصف "الأحداث الكاشفة"، أى تلك التى تكشف عن حقائق كامنة لم تكن تدركها العين إلا بشق الأنفس.
ومن تلك الأحداث ما يمكن وصفه بأزمة الرسوم الدانمركية المسيئة للرسول الكريم "ص"، وما تلاها من ردود فعل غاضبة عربية وإسلامية..
قليل من التطورات الجارية ينطبق عليها وصف الأحداث الكاشفة، أى تلك التى تكشف عن حقائق كامنة لم تكن تدركها العين إلا بشق الأنفس.

ومن تلك الأحداث ما يمكن وصفه بأزمة الرسوم الدانمركية المسيئة للرسول الكريم "ص"، وما تلاها من ردود فعل غاضبة عربية وإسلامية، مع إصرار دانمركى (استمر لفترة إلى أن تكشفت نتائج المقاطعة الشعبية للمنتجات الدانمركية وتدهور الصورة العامة للبلاد) على عدم الاعتذار باعتبار أن لا شئ تم تجاوزه وفقا للقانون المحلى، صاحبه "استفزاز مقصود" (برأي كثيرين) من صحف أوربية عدة أعادت نشر الرسوم المسيئة نفسها بحجة حرية الرأى وعدم الانصياع لضغط المسلمين والمتطرفين.

صحيح هنا أن استمرار الرد الشعبي الغاضب، وتأثر مصالح تجارية واقتصادية عديدة للدانمرك في المنطقة العربية، وبروز دعوات من مسئولين أوروبيين، وإن صيغت بطريقة حذرة وغير واضحة أحيانا، تدعو إلى ربط حرية التعبير بقدر من المسئولية والحساسية عند تناول قضايا الإسلام والمسلمين، قاد لاحقا إلى إصدار الصحيفة الدانمركية يولاندز بوستن اعتذارا نشر بالعربية في اكثر من صحيفة عربية ذائعة الانتشار، فضلا عن قيام مجموعات من الشباب ومثقفين دانمركيين بنشر مواقع على الشبكة الدولية تؤكد الرغبة في التواصل مع المجتمعات المسلمة واحترام معتقداتها. فيما بدا أن الآخر في الدانمرك بدأ يدرك أن الأمر أكبر كثيرا من مجرد التذرع بحجة حرية التعبير، أو التمسك بحق النظر إلى المسلمين باعتبارهم كيان واحد لا قيمة له، ويسودهم التطرف ويحق عليهم الاستهجان والسخرية، وليس لهم حق الاعتراض.

فى المقابل بدا رد الفعل العفوى عربيا وإسلاميا المضاد، سواء في مقاطعة المنتجات الدانمركية والنرويجية وعدم التعامل بعملتى البلدين في عدد من البلدان، والمظاهرات الغاضبة في الشوارع والجامعات، أن هناك ما يحرك هذه الأمة، لاسيما إذا شعرت بالإهانة لمقدساتها. وتلكم مظهر وحدة معنوى بدا مثيرا للقلق لدى اكثر من جهة لاسيما في أوروبا. خاصة إذا وجد من يحرك ويقود ويحفز الناس العادية على الفعل المضاد، أو على الأقل لا يقف أمام ردة فعلها. الفهم المتبادل.. الغائب كل ذلك يقود إلى القول أن تلك الأزمة كشفت الكثير مما كان كامنا في الصدور، فهناك فجوة كبيرة ومتزايدة بين أوروبا بكل تنوعاتها السياسية والثقافية والعالم الإسلامى، وهناك غطرسة أوروبية واستعلاء على ثقافات والدين السائد في الشرق، وهناك نظرة للعرب افضل ما فيها انهم مجرد سوق لتصريف المنتجات وليس لهم حق الغضب، وهناك أيضا جهل أوروبى بعقائد الآخرين وتجاهل متعمد من قوى أوروبية متنامية لحقوقهم حتى في المجتمعات الأوربية نفسها.

الدلالات معا تقود إلى نتيجة مباشرة وهى أن ما يوصف بحوار الحضارات لم يثمر شيئا بعد يراه المواطن العادى سواء في أوربا أو في غيرها من بلاد الشرق العربى والمسلم. ويلحق به أيضا حوار الأديان، فكلاهما لم يكن سوى جهدا نخبويا بحتا، انغمس كثيرا في بحث النظريات وتعريف المفاهيم وتحديث المصطلحات، ولم تخرج منه سوى بحوث ذات طابع اكاديمى، أو بيانات باردة الكلمات، وكلاهما لم يصل إلى المواطن هنا وهناك.

ولعل تصريح المحرر الثقافى في الصحيفة الدانمركية، والمسئول عن نشر الرسوم سبب الأزمة، الذى أكد فيه انه لا يعرف كثيرا عن الرسول محمد "ص"، ولا عن الدين الاسلامى، ما يوضح أن ما جرى تحت مظلة حوار الحضارات لم يصل حتى لمحررين ثقافيين يفترض فيهم الاطلاع على هكذا جهد فكرى وثقافى ذى طابع دولى، فما بالنا بهؤلاء العاديين الذين ليس عليهم عبء المتابعة والبحث والتمحيص عما يجرى في العالم. الحوار كمضاد للصراع عدم وضوح نتائج حوار الحضارات بجولاته الخمس التى جرت في اكثر من عاصمة أوروبية، وإن أوضح الخلل فيما جرى، إلا انه لا يعنى أن الفكرة نفسها ليست عبقرية ومهمة لسد فجوة الجهل المتبادل بالآخر وبخصوصيته الثقافية والدينية وهكذا. وهنا يثور التساؤل عن العوامل الكامنة وراء تلك النتيجة الهزيلة.

معروف أن الدعوة إلى حوار الحضارات، كبديل لمفاهيم صراع الحضارات ونهاية التاريخ التى روج لها مفكران أميركيان مدعومان من مؤسسات رسمية، وهما صموئيل هنتجتون وفوكوياما جاءت كاقتراح من الرئيس الإيراني الإصلاحى محمد خاتمى في خطاب له أمام الجمعية العام للأمم المتحدة العام 1999، حيث اتخذت الأخيرة قرارا بتبنى الاقتراح وجعل العام 2001 عاما لحوار الحضارات.

