المغرب يسعى للتأقلم مع التغيرات المناخية

الرباط ـ من محمد التفراوتي
لا مناص من نهج سياسات التأقلم محكمة التخطيط

باتت قضية التغيرات المناخية أحد ابرز هموم البشرية المثيرة للقلق، وشغلت اهتمام الباحثين والخبراء والمنظمات الدولية المتخصصة.
فالنشاط البشري المتزايد خاصة الصناعي وما ينجم عنه من الغازات الدفيئة من قبل دول محور الشمال، يؤثر بشكل مباشر على دول محور الجنوب.
وتعد القارة الإفريقية أهم المناطق المتضررة وتصنف شعوبها ضمن أكثر المتضررين من ملوثات الدول الصناعية العملاقة.
وترزخ تحت وطأة التبعات المناخية الكارثية التي تنعكس سلباً على موارد المياه والأمن الغذائي والمنظومات البيئية، مما يستوجب تعزيز قدرات ساكنة الجبال والسهول والمناطق المهمشة، كبديل، من قبل برامج ومشاريع تنشد تعزيز البحث العلمي لاستنباط حلول دقيقة تروم نحو تقليص هشاشة التجمعات السكنية المتضررة والتكيف مع التغيرات المناخية تفادياً للهجرة وتدهور المياه والتربة وتفاقم انعكاسات الاحتباس الحراري.
وعلى هامش الإجماع المجلس الاستشاري لبرنامج التغيرات المناخية بإفريقيا نظم البرنامج بتنسيق مع المعهد الوطني للبحث الزراعي ندوة علمية حول دور البحث التشاركي في تعزيز قدرات التأقلم مع التغيرات المناخية في المغرب، وقدمت من خلاله برامج البحث بالمغرب حول تنمية القدرات التاقلم مع التغيرات المناخية.
وفي افق تعزيز مبادرات الشراكات المحلية وخلق فضاء للحوار، وتشبيك رؤى موحدة حول دور وقيمة البحث التشاركي كإطار لتنسيق مختلف الأطراف المعنية من اجل اختبار استراتيجيات التأقلم المناسبة.
ويعد المغرب احدى الدول الإفريقية المتضررة بالانعكاسات السلبية للتغيرات المناخية وبذلك أصبح لا مناص من نهج سياسات التأقلم محكمة التخطيط، لحماية الساكنة من عواقب الاحتباس الحراري التي تطال الفلاحة والأمن الغذائي والمجال الساحلي والموارد المائية، وذلك بتكاتف جهود الاطراف المعنية من اجل إيجاد استراتيجية تدعم الفلاحين والكسابين والصيادين.
واستعرض غاي جوبنس مهام وآفاق مجهودات تقوية التأقلم بشمال إفريقيا مع التغيرات المناخية عبر استهداف المكونات الأكثر هشاشة في المجتمعات الإفريقية ويشرف البرنامج على 25 مشروع بحث في القارة الافريقية، يتغيا مواضيع متنوعة ويدمج مختلف البلدان الإفريقية بما فيها المغرب باربعة مشاريع وذلك في إطار مباردة برنامج البحث وتنمية القدرات المساندة من طرف المركز الدولي للأبحاث من اجل التنمية الكندي والقسم البريطاني للتنمية الدولية.
وساق جون لوبيل عن المركز الدولي للابحاث من اجل التنمية مرامي وسياق مجال تدخل المركز ليثمن مبارك ديوب عن المجلس الاستشاري لبرنامج التغيرات المناخية بإفريقيا تشكيلة المجلس المكون أغلب أعضائه من إفريقيا فضلا عن كون البرنامج تبلور من اجل افريقيا ويستهدف شعوب القارة الافريقية قصد الرفع من قدرات التأقلم مع التغيرات المناخية.
وأوضح غوردن كونواي، في سياق مداخلته، أسس التاقلم مع التغيرات المناخية من خلال التنويع لتقليص مجال المخاطرة، وأسهب في تعداد انواع دقيقة من التأقلم منها ما هو فيزيائي مادي وبيولوجي ومؤسساتي.
وأكد المدير العام المعهد الوطني للبحث الزراعي محمد بدراوي على وجوب استثمار المؤسسات في مجال البحث العلمي بالمغرب حول التاقلم مع التغيرات المناخية نظراً لوجود المغرب في منطقة تتاثر بشكل مباشر مع التغيرات المناخية تفادياً للازمة المرتقبة والهجرة الى دول الشمال.
وفي السياق نفسه أكد بدراوي على دور البحث العلمي لبلورة برامج بحث عملية منبثقة من واقع القارة مما يساهم في التكيف مع الاكراه المناخي والرفع من قدرات ساكنة القارة الافريقية وكذا نقل التكنولوجيا لتحسين الغذاء ومحاربة الامراض وتدبير الموارد المائية والمنظومة البيئية بغية التقليل من عواقب تأثير التغيرات المناخية.
وافاد الباحث عبد الواحد الشريع عن مركز البحث الزراعي بسطات في إطار تقديم مشروع استراتيجية التاقلم في مناطق السهول والجبال بالمغرب، ميكانزمات تاقلم التجمعات القروية مع التغيرات المناخية البيئية وتعتمد اساساً على الفلاحة كمصدر للعيش، والامن الغدائي.
وتعاني الساكنة القروية الفقيرة والمهمشة، بالمناطق الجافة والشبه الجافة، من الجفاف الموسمي حيث من المنتظر ان تعرف هذه المناطق تقلبات مناخية قد تؤدي الى استفحال الفقر وتقزيم الانجازات الاقتصادية والاجتماعية خلال العشرية الاخيرة.
ويهدف هذا المشروع الى تقوية قدرات التأقلم لدى مجموعتين قرويتين تعاني من الفقر والهشاشة بناء على تقييم للتجارب الماضية ووقع التغيرات المناخية على الموارد الطبيعية والنظم الزراعية والساكنة المحلية.
وستعمل مجموعة البحث، في السياق نفسه،على تحليل السلوك والتصرفات الخطيرة من وجهة نظر مختلف السيناريوهات والاحتمالات المناخية.
كما يسعى فريق البحث الى تقوية القدرات المحلية من اجل تشخيص وتشكيل اختيارات تقنية مؤسساتية وسياسية ملائمة وفق برنامج تواصلي.
ومن جهته قدم الباحث عبد اللطيف الخطابي،عن المدرسة الوطنية الغابوية، سبل تمكين فاعلي تدبير الساحل المغربي من تنمية البرامج وسياسات التاقلم مع التغيرات المناخية.
ويسعى هذا البرنامج الى تنمية القدرات والمساهمة في وضع سياسة واتخاد القرار من أجل تخطيط افضل لاستغلال الاراضي الساحلية وتقليص هشاشة التجمعات السكنية الساحلية الناتجة عن ارتفاع مستوى البحر والفيضان الساحلي والظواهر الجوية الخطيرة.
ويساهم هذا المشروع في تنمية مناهج تدعيم التهيئة والاستعداد للظواهر المناخية في المنظومة الاخبارية التي تقود الى سياسات الحماية العامة، ستمكن هذه النتائج من مخططات تدبير مندمج للسواحل في اقليمين نموذجيين بالمغرب.
وتدعم تقييم وتطبيق اجراءات التاقلم في اطار جهوي، تبعاً لاهداف سيتم متابعتها من خلال تقييم الهشاشة والتفكير التشاركي في استراتيجية التأقلم مع التغيرات المناخية وتحسين القدرات عبر نقل التكنولوجيا وتحسين وتقوية المؤسسات.
وافاد الباحث عبد الرحمن آيت الحاج عن مركز البحث الزراعي بأغادير أنه انطلاقاً من دراسة حول جدوى السدود التلية في المناطق الجبلية بالمغرب وتأثيرها الايجابي على الموارد المائية في المجال الحيوي والنظام الزراعي والصحة.
واتضح بذلك جلياً اهمية السدود التلية في الرفع من امكانيات التاقلم مع التغيرات المناخية وخاصة الجفاف وبالتالي تمت بلورة فكرة مشروع بحث لتطوير منهجية ترشيد السدود التلية كمساهمة حثيثة لتطوير القدرات لمواجهة عواقب التغيرات المناخية.
ويعد المغرب من الدول الأكثر تاثراً على مستوى الخصاص المائي، مما يزيد من حدة هشاشة المغرب خاصة الموارد المائية، قد يؤثر سلباً على نموه الاقتصادي والاجتماعي ويزيد من حدة تأثر المنظومة الصحية.
وتؤكد التوقعات المناخية بمختلف مناطق المغرب، ارتفاع حدة الجفاف مما يزيد من حدة الخصاص المائي كماً ونوعاً، مما سينعكس سلباً على الامن الغدائي والصحي وستطال الازمة التجمعات السكنية خاصة القروية.
و تساهم السدود التلية عن طريق تجميع وتدبير الماء، في حفظ توازن المنظومة البيئة ويسعى مشروع البحث الذي يتبنى مقاربة شمولية للمنظومة البيئية.
ويضيف الباحث آيت الحاج، الى إدماج اختصاصات متعددة والمشاركة مع مقاربة النوع وكذا المساهمة في تحديد اختيارات تقنية ومؤسساتية وسياسية وتنظيمية ملائمة من اجل تطوير، على المدى البعيد، المحددات الصحية والعيش الكريم وقدرات التأقلم لدى التجمعات القروية المستغلة للسدود التلية.
وتناول عميد كلية العلوم بجامعة الأخوين الباحث أحمد لكروري برنامج استعمال "تدبير الطلب" كاستراتيجية التأقلم مع الخصاص المائي والتغيرات المناخية في حوض سايس من اجل التحكم في استغلال الماء والمساهمة في استدامة الفرشة المائية، حيث يسعى هذا المشروع الى تفحص مدى مساهمة "تدبير الطلب" في بناء قاعدة صلبة لتدبير مندمج للموارد المائية وتقوية قدرات التأقلم مع التغيرات المناخية داخل حوض سايس ذلك أن المشروع سيشتغل مع عدة شركاء ومتدخلين ومعنيين مع التركيز على التجمعات السكنية الهشة ومهمشة في حوض سايس وسبو بشمال المغرب مقابل تجربة الاستغلال المفرط للماء في مستويات غير مسبوقة وغير محتملة، نظراً لانخفاض مستوى الأمطار وارتفاع الطلب على الماء.
والتقلص المستمر للكميات المائية والعواقب وخيمة المحتملة التي قد تؤدي إلى استنزاف كامل للفرشة المائية في أفق 25 سنة.
وتخللت الندوة نقاشات مستفيضة شارك فيها كدلك ممثلو الجمعيات والمؤسسات أماطت اللثام عن مختلف الجوانب التقنية والنظرية والافاق المستقبلية من رؤى وزوايا مختلفة أجمعت على ضرورة اتخاد التدابير اللازمة كتقنيين وباحثين ومنظرين للخروج من شرنقة الوضعية المهولة التي تتنظر شعوب دول محور الجدنوب.
كما قام المشاركون بزيارات ميدانية الى مشروع السد التلي اسغركيس بمنطقة آيت بها كنموذج لمشروع تأقلم ساكنة المنطقة مع التغيرات المناخية.