محمود درويش .. خطوة في الشعر.. خطوة في الحياة

كتب ـ محمد العناز
الشاعر لم يمت

الطرق التي تؤدي إلى قلب كلية الآداب بتطوان شبه مقطوعة هذا اليوم. لم يكن سبب ذلك احتجاجات الطلبة. هذه المرة كان المحتجون هم عشاق محمود درويش: مثقفين وأساتذة جامعيين وطلبة باحثين وأناس بسطاء، جمعهم فضاء قاعة الندوات من أجل الاحتفاء بالملتقى الوطني الثالث: خطوة في الشعر.. خطوة في الحياة، دورة محمود درويش، الشاعر الذي ترك قطاره وحيدا في منتصف الرحلة بين هيوستن ورام الله.
هذا الملتقى الذي يشرف على تنظيمه نادي حوارات الأدب والفكر، وكلية آداب تطوان، وجامعة عبدالمالك السعدي، بتعاون مع شعبة اللغة العربية، والمدرسة العليا للأساتذة بمرتيل، وفرقة البحث في الإبداع النسائي، ومجموعة البحث في الدراسات السينمائية والسمعية البصرية.
تحت عنوان "ليس كل الشعراء بلغاء" صاغ الأكاديمي محمد مشبال الكلمة التي افتتح بها المائدة المستديرة حول موضوع "الجمالي والتاريخي في تجربة محمود درويش الشعرية"؛ حيث أشار إلى أن هذا الشاعر قدم للقارئ بلاغة إنسانية فريدة، جسدت الجمال والفعالية؛ هناك تصوير شعري فائق إلى جانبه قدرة مذهلة على التأثير الفعلي في المتلقي.
كلمة محمد مشبال دعت إلى ضرورة استخلاص الدروس من تجربة هذا الشاعر؛ منها أن الشعر ليس صناعة نخبوية، وليس مجرد تعبير عن ذات فردية، وليس لعبا بالكلمات. الشعر بلاغة تتجسد في تواصله مع الناس، وفي دفاعه عن القيم، وفي قدرة صاحبه على الاستحواذ على المتلقي بالصورة المبتدعة والقيمة الإنسانية والإنشاد النافذ.
وختم مشبال كلمته بقوله إن القارئ العربي في حاجة إلى شعراء بلغاء أمثال محمود درويش لمخاطبة إحساسه الجمالي باعتباره كائنا يتطلع إلى تحسين وجوده في العالم.
أما الشاعر والأكاديمي أحمد هاشم الريسوني فقد انطلق من قرية البُرْوة التي ولد فيها درويش التاريخية بمحافظة عكا، والتي دمرها الصهاينة تدميرا تاما والتي أحياها محمود درويش شعريا وإلى الأبد. وتلك هي المعادلة الصعبة التي لم يستوعبها العدو أبدا، واصفا أن قصيدته تمتد خمسين عاما، وهو عمر شعري خرافي وآسر. كما توقف الباحث عند مسيرته الشعرية وانعراجاتها المتشعبة والمعقدة، والتي تغنى فيها بفلسطين غناء تراجيديا غير مسبوق، وهو في هذا لم يجعل القضية موضوعا، بل جعلها قصيدة تنفتح على أفقها الجمالي والإنساني في شموليته، فكان ذلك تميزه وتألقه.
واستوحت الدكتورة فريدة بنعزوز مداخلتها "من وحي الذاكرة". فتعميق علاقتها بمحمود درويش ترجع إلى أواسط السبعينيات من القرن الماضي، عندما كانت طالبة بآداب الرباط، ومن خلال بحث كانت قد أعدته في موضوع أدب المقاومة الفلسطيني، عندما كان الطلبة يؤثثون معاركهم النضالية بقصائده الملهبة لمشاعرهم الثورية. ووجدت نفسها إزاء شاعر لا يمكنه أن ينسى أبدا كيف سحب بساط الوطن من تحت قدميه، عندما وجد نفسه فجأة طفلا لم يتعد السابعة من عمره، يعدو بين التلال والوديان خلف أهله الهاربين من رصاص لم يكن، والحال هذه، ليستطيع أن يدركه أو يفهم له أي معنى.
وبينت كيف أسهم هذا الأمر في تكوين شاعرنا النفسي، ثم الفني الذي رفده امتياحه من القرآن والتوراة والإنجيل والفكر الماركسي اللينيني، ومن الأدب العربي بشقيه القديم والحديث، وكذا من شعر المقاومة والرفض العالميين وآدابهما.
أما الدكتور الإمام العزوزي فقد انطلق في مداخلته "شعرية درويش في ضوء التحولات الكبرى" من مجموعة من الأسئلة التي تفرض نفسها على قارئ شعر درويش، أولها التأثير العميق الذي مارسه هذا الشعر طوال أربعة عقود دون أن يفقد بريقه ولا توهجه والذي يستمر، وثانيها، دورانه حول موضوع واحد وهو القضية الفلسطينية دون السقوط في التكرار والرتابة.
وكان الجواب أن الأمر يعود إلى التحولات في الرؤية والبعد الفني الذي عرفه شعر الشاعر. ورصد العرض ثلاث تحولات كبرى في هذا الشعر. اشتملت الأولى نوعا من الغنائية الممزوجة بالتحدي. والإيمان بالغد الأفضل. وجعلت هذه الرؤية الأرض موضوعها الأثير، واستمرت إلى غاية سقوط بيروت وصدور قصيدته مديح الظل العالي. حيث سيعين محمود زلزالا مهولا على مستوى الرؤية والقصيدة، فيبني رؤية تجسد وجدانية الفلسطيني وسط محيطه، وتخلى عن تفاؤليته المفرطة وركز في موضوعاته على الإنسان الفلسطيني الذي عليه أن يبني ملحمته الخاصة، وعلى المستوى الشعري تجاوزت القصيدة شفافيتها وإيقاعاتها الخطابية نحو تكثيف الصورة عن طريق الرمز والاستعارة، والنفس الطويل في الجملة والفقرة والقصيدة الشعرية.
أما المرحلة الثانية فلقد حملت على مستوى تعميق أزمة الفلسطيني، وعبرت عن رؤية مأساوية وسوداوية ممزوجة بقلق عميق على مصير الإنسان والأرض. وتجلت في قصيدته ما قبل الأخيرة "سقط القطار على الخريطة"، وتميزت فنيا بتجاوز القصيدة التعبير والقصيدة البوح إلى ما يسميه القصيدة التشكيل حيث يتم تجسيد اللحظة والموقف والرؤية شعريا.
في حين سلطت مداخلة الدكتور يونس الأسعد الرياني الضوء على محمود درويش السياسي في علاقته بالمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد. فانتماء الرجلين إلى فلسطين ـ يقول الباحث ـ جعل منهما صوتين متميزين استطاعا أن يجعلا من القضية الفلسطينية قضية عالمية كونية. فعلاقة محمود درويش وإدوارد سعيد تعود إلى سنة 1974 عندما التقيا لأول مرة في نيويورك بمناسبة إلقاء الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات خطابه الشهير أمام الجمعية العامة في الأمم المتحدة، مؤكدا أن هذا اللقاء كان بداية علاقة طويلة بين الرجلين رغم اختلاف موقعهما السياسي من المسار التاريخي الذي اتخذت القضية الفلسطينية منذ إعلان منظمة التحرير قيام دولتين: دولة فلسطين، ودولة إسرائيل.
لكن رغم هذا الاختلاف في الموقف السياسي، فإن العلاقة الفكرية والأدبية انتصرت على ما هو سياسي، لتبقى كلمة محمود درويش وإدوارد سعيد ترسم رؤية جديدة تسعى إلى ما هو كوني وإنساني.
وتطرقت مداخلة الدكتورة جميلة رزقي الموسومة بـ "الشاعر لم يمت" من لمحة موجزة عن درويش وحياته بقرية البروة متوقفة عند علاقة درويش بالمرأة التي شغل عنها بفعل ارتباطه بالقضية الفلسطينية والكتابة التي لم تكن سوى قضيته الأولى.
واعتبرت الباحثة أن محمود درويش بالرغم من جاذبيته وصداقاته الكثيرة مع الجنس الناعم، كانت نظرته إليهن مثالية، مستشهدة ببعض حواراته التي يقول فيها "إن الأم هي كل شيء في هذه الحياة، وكل شيء في الطبيعة يرمز ويتكلم عن الأمومة".