ووفقا للقرار تمت عدة لقاءات بين مفكرين وعلماء وسياسيين من اكثر من دولة للبحث في القواسم المشتركة بين الحضارات الموجودة في العالم المعاصر، والتى يعد بعضها تعبيرا عن حضارات قديمة جديدة في آن واحد. كما نشأت عدة مؤسسات تدعو وترعى حلقات الحوار بين الحضارات. نحو حضارة عالمية ولكن.. وقد تطلع البعض أن يكون هذا الحوار وسيلة لبناء حضارة عالمية تعيش في كنفها شعوب ومجتمعات العالم المعاصر، غير ان هذا التطلع لم يخلُ من إشكاليات عملية وفكرية معا.

فإذا تحدثنا عن حضارة عالمية فهل يعنى هذا غياب التنوع الثقافى أو تجاهل ابتداع الوسائل التى تحترم التنوع وتحافظ عليه من جهة وتقيم الجسور من الود والاحترام بين أبناء كل ثقافة من جهة أخرى.

ولذلك كان المطالبون بحماية التنوع الثقافى واحترامه يرونه مقدمة لتكريس حضارة عالمية تقوم على الحرية والعدل والسلام العالمى. بل زاد آخرون مطالبين بما أسموه بتحالف الحضارات الملتزم بالقانون الدولى وحقوق الإنسان والتسامح والمواطنة والإنسانية.

وأيا كان الأمر ففى حلقات الحوار وندواته العديدة بدا الأمر وكأنه مطلب من الضعفاء مقابل إصرار خفى من أطراف أوربية وغربية على ان اللحظة الراهنة هى لحظة تفوق تتيح إعلان الانتصار الكامل للحضارة الغربية على كل ما عداها من حضارات، بما في ذلك تجاهل الحقوق والاستمرار في الظلم التاريخى لشعوب بأكملها، والتمسك بالمعايير المزدوجة وحتى الثلاثية في حل المظالم التاريخية، وفى وضع ما يراه الغرب حلولا للمشكلات التى تنغص وتعطل حلم الانتصار الكامل للحضارة الغربية، لاسيما مشكلة الانتشار النووى.

الأكثر من ذلك فقد بدا في كثير من الحوارات أن القادمين من الشرق العربى المسلم يناضلون من أجل تصحيح التشوهات التى لحقت بالإسلام وبالمجتمعات المسلمة، وفى التفرقة بين مبادئ الدين نفسه، وبين حركات أو جماعات أساءت تفسيرها ولا تعبر ابدا عن التيار الساحق في الأمة الإسلامية.

أما القادمون من الغرب الاوروبى الأميركى ـ مع استثناءات محدودة ـ فلم يكن يعنيهم الأمر كثيرا، بقدر ما كان يعنيهم إقناع أو جذب المشاركين إلى أرضية الحضارة الغربية وقبول ما يصدر عنها من معايير ومنظومات قيم. حوار نخبوي لقد بدا الأمر مثيرا في عديد من الحوارات، فالحاضرون يمثلون عناصر نخبوية رفيعة المستوى، ويمثلون أيضا توجهات فكرية وسياسية غالبة سواء هنا أو هناك، ولكنهم لم يتقدموا كثيرا إلى نقطة وسط عنوانها تفهم الآخر واحترامه.

فكيف يكون وضع هؤلاء المنغمسون في تفاصيل الحياة اليومية والمتأثرون بما يفيض به الإعلام المرئى تحديدا من مادة جذابة تصور الآخر بأكبر قدر من التشوه وعدم الدقة. ناهيك أن هؤلاء النخبويين على الجانبين لم يوفقوا كثيرا في توصيل معانى التواصل مع الآخر أو ضرورة بل وحتمية بذل الجهد في تفهم خصوصياته المختلفة إلى الجمهور على الطرفين.

فشل أو لنقل بقدر من التحفظ محدودية نتائج جولات الحوار السابقة بين الحضارات والثقافات لا تعنى أبدا تأييد الدعوة إلى إغلاق هذا الطريق. فما حدث من تداعيات لازمة الرسوم المسيئة يؤكد حاجة أوروبا، كما هى حاجة الشرق العربى المسلم إلى حوار مستمر على أرضية الانفتاح والاحترام والمساواة وقبول التنوع والتسامح معه، والابتعاد عن فرض طرف لقيمه على طرف آخر. فإذا كانت أوربا تؤمن بحرية الرأى فلها أن تمارسه على معتقداتها هى، وليس على معتقدات الآخرين.
***

الإسلام والغرب ومعيقات الحوار بقلم: د.إدريس لكريني


أجمعت جل النقاشات التي جرت داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ سنة 1998 إلى حدود سنة 2001 بصدد الحضارات الإنسانية, على إيجابية التنوع الثقافي كعامل محوري في إغناء تطور وتقدم الإنسانية, وضرورة تفعيل الحوار بين مختلف هذه الحضارات.
وقد شكل الأمين العام الأممي لجنة تمكنت من إنجاز وثيقة في الموضوع قدمت للجمعية العامة التي أقرتها بدورها بالإجماع، وكانت هذه الأخيرة قد تبنت قرارا لها رقم 22 في دورتها رقم 53 بتاريخ 4 نونبر 1998 تضمن إعلان سنة 2001 سنة للحوار والتعايش بين الحضارات، وقد اعتبرت معظم القوى الدولية والشعوب المحبة للسلام والتسامح هذا الإعلان بمثابة رد عملي صارم من جانب المجتمع الدولي على كل الخطابات التي تدعي وتشجع وتتبنى الصراع والصدام بين مختلف الحضارات الإنسانية.
غير أنه وفي الوقت الذي كانت الجهود الدولية والإقليمية تجري فيه على قدم وساق نحو تعزيز الحوار بين الحضارات المحلية والإقليمية والدولية، وخلق جو مناسب لذلك، أعادت أحداث نيويورك وواشنطن بتاريخ 11 سبتمبر 2001 نظرية “هنتنغتون” المرتبطة بصدام الحضارات بقوة إلى الواجهة، حيث تداولها العديد من الدارسين والإعلاميين والسياسيين والعامة أيضا في الغرب، واعتبرها البعض منهم “نظرية” توقعية وصائبة.
أولا: موقع الإسلام ضمن “نظرية” صدام الحضارات
ظهرت “نظرية” صدام الحضارات لأول مرة في مقالة للباحث الأميركي “صامويل هانتينغتون” ضمن عدد لمجلة الشؤون الخارجية صيف سنة 1993، قبل أن يطورها في شكل كتاب صدر له سنة 1996، وقد حاول من خلالها تحديد ملامح الصراع الدولي القائم بعد نهاية الحرب الباردة، ففي هذه “النظرية” يرى الباحث أن الصراعات الدولية في عالم ما بعد الحرب الباردة ستكون صراعات بين الأمم والمجموعات الثقافية والحضارية المختلفة لا بين الدول، وهو بذلك يؤكد على العنصر الثقافي كمحور أساسي للانقسامات بين الشعوب، خصوصا مع تنامي بروز الهوية الثقافية أمام ما يشهده العالم من تحديث وتنمية اقتصادية.
وقد حدد الباحث بعض العناصر التي اعتبرها أساسية ومحورية في تحديد المجال الثقافي أو الحضاري كالدين والموروث التاريخي المشترك والامتداد الجغرافي…
فمحور “النظرية” إذن هو أن الصراعات الدولية ستنتقل من طابعها الإيديولوجي والاقتصادي الذي ساد في فترة الحرب الباردة إلى صراعات محورها الثقافات والحضارات، وهو على عكس “فوكوياما” الذي تحدث عن “نهاية التاريخ” وانتصار الغرب الرأسمالي أمام المعسكر الشرقي الاشتراكي المنهار، اعتبر أن الخطر لا زال يتهدد هذا الغرب، وأن الصراعات ستشتد من جديد خاصة على المستوى الثقافي والذي يعد أحد أخطر أسباب ومظاهر الصراعات الدولية، وأن هذه الصراعات ستجري بين المجال الحضاري الغربي وبين بقية المجالات الحضارية الأخرى (الكونفشيوسية، البوذية، الإسلام…) ولم يستبعد إمكانية إقدام هذه الحضارات على تشكيل تحالفات لمواجهة الغرب.
وبخصوص مكانة الإسلام ضمن هذه “النظرية”، “فهنتنغتون” يرى أن “التكتل الحضاري الإسلامي” قد يواجه التكتلات الحضارية المجاورة له (المسيحية الغربية، الكتلة السلافية المسيحية الأرثذوكسية، الكتلة الإفريقية والكتلة الهندوسية)، وفي سبيل تبرير وتأكيد هذا الطرح الأخير يتقدم الباحث بمجموعة من “الحجج”، فهو يذكر أن الكتلة الإسلامية مشتتة ولا تمتلك مركزا قويا مؤثرا وقادرا على التحكم في ضبط القوى الإسلامية الداخلة في صراعات مع حضارات أخرى (الشيشان، البوسنة، كشمير، فلسطين…) والغريب في الأمر أن هذه الحجة التي تطرح في الواقع مظاهر ضعف الدول الإسلامية وعدم قدرتها الحالية على تحدي الغرب، تتناقض ومقولته هذه التي تقر بخطورة الإسلام على باقي الحضارات.
والجدير بالذكر أن “هنتنغتون” عند حديثه عن “الخطر الإسلامي” لا يحذر الغرب فقط من “الحركات الإسلامية المتطرفة”، بل يتحدث أيضا عن “خطر” الدين الإسلامي نفسه.
ويضيف بأن هناك حالات عديدة من العنف تورط فيها المسلمون في العالم على امتداد التاريخ البشري القديم والحديث، أكثر من أية حضارة أخرى، بالشكل الذي يزعم معه بأن الإسلام دين مواجهة وحروب، و هو لا يميز في ذلك بين الحالات التي كان خلالها المسلمون مظلومين أو جناة.
ولاحظ أيضا أن التطور الحضاري للكونفشيوسية والبوذية يسير في اتجاه متسارع نحو الحوار والتعايش والتنافس الودي مع الغرب عبر تحقيقه لإنجازات اقتصادية وسياسية هامة، في حين تتجه معظم القوى والحركات الإسلامية نحو المزيد من الانطواء على الذات ومواجهة الحضارة الغربية وتحديها، بالشكل الذي يجعله يقر في الأخير بأن الصدام بين الإسلام والغرب حتمي الحدوث. ويضيف أنه أمام هذا الوضع يتعين تدعيم التعاون والوحدة بين أبناء الحضارة الواحدة؛ وخصوصا بين أوربا والولايات المتحدة الأميركية وتخفيف حدة التناقضات فيما بينها لمواجهة هذه المخاطر المقبلة.
وإذا كان الدين يعد أحد أهم مقومات الحضارة إلى جانب عناصر أخرى (القيم المشتركة، سبل التفكير…)، فالملاحظ هو نسبية مقولة “هانتغتون” التي تزعم بنوع من الإطلاقية أن لكل حضارة دينها الخاص بها وتضفي طابع الانسجام على أي من هذه الحضارات، فليس بالضرورة أن يكون لكل حضارة محددة دين معين، فداخل الهند _مثلا_ تتعايش العديد من الديانات، وفي أوربا ذاتها كما في الولايات المتحدة الأميركية لم يعد الدين أحد المقومات الرئيسية للحضارة الغربية “الرائدة”، فهي تضم بداخلها تعددا دينيا ولا دينيا. والحضارة الواحدة _الحضارة الإسلامية على سبيل المثال_ قد تضم أعراقا مختلفة ومتباينة، كما أن أبناء الحضارة الواحدة يمكن أن تلحقهم تمايزات ثقافية مهمة أحيانا.
ومن جانب آخر، تظل هذه النظرية نسبية في مجملها، فالحضارات الإنسانية نفسها شهدت بداخلها توترات وحروبا دامية، فالحضارة الغربية مثلا عرفت حربين مدمرتين في القرن الماضي، كما أن الحضارات البشرية على اختلافها شهدت تاريخيا علاقات صراع وحوار ومنافسة وتعايش…
وعموما تعددت وتباينت ردود الباحثين العرب والمسلمين والغربيين أيضا على هذه “النظرية”، فهناك من شكك في مصداقيتها بناء على أن العالم يشهد حاليا صراعات تنطوي على خلفيات وأبعاد سياسية واقتصادية واضحة المعالم أيضا بين مختلف الدول، في حين لاحظ البعض أن هناك صدامات خطيرة تجري داخل المجال الحضاري الواحد وليس بين حضارات مختلفة، بينما اعتبر آخرون أن تصور “هانتينغتون” للحضارات والثقافات سطحي للغاية، فيما أشار أحدهم أن الغرب بإصراره على الصدام يتطلب المواجهة.
وبالرجوع إلى موقع الإسلام ضمن تصور “هانتينغتون” لصدام الحضارات، أكد العديد من الباحثين العرب والمسلمين على الطبيعة التواصلية والحوارية للإسلام وحضارته من جهة، فيما أكد بعضهم على الصفة “العدوانية” التي طبعت الحضارة الغربية سواء في مرحلتها المسيحية أو العلمانية من جهة أخرى.
ويبدو مما سبق أن هذه “النظرية” وخاصة في تهويلها ومبالغتها في تصوير الحضارة الإسلامية كحضارة خطيرة وعدوانية، تنم عن تشبع صاحبها بالأفكار التي حملتها بعض الدراسات الاستشراقية المغرضة؛ التي ربطت بمواقفها الاستعلائية والاحتقارية تجاه العرب والمسلمين، والحضارة الإسلامية بالقتل والعنف والتخلف…
والواضح أن “نظرية” “هنتنغتون” استفزازية للغاية وتنم عن خلفيات سياسية أكثر منها معرفية أكاديمية وعلمية، وتحمل في طياتها خلفيات عدائية للثقافات والحضارات الأخرى، ذلك أنها تنحو إلى التعبئة والتصعيد وشحن العداء إزاء مختلف الحضارات الكبرى في العالم.
ولعل هذا ما يدفعنا إلى القول بأن هذه “النظرية” كتلك التي جاء بها “فوكوياما” حول “نهاية التاريخ” تندرج ضمن سياق توفير المرجعية الفكرية وإعداد المناخ العام اللازم للغرب عامة وللولايات المتحدة بخاصة لتعزيز الهيمنة على العالم وإطالة أمدها، وذلك من خلال تحديد أعداء جدد، والتهويل من مخاطر وتحديات جديدة خاصة بعد الفراغ الاستراتيجي الذي خلفه رحيل الاتحاد السوفييتي عن الساحة الدولية.
ثانيا: الصورة النمطية للإسلام في الغرب وبعض تداعياتها
منذ فترة الفتوحات الإسلامية الأولى والعلاقات بين الإسلام والغرب يشوبها نوع من الالتباس والغموض والفهم الخاطئ، حيث ظل الإسلام في نظر العديد من الغربيين ذلك الآخر البربري الغازي والحاقد والمحارب…
ولذلك نجد عدة دراسات استشراقية استهدفت منذ عدة عصور وإلى الآن الإسلام وتوخت تشويه صورته في الغرب والعالم.
وقد ارتبط سوء فهم الغرب للإسلام من خلال عدم التمييز بين ما هو من صلب الدين وما هو ناتج عن الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية (التجارب والممارسة البشرية). ويتمظهر هذا الفهم الضيق والمنحرف للإسلام من خلال وضع الإسلام ضمن إطار ما يعرف “بالاستبداد الشرقي” وتعميم التشدد والقسوة والتعصب و”الإرهاب” واللاعقلانية والتخلف على الثقافة الإسلامية برمتها.
وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينيات من القرن الماضي، برز تيار فكري في الغرب يجعل من الإسلام عدوا للغرب بديلا عن الشيوعية، وفي نفس السياق تم تداول عدة مصطلحات تم ربطها بالإسلام من قبيل “التعصب الإسلامي”، “التطرف الإسلامي”، “الإرهاب الإسلامي”، “الخطر الإسلامي”، “الخطر الأخضر”… وقد أسهمت في ترويج هذه المصطلحات الدعاية الإعلامية المعادية والدراسات الاستشراقية، هذا زيادة على الدعاية الصهيونية السوداء التي نجحت في رسم صورة مشوهة وقاتمة عن الإسلام والمسلمين والعرب في الغرب، وذلك من خلال تزوير الحقائق التاريخية، في ظل فراغ أفرزه عدم التواجد الإعلامي والثقافي العربي والإسلامي الفاعل هناك.
ويبدو أن بعض الأطراف في الغرب تخشى بشكل جدي “الخطر الإسلامي” بالنظر إلى مرونة الإسلام وعالمية هذا الأخير الذي جاء للعالمين.
ورغم كون معظم أنظمة البلدان الإسلامية تربطها علاقات ودية مع الغرب، ورغم المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها معظم هذه البلدان، فإن هناك داخل الغرب من يبالغ في إثارة الخوف والقلق من “الخطر الإسلامي”، عبر استنتاجات خاطئة تضفي طابع التطرف والتشدد ومعاداة الغرب على كل مسلم أينما كان، بناء على سلوكات استثنائية يقدم عليها بعض الأشخاص أو الجماعات، وهو الأمر الذي يدفع بالغرب إلى ممارسة مختلف الضغوطات على معظم هذه البلدان بهدف صد أية تحولات “مريبة” تحصل بداخلها، أو تحجيم أي دور استراتيجي لها والحؤول دون امتلاك هذه الدول “الديكتاتورية” لأسلحة نووية مخافة سقوطها في أيدي “الإرهابيين”، وهو ما يعطي انطباعا أوليا بأن علاقة الغرب بالإسلام علاقة أمنية يشوبها الحذر.
ومن المؤكد أن تجاهل الغرب بصفة عامة والولايات المتحدة الأميركية بصفة خاصة لتطلعات الرأي العام في البلدان الإسلامية مع تزايد هذه الضغوطات التي أشرنا إليها، أسهم بدرجة كبيرة في تصاعد العداء نحو الغرب داخل الأوساط الشعبية في العالمين العربي والإسلامي؛ وعزز من تنامي خطاب الهوية الثقافية الذي يزيد من توتر العلاقة بين الغرب والإسلام.
وقد أعادت أحداث 11 ستمبر علاقة الغرب بالإسلام إلى الواجهة من جديد، وأنعشت “نظرية” “هنتنغتون” المرتبطة بصدام الحضارات، وأحبطت إلى حد ما كل المحاولات والجهود التي توخت التسامح والتعايش والحوار بين مختلف الحضارات البشرية. ففي ظل هذه الأحداث أصبح مألوفا وعاديا إصدار حكم متعجل بالإدانة على جميع العرب والمسلمين، وأصبحت الجاليات العربية والإسلامية في الغرب موضع شك وغموض، وتخص بإجراءات أمنية مستفزة ومتميزة، وفي هذه الظروف تشكلت صورة سوداء عن الإسلام في الغرب، حيث تجاوزت الاتهامات الخاصة بعمليات “إرهابية” القائمين بها إلى كل المسلمين والعرب بل إلى الإسلام ذاته..
حقيقة أن أصحاب القرار في الغرب عامة والولايات المتحدة الأميركية بصفة خاصة، يصرون على التمييز بين الإسلام كدين و”الإرهاب” كسلوك، ويجهرون باحترامهم للإسلام كدين ويؤكدون أن حربهم ليست حربا ضد الإسلام _وهو ما تفرضه المجاملات الديبلوماسية الرسمية_ وأن العرب والمسلمين أضحوا رقما ملحوظا في المعادلة الديموغرافية والسياسية الغربية (وجود حوالي 7 ملايين عربي ومسلم في الولايات المتحدة الأميركية وأكثر من 10 ملايين منهم في أوربا الغربية) وهو ما يجعل الإسلام في الغرب، كما يرى بعض الأكاديميين والساسة الغربيين، لم يعد ذلك الآخر لأنه يتواجد داخل الجسم الغربي ويعيش بين أفراده.
لكن المشكل هو أن الغرب يشهد بروز اتجاهات داخل الحقل السياسي والفكري تحمل قدرا كبيرا من العداء العلني للإسلام قد تجد لها طريقا نحو أصحاب القرار السياسي ليتم تبنيها سياسيا وبشكل علني (نشير إلى أن رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلوسكوني صرح بتفوق الغرب وتخلف الحضارة الإسلامية، كما تحدث “جورج وولكر بوش” عن إحياء الحروب الصليبية..).
إن الغرب الذي يمتلك كل مقومات القوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، يحاول قدر الإمكان تحجيم قوة الدول الإسلامية ويرفض أية دعوة للمسلمين لتبني هوية متميزة، معتبرا ذلك نوعا من الخروج عن قيم الحوار والتسامح وتحريضا على العنف، مع ممارسة ضغوطات كبيرة على أنظمة البلدان الإسلامية والعربية باتجاه إقصاء “الحركات الإسلامية” التي يرى أنها تحمل برامج راديكالية وعدائية نحو الغرب، بل إن اعتدال هذه الحركات في خطاباتها تجاه الغرب لم يشفع لها أمامه، في حين نجد الحركات اليمينية المتطرفة الغربية التي تحمل برامج وأفكارا هدامة وعنصرية علنية تجاه الحضارات الأخرى، تعمل بكل حرية في إطار الدساتير الغربية ويتنامى بريقها داخل المشهد السياسي الغربي بشكل مثير. والعولمة التي يتحكم في دواليبها الغرب القوي والمتفوق هي بصدد نشر ثقافة أحادية تسهم في تغريب الشعوب غير الغربية واستفزازها من خلال الترويج لمفاهيم غربية وتكريسها دوليا كمفهوم الديمقراطية الذي يربطه الغرب بالمؤسسات بدل الفعالية؛ وكذا مفهوم “الإرهاب” الذي يسعى من خلاله إلى تكريس تجريم أي عمل عنيف ولو كان في إطار المقاومة، مع التركيز على “إرهاب” الأفراد وغض النظر عن إرهاب الدولة، ونعتقد في هذا الصدد أن هذه العولمة في أبعادها وخلفياتها هي بمثابة سلوك ثقافي، اقتصادي وسياسي صراعي غربي “مهذب ولطيف” يحرض على الصراع مع باقي الحضارات الأخرى من خلال إيقاظ الشعور القومي، خاصة وأنه يستهدف الترويج لثقافة واحدة دون اعتبار لثقافة الآخر، ومن ثم فالعولمة هي جزء لا يتجزأ من آليات هذا الصدام والصراع والتي تجاهلها “هنتنغتون” في أطروحته.
كما أن القانون الدولي كضابط مفترض للعلاقات الدولية يعكس في الواقع مصالح الغرب ورؤيته، سواء بالنظر لأصوله ومصادره أو عند إعماله وتطبيقه.
فمصادر هذا القانون في ارتباطها بالجانب الشكلي ووفقا لما اعتمدته المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية تتحدد في:
أ‌- الاتفاقات الدولية العامة والخاصة التي تضع قواعد معترفا بها صراحة من جانب الدول المتنازعة.
ب- العادات الدولية المرعية المعتبرة بمثابة قانون دل عليه تواتر الاستعمال.
ج- مبادئ القانون العامة التي أقرتها الأمم المتمدنة.
د- أحكام المحاكم ومذاهب كبار المؤلفين في القانون العام في مختلف الأمم.
ومعلوم أن هذه المصادر وحسب تصنيفها الوارد في المادة السابق ذكرها، تعكس في الواقع موازين القوى الغربية المهيمنة إبان النصف الأول من القرن الماضي، ذلك أن معظم دول العالم لم تساهم في بلورتها بحكم خضوعها للهيمنة الاستعمارية في تلك الفترة.
وعلى مستوى تطبيق هذا القانون الدولي، فإن ذلك غالبا ما يعكس إرادة الغرب القوي والمتحكم في دواليب المؤسسات الدولية السياسية والعسكرية والاقتصادية المسؤولة عن صياغة قرارات إستراتيجية دولية في مجالاتها.
فالاتفاقيات الدولية وإن كانت تنطوي على أهمية كبرى باعتبارها أداة لربط العلاقات وتشجيع التعاون الدوليين، تأتي في غالبيتها غير متكافئة وتعكس مصالح الأطراف القوية: (اتفاقيات السلام العربي – الإسرائيلي، اتفاقيات الصيد البحري السابقة بين المغرب وإسبانيا…)، والمتتبع لما يجري في الساحة الدولية من أحداث منذ رحيل الاتحاد السوفيتي، يلمس بسهولة حجم التدخلات الزجرية بشتى أشكالها والتي استهدفت الدول الإسلامية والعربية في كل من العراق، السودان، ليبيا أفغانستان، الصومال، فلسطين… باسم هذا القانون.
وعموما يوجد في الغرب عدة خطابات حضارية: فهناك خطاب يتوخى رسم صورة مشوهة عن الإسلام والمسلمين، وآخر يتبنى الحوار والتواصل مع الإسلام ويميز أصحابه بين الإسلام كدين والإسلام كممارسة وتجربة بشرية قابلة للنقاش..
ومن خلال ما سبق، يمكن القول إن صراع الغرب مع الإسلام هو واقع وجار في الميدان على مختلف الواجهات من خلال السياسات التعسفية التي تستهدف محاصرة الإسلام والتضييق على المسلمين في كل مكان، وهي السياسات التي تغطيها التصريحات الرسمية المزيفة الداعية للحوار والتعايش، وهي سياسات تنطوي على خلفيات اقتصادية وسياسية وعسكرية.
فالنزوع نحو التفوق والهيمنة الحضارية للغرب، والتخويف من البديل الحضاري والسياسي المرتقب للعالم الإسلامي، دفع بعدد كبير من النخبة السياسية المحافظة إلى تبني منطق الصدام الحضاري، ويظهر أن بروز “نظريات” من قبيل “نهاية التاريخ” و“صدام الحضارات” في الغرب ما هي إلا مداخل واهية لتبرير هيمنته وتأكيد تفوقه.
إن الغرب تعددي في خطاباته وممارساته تجاه الإسلام، وفي المجتمع الإسلامي هناك نفس الشيء، فهناك خطابات تتبنى الحوار والتواصل وهناك خطابات أخرى تتبنى المواجهة والتصدي؛ في حين نجد اتجاهات تؤمن بضرورة الحذر والتحفظ من الآخر المجهول.
ثالثا: نحو تصحيح صورة الإسلام في الغرب
إن موقف الغرب من الإسلام هو سلوك طبيعي بالنظر إلى الصورة النمطية المفزعة التي قدمت وتقدم له حول الإسلام والمسلمين بشكل خاطئ ومنحرف ومنكر للحقائق.
أمام واقع هذه الصورة النمطية للإسلام والمسلمين التي أصبحت مترسخة في أذهان معظم الغربيين، أضحى العمل نحو تصحيحها عملا ملحا وضروريا، ويحتاج لمجهودات جبارة.
وتصحيح هذه المعطيات المغلوطة التي تعطي انطباعات سيئة عن كل ما هو عربي وإسلامي، والتي زادت مع ظروف أحداث 11 سبتمبر، لا تتوقف فقط على الشكوى من عدم فهم الغرب للإسلام وللمسلمين، بل يتطلب ردود فعل مناسبة وفعالة؛ تتوخى تغيير هذه الصورة التي رسمها تراث من الفكر الاستشراقي منذ زمن بعيد، والدعاية الصهيونية، في ظل غياب عربي وإسلامي شبه تام عن الساحة الإعلامية والثقافية الغربية، عبر تقديم صورة حقيقية عن الثقافة الإسلامية والعربية، بتوظيف كل الإمكانيات المادية والمعنوية.
وللإشارة فإن إسرائيل أعلنت في أواخر شهر أغسطس 2001 عن تخصيص مبلغ مائة مليون دولار لتحسين وتلميع صورتها في أوساط المجتمع الأميركي، بعد أن شعرت بأن تلك الصورة أخذت في الاهتزاز منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في شهر سبتمبر 2000، وفي نفس السياق خصصت الولايات المتحدة الأميركية مبلغ 20 مليون دولا لتحسين صورتها في العالم عقب أحداث 11 سبتمبر.
ويمكن إجمال أهم الإجراءات الكفيلة بتصحيح صورة الإسلام والمسلمين في الغرب فيما يلي:
1- التعريف بقيم التسامح للحضارة الإسلامية، والتي تتمحور حول الحوار والتواصل لا الحروب والمواجهات، والمساهمات الكبرى والمتواصلة للحضارة الإسلامية في التراث الثقافي والفكري العالمي، وذلك من خلال السبل المتاحة من منابر إعلامية مكتوبة ومرئية ومسموعة، وإصدار الكتب، حول الموضوع، المترجمة للغة الغرب، والترويج للكتب الغربية المنصفة للإسلام، وإجراء إعفاءات جمركية للمنتجات الثقافية والفكرية العربية التي تخدم هذه الأهداف عند تصديرها للخارج، واستغلال شبكة المعلومات السيارة (الإنترنيت)، التي تستثمرها إسرائيل بشكل كبير ومتقن لتشويه صورة العرب والمسلمين…
2- مراجعة الخطابات السياسية والثقافية العربية والإسلامية المنغلقة والمتشددة التي تولد سوء الظن بين أبناء الحضارات المختلفة، وتوخي خطاب مرن في مواجهة الغرب والتعلم من إنجازاته وثقافته، أسوة بما أنجزته بعض الدول: كوريا الجنوبية، سنغافورة، اليابان ماليزيا، الصين، التايوان، إندونيسيا.. بدل تبني خطابات الانعزال خوفا من الغزو الثقافي للآخر، خاصة وأن الإسلام ذاته يأمر بالتعارف والتواصل المستمر مع الشعوب كافة، علما أن الاتجاهات التي تمنع من الإطلاع على ثقافة الغير، تمنح الفرص لبعض الأصوات بالغرب لوصم الإسلام بالانغلاق وعدم التسامح.
3- الاعتراف بأن تشجيع خطاب التطرف من قبل البعض هو أمر ضار بالمسلمين قبل أن يكون ضارا بالغير.
4- ضرورة تحسين وإصلاح الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية بالدول الإسلامية التي غالبا ما تكون المسؤول الأول والرئيسي عن ظهور الخطابات المتشددة والمتطرفة وعن تبني أفكار “المتطرفين”.
5- ضرورة الإيمان بمبدأ المساواة بين كافة الحضارات الإنسانية.
6- العمل على إبراز نقط الالتقاء مع الثقافات الأخرى عوض التركيز على محاور الخلاف، وفتح حوار في هذا الشأن مع النخبة المثقفة في الغرب.
7- توحيد الخطاب الحضاري الإسلامي تجاه الغرب، بدل تعدد وتباين الخطابات التي تدعي إحاطتها بالثقافة الإسلامية والتي تخلق حالة من الالتباس في أذهان الغربيين. ففي هذا الشأن تمكنت الدول الأوربية _في إطار الاتحاد الأوربي_ من بلورة سياسة ثقافية أوربية موحدة رغم الاختلافات العرقية والثقافية فيما بين هذه الدول، وتزامن ذلك مع تحقيقها لتكامل اقتصادي ومالي ووضع برامج تربوية لحماية الموروث الثقافي الأوربي المشترك في مواجهة العملاق الأميركي والعالم، في حين لم تستطع الدول الإسلامية والعربية بعد تنسيق برامجها وسياساتها الثقافية والتربوية والإعلامية؛ بالشكل الذي يسمح لها برفع خطاب حضاري وثقافي موحد في مواجهة الغرب، تبرز فيه أن التطرف هو ظاهرة قد تلحق كل الحضارات بدون استثناء وأن للعرب وللمسلمين خصائص معينة في اللغة والعادات… لها بعدها الحضاري والتاريخي لكنها لا تسيء لأحد.
8- يجب على الجاليات العربية والمسلمة المتواجدة في الغرب أن تنظم نفسها، بالشكل الذي يجعل منها قوة مؤثرة في الساحة الغربية قادرة على فرض احترام الغرب للحضارة الإسلامية، وكذلك من خلال تقديمها لسلوك حضاري راق.
9- إقناع الغرب كافة بأن مصالحهم الحقيقية هي في إقامة علاقات ودية مع العرب والمسلمين وليس في معاداتهم.
10- عدم إسقاط السياسات الأميركية التعسفية تجاه الأقطار العربية والإسلامية على الغرب برمته، وإقناع الغرب بأن استياءنا وانتقاداتنا تنصب على سياسته لا على ثقافته وحضارته.
11- تشجيع الغرب على الدخول في شراكة حقيقية مع العرب والمسلمين يتم بموجبها تقديم الدعم الاقتصادي والتقني للدول العربية والإسلامية في إطار من التعاون واحترام مبدأ السيادة.
12- كما أن فتح الحوار مع الآخر يتطلب بداية إجراء حوار وتواصل مع الذات من خلال الإيمان بحق الاختلاف واحترام الرأي الآخر، وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بهذه البلدان، بالإضافة إلى رفع خطاب حضاري يحمل حدا أدنى من الاتساق والانسجام.
خاتمة:
إن الأصل في عمق وطبيعة الحضارات هو التحاور والتشابك والتواصل، ولذلك فإن الصراع حتى وإن اتخذ مظهرا ثقافيا غالبا ما تكون وراءه دوافع سياسية واقتصادية أكثر منها ثقافية، وهي الخلفيات التي طالما عكرت صفو الحوار بين الحضارات، ولعل الأحادية الثقافية التي تروج لها بعض الجهات داخل المجتمع الغربي وتلقى تجاوبا في الأوساط الشعبية والرسمية لن تصمد أمام التاريخ.
لقد شهد المجتمع الدولي تداخلا وتعددا في العلاقات بين مختلف الشعوب والأمم في شتى المجالات والميادين بالشكل الذي يجعلنا نستبعد كليا “نظريات” المواجهة أو القطيعة لحساب التواصل، لكن التصريحات والسلوكات المستفزة الاستثنائية التي تصدر من حين لآخر عن بعض الجهات التي تعتقد أنها تمثل الغرب برمته أو تلك التي تعتقد أنها تمثل الإسلام والمسلمين، يمكن أن تشوش على هذا التواصل الحوار الضروريين والحتميين.
)المصدر: معهد الوارف للدراسات الإنسانية(
***

حوار الحضارات بقلم: بول فندلي


يعد موضوع الحوار بين الحضارات في حد ذاته أحد الموضوعات الشائكة، يقدم قاموس وبستر عدة تعريفات لكلمة حضارة، والتعريف الأنسب الذي يتماشى مع هذه المناسبة هو: «الخصائص الثقافية لزمان ومكان محددين».
يرغب راعو المؤتمر في أن يتناول الحوار مواضيع تتعلق بالحاضر والمستقبل على حد سواء، ولا ينكر أحد بالطبع حقيقة اختلاف الخصائص الثقافية من مكان إلى آخر، حتى داخل البلد الواحد في بعض الأحيان.
في كتابي الجديد بعنوان (لا صمت بعد اليوم: في مواجهة الصورة الأميركية الخاطئة عن الإسلام)، الذي أرجو أن يصبح قريباً من أكثر الكتب مبيعاً حول العالم، تطرقت إلى صِدَام الحضارات الذي تنبأ به البروفسور صاموئيل هانتنجتون، وإذا كنت فهمت ما كتبه فهماً صحيحاً، فقد تنبأ بصدام شديد بين الإسلام والغرب، وأود من منطلق هذا التنبؤ المتشائم أن أعلق على بعض النقاط.
أنا لست خبيراً بتاريخ الحضارات أو بالإسلام، أو حتى بالمسيحية التي اخترتها دينا لي. كما لا أدّعي العلم والمعرفة في هذا المجال، لكن لدي خبرات واسعة وفريدة من نوعها جمعتها خلال سنواتي الثمانين، لا تخلو بعضها من أهمية.
بدأتُ رحلة اكتشاف الإسلام متأخرا. كان أول حوار لي مع شخص عرفت أنه مسلم حين بلغت الثانية والخمسين من عمري، وكنت وقتها قد عملت مدة اثني عشر عاماً عضواً في الكونغرس الأميركي. قد تندهشون للمعلومة الآتية أو يصعب عليكم تصديقها. فإن كان الأمر كذلك، فلتعلموا أنه لم يكن يوجد في أميركا قبيل الحرب العالمية الثانية سوى عدد قليل جدا من المسلمين. أما اليوم، فيبلغ تعداد المسلمين الأميركان حوالي السبعة ملايين نسمة، إلا أن معظمهم يعيش في عزلة عن غير المسلمين ويميلون إلى السكن في المدن الكبيرة في أحياء تتميز بالترابط الاجتماعي. وفي مدينتي التي يبلغ عدد سكانها ثلاثين ألف نسمة يعيش حوالي عشرة بالمائة مسلمين، أي ما يعادل مسلما واحدا بين كل ثلاثة آلاف.
معظم الأميركيين لم يلتقوا قط بأشخاص يعلمون أنهم مسلمون، فهم لم يقرؤوا في حياتهم آية واحدة من القرآن أو يسمعوا بها، ويمكن أن يكون كل انطباع لديهم عن الإسلام خاطئاً، لكن مع مرور الوقت سينتشر المسلمون في المجتمعات غير الإسلامية، وسيؤدي هذا إلى تشجيع التفاهم بين الأديان، إلا أن هذه العملية تحتاج إلى وقت. ولدى معظم الأميركيين - وبينهم عدد كبير من رجال الدين المسيحيين- معلومات غير صحيحة عن الإسلام، فهم يعتقدون أن المسلمين يقفون مع الإرهاب، ويسيئون معاملة المرأة، ويعادون الديمقراطية، ويعبدون رباً غريباً منتقماً.
وخلال الخمس وعشرين عاما الماضية، وخصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة التي أمضيتها في تحضير الكتاب، بحثت بجهد شخصي عن معلومات صحيحة عن الإسلام لأعوض واستدرك معرفة ما فاتني.
على أية حال، أود أن أطرح هنا فكرة بسيطة عن الحوار بين الحضارات قد يصفها البعض بالسذاجة، وقد يكونون على حق، لكن لدي قناعة من خلال خبراتي في الحياة بصحة ما يلي:
أولاً: الصراع بين الحضارة الإسلامية والغرب ليس قدرا مقدورا، ففي غياب أية كوارث غير متوقعة لن يحدث أي صراع، لأن التفاهم بين الحضارتين اليوم أفضل مما كان عليه بالأمس، وسيستمر هذا الفهم بشكل أفضل غداً، فالاختلافات الملموسة تتضاءل يوما بعد يوم في ظل نور العلم، وعلى الرغم من استمرار بعض الخصائص الأساسية لكل حضارة، فإن الاختلافات ستضمحل بلا شك في المستقبل.
يقف الوقت أيضا في صف التفاهم بين الأديان، فبالعمل الدؤوب والنوايا الحسنة على مستوى الأفراد في كل من الدول الإسلامية والولايات المتحدة الأميركية سيتنامى التفاهم باستمرار، بل وبشكل كبير في المستقبل القريب.
يشكل المسلمون ثاني أكبر الجماعات الدينية وأكثرها تزايداً في أميركا، إذ يفوقون اليهودَ حاليا في العدد، ويُتوقع أن يتضاعف عددهم في أقل من عشرين عاماً. من ناحيتي، أرى أن من الخطأ نسبة الإسلام للشرق والمسيحية للغرب؛ فالمسيحية منتشرة أيضا في مناطق عدة من الشرق، أما من الناحية الديموغرافية، فالإسلام يحتل جزءاً أكبر في الغرب مقارنة بما تحتله إسرائيل واليهودية.
إن كان هناك بريق أمل خلفته كارثة الحادي عشر من سبتمبر، فهو يتمثل فيما تبع تلك الكارثة من أبحاث ومنشورات حضارية انتشرت في أميركا وتناولت موضوع الإسلام؛ معظمها تعليمي وبنّاء وبعضها هدام وشديد التعصب، إلا أن الإيجابي والمفيد يطغى عليها.
وفي غياب الكوارث، سيكون الوقت في صالح الاحترام المتبادل والانسجام. فمع تزايد عدد المسلمين وانتشارهم في أرجاء أميركا، سيكون بإمكان غير المسلمين فهم التعاليم والمعتقدات الأساسية التي تربط الإسلام بالمسيحية واليهودية، وبالتالي سيشعرون بالارتياح تجاه المسلمين ويرحبون بهم ضمن التيار الأميركي السائد.
الشعب الأميركي شعب منصف بطبعه، فهو يبحث دائما عن الحقيقة ويسعى لمساعدة المظلومين، وإن كان مقدَّرا للصدام أن يحدث بين الإسلام والغرب، فسيكون الجهل هو السبب الرئيسي وراء ذلك، وعلاجه بلا شك يكمن في إظهار الحقيقة.
كتب أحد الأساتذة الجامعيين بعض التأملات العميقة قائلاً، بعد سنوات عديدة من دراستي لمادة المنطق وعلم الأخلاق على يديه: «إن الهدف المعلن لكل ديانة من الديانات الكبرى هو السلام والوحدة والتناغم، ومن المفيد التفكّر فيما يكون قد حدث لو أن الأديان تعاونت فيما بينها لتحقيق أهدافها المعلنة»... أي لو وحَّد المسلمون والمسيحيون جهودهم لتحقيق أهدافهم، ولا يزال هناك الكثير مما ينبغي فعله في هذا الصدد.
ثانياً: قد تكون المرحلة القادمة حرجة حاسمة للبت في مسألة تطور الصراع بين الحضارات، وتعد العاصمة واشنطن حاليا أكثر المناطق خطرا على الإطلاق في هذا المجال.
بإمكان آحاد المواطنين، بمن فيهم كل من اجتمع هنا، أن يؤثر على مسار الأحداث، إذ بإمكان كل واحد منكم أن يجد طرقا عدة لمساعدة الشعب الأميركي في الوصول إلى فهمٍ صحيحٍ للإسلام، إن كل واحد منكم بمقدوره المساهمة في تفادي صراع مدمّر بين الحضارات لا داعي له.
(ترجمة منال شريدة وجميلة حسن